فرد متقدم في دولة متخلفة

ajialpress10 نوفمبر 2012
فرد متقدم في دولة متخلفة

ذ: مصطفى هطي

يعتبر الفرد دولته او مجتمعه او جماعته التي يعيش فيها متقدما اذا حقق ما يعرف في علم الاجتماع بـ "المسايرة" باعتبارها التزاما بالمعايير السائدة في الدولة او المجتمع او الجماعة. لكن هذا الالتزام بهذه المعايير الجمعية يجعل الفرد متقدما اذا كان يعيش في دولة متقدمة ايضا وبالتالي في مجتمع متقدم وإذا لم يلتزم بهذه المعايير فإنه يكون استثناءا يطبق عليه القانون ويحاسب ليلتحق بركب تقدم الدولة. لكن كيف يكون حال الفرد المتقدم يعيش في دولة متقدمة نظريا في القوانين لكن المعايير السائدة في المجتمع متخلفة ؟ ما هي حال افراد يعيشون بقيم التقدم داخل مجتمعات ذات ثقافة متخلفة تهيمن على جل مفاصل الدولة سواء في الشارع العام او داخل الادارات العمومية والمستشفيات والمؤسسات التعليمية سواء كنت مواطنا متقدما تريد قضاء اغراضك الادارية او كنت موظفا متقدما تريد اداء خدمتك بكفاءة وبمعايير الاداء المتعارف عليها قانونيا في دولتك والمتفق عليها في الدول المتقدمة؟ كثير من هؤلاء الافراد المتقدمون في دول متخلفة يعانون العزلة ويصبح كل واحد منهم استثناءا داخل مجتمع متخلف تعني فيه المسايرة الاجتماعية ان يصبح سلوكك مسايرا لما هو سائد داخل دولتك او جماعتك وبالتالي اذا انت سايرت تصبح متخلفا رغما عنك إما بالخضوع او بالتصنيف الدولي لدولتك ومجتمعك ضمن الدول والمجتمعات المتخلفة. تأتي لقضاء غرض ما في الادارة العمومية وتلتزم بالترتيب وتنتظم في الصف امام جم غفير يتحين الفرص ليسطو على مكان احد ويسبقه رغم تأخره في المجيء او يتحين فرصة رؤية من يعرف من الموظفين لينال السبق او يقدم ملف اغراضه من وراء حجاب تارة وتارة أخرى ينادي عليك الموظف لأنه يعرفك ويحثك على الدخول وإذا امتنعت حفاظا على النظام والتقدم يعتبرها اساءة و تصبح عنده غريبا وكأنك نزلت من المريخ ولا تعرف عن واقع الادارة شيئا وعن اصول التعامل داخل الاجتماعي!! تعمل مدرسا وتسلك طريق المدرس في الدول المتقدمة فتحضر في الوقت وتغادر قاعة الاساتذة في الوقت, تترك كأس شاي لم يسعفك وقت الاستراحة في شربه لكي لا تتأخر عن وقت ولوج قاعة الدرس, تمهل التلاميذ مهلة 5 دقائق في اطار المرونة والتقليص من التأخر السائد والمستفحل, تحضر الاجتماعات في الوقت المحدد … انت بهذا السلوك غير مرغوب فيك داخل جماعتك التي تفضل التأخر في الولوج الى المؤسسة وقاعة الدرس. تلج قاعة الامتحانات لتقوم بدورك في حراسة التلاميذ وجعل المنافسة شريفة والعملية نزيهة لتخريج كفاءات علمية حقيقية ومؤهلة وتحرص على ملأ التقارير بحقيقة ما جرى في القاعة , انت بسلوكك هذا داخل جماعتك التعليمية شاذ غير مرغوب فيك بل ولأنك تحرص على اداء مهمتك على احسن وجه يريحونك من الحراسة !! يحرص التلميذ على تحضير دروسه والحضور الى قاعة الدرس في الوقت المحدد ويلتزم بقواعد الفصل ويشارك في الدرس … بسلوكه هذا هو فرد غير مرغوب فيه داخل جماعته. تعمل في ادارة عمومية تحرص على حسن الاداء مع المواطنين , تحضر في وقت العمل على الساعة الثامنة ولا تغادر إلا عند انتهاء وقت العمل , لا تنشغل بالكلام مع احدد الموظفين او الموظفات لان المواطنين ينتظرون… بسلوكك هذا انت غير مرغوب فيك داخل جماعتك من الموظفين والموظفات لأنك برأيهم تريد ان تظهر عليهم ذكيا ملتزما اكثر من اللازم. تحرص على الاستفادة من الابحاث العلمية وتبذل جهودا كبيرة في تطبيق نتائج العلم في التغذية واستبعاد المعلبات عنك وعن ابنائك وتحاول استثمار نظريات تربية الابناء… بسلوكك هذا انت شاذ تحرم نفسك و ابناءك من متع الحياة بل تجد من يحاول ارغامك على مسايرته حتى لا تحرجه. تأتي إلى المستشفى مبكرا لتأخذ الترتيب الاول وتمتنع عن إعطاء الرشوة فإذا بك تجد ان رقم الورقة التي يسلمها لك المسؤول برقم 30 او 40 وأنت لا ترى احدا امامك. إنه يحتفظ بالأرقام الاولى لمعارف لكي يلجوا قاعة العلاج في الوقت الذي يحضر في الطبيب المتأخر بدوره او يدخلون من الباب الخلفي للقاعة وأنت سامر تنتظر. تسير في الشارع مع مجموعة ممن تعرف وتحرص على السير على الرصيف متى اتاحت لك المقاهي ومحلات البيع ذلك! وتلتزم بالمرور في ممر الراجلين فتبدوا غريبا داخل مجموعتك التي تلح عليك بأن تسير كيفما اتفق. تسوق سيارتك وتلتزم بعلامات وأضواء المرور وتحترم ممر الراجلين وتعطيهم اسبقية المرور انت استثناء وستكون سببا في تواتر منبهات السيارات من ورائك . هذه بعض من سلوكات تحولت الى ثقافة اجتماعية فاسدة تحطم نظام الدولة الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وبها يصنف الباحثون الدول الى متقدمة ومتخلفة , وهذا هو الفساد الخطير الذي ان نحن كسبنا رهانه ونجحنا في محاربة ثقافته داخل المجتمع فإننا سنكسب رهان محاربة الفساد الاداري والسياسي والاقتصادي المنظم وبالتالي نكسب رهان التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

مستجدات