الصحة النفسية، الرفاه النفسي و السعادة

يوسف العزوزي18 يوليو 2026
الصحة النفسية، الرفاه النفسي و السعادة

 

Jade Landry Curriet

ترجمة: يوسف العزوزي(بتصرف)

أستاذ و مكون أخصائي في تعديل السلوك 

 

 

أصبحت  الصحة النفسية و الرفاه النفسي و السعادة  تحتل مكانة مهمة في الأبحاث المعاصرة لعلم النفس العلمي. كما عرف التداول العمومي في وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الإعلامية تدفقا غير محدود للفيديوهات و التدوينات و المقالات التي تزخر بالنصائح التي تسعى إلى جعل حياة الناس أكثر جودة من خلال تحريرها من التوتر و القلق و الحزن . بالإضافة إلى ذلك يقدم مدربو التنمية الذاتية خدمات كثيرة تهتم بتحقيق نفس الهدف .

لا يدعي هذا المقال أنه يقدم موضوعا مبتكرا أو جديدا، لأن مضمونه شكل موضوع عدة دراسات  علمية منذ بداية القرن خصوصا مع  Martin Sligman 1999  الذي أعطى الأولوية  لأسئلته حول السعادة و الصحة النفسية الإيجابية في فترة رئاسته للجمعية الأمريكية لعلم النفس، حيث وحد مجهودات عدة باحثين لتعريف و دراسة و فهم هذه أبعاد هذه المفاهيم . في هذا السياق يسعى هذا المقال إلى تقاسم مستجدات التقدم العلمي التي تسمح بالإحاطة بمفاهيم الصحة النفسية و الرفاه النفسي و السعادة.

 

الصحة النفسية الإيجابية ؛

لتقريب مفهوم الصحة النفسية الإيجابية  نضرب مثلا بالصحة البدنية لأنها الأكثر تداولا بين الناس ، للتوضيح بأن خلو شخص من الأمراض لا يعني بالضرورة بأنه في صحة جيدة . حيث نبه Corey L M Keyes الباحث في علم النفس و علم الاجتماع إلى خطأ الاعتقاد بأن حضور الصحة النفسية هو نتيجة لغياب الاضطرابات النفسية .

 

و يمكن أن يكون هذا المعطى  وراء رفع ميزانات دعم برامج الصحة العمومية لفهم و معالجة الاضطرابات النفسية Keyes 2007  . نظرا لقلة  الأبحاث الموجهة في السابق لفهم أعمق للصحة النفسية و إيجاد الوسائل الناجعة لرعايتها. لكن  حجم الاهتمام  الحالي بها ساعد على تدارك هذا النقص ، عندما تبين أن العناية  بالصحة  يقي من الأمراض ، كما أن الاعتمام بالصحة النفسية يقلص من احتمال الإصابة بالاضطرابات النفسية .

سنتطرق في هذا المقال إلى تجليات الصحة النفسية الإيجابية  Keyes, 2013c  . من خلال مفهومين حديثين هما ؛ التفتح النفسي-اجتاعي و المرونة النفسية، باعتبارأهمية دورهما في توضيح الممارسة المهنية للصحة النفسية و أثرهما على برامج الصحة العمومية .

و عكس تقرير  نشرته منظمة الصحة العالمية  سنة 2014   تغييرا مهما في مفهمة الصحة النفسية  باعتبارها تجسيدا لغياب الاضطرابات النفسية ، و إعادة تعريفها كحالة من الرفاه النفسي، تمكن الشخص من تحقيق ذاته و تجاوز التوترات الاعتيادية للحياة اليومية، و القيام بعمل منتج و المساهمة في  الحياة الاجتماعية .

 

التفتح النفسي اجتماعي ؛

لا يمكن اعتبار الصحة النفسية الإيجابية مفهوما جديدا، لكنه بقي فضفاضا، و لم يتم تحديده بشكل دقيق إلا حديثا من خلال وضع ثلاثة عشر معيارا لقياسه  .

 

 

معايير تشخيص التفتح النفسي-اجتماعي حسب Keyes ؛

 

الرفاه الانفعالي 1 مزاج إيجابي الاهتمام بالحياة، مزاج جيد، إحساس بالسعادة و الحماس .
2 الرضا الرضا عن كل الحياة  أو بعض مجالات الحياة.
 

الأداء الوظيفي السيكولوجي

3 تقبل  الذات موقف إيجابي اتجاه الذات .
4 التنمية الذاتية الشخصية اعتراف الشخص بإمكانياته الخاصة و قدرته على تنميتها.
5 الغاية من  الحياة السعي إلى تحقيق أهداف الحياة.
6 الكفايات قدرات جيدة لتدبير و تنظيم المحيط من أجل تلبية الحاجيات الشخصية .
7 العزم الذاتي ·        الاحتكام إلى المعايير الشخصية .

·        القدرة على مقاومة الضغط الاجتماعي.

8 علاقة جيدة مع الآخرين. علاقة دافئة مع الآخرين، قائمة على الثقة المتبادلة
 

الأداء الوظيفي الاجتماعي.

9 التقبل الاجتماعي ·        مواقف إيجابية اتجاه الآخرين.

·        الاعتراف و تقبل الاختلاف مع الآخرين.

10 التحديث الاجتماعي. الاقتناع بإمكانيات الناس و المجموعات الاجتماعية و المجتمع و قدرتهم على التقدم الإيجابي.
11 المساهمة الاجتماعية إيمان الفرد بأن حياته مهمة للمجتمع ،و أن الأنشطة التي يقوم بها ذات معنى بالنسبة للآخرين.
12 الانسجام الاجتماعي. ·        الاهتمام بالمجتمع و الحياة الاجتماعية.

·        إدراك أن العالم الذي نعيش فيه مفهوم و يمكن التنبأ به و ذي معنى .

13 الاندماج الاجتماعي. ·        الإحساس بالانتماء إلى المجتمع .

·        الإحساس بدعم المحيط و المجتمع.

 

تهدف هذه المعايير إلى تقييم الرفاه الانفعالي و الأداء الوظيفي النفسي و الأداء الوظيفي الاجتماعي للفرد ، إذ من أجل  تشخيص  التفتح النفسي الاجتماعي أو جودة الصحة النفسية للشخص يجب يحقق الانسجام مع 7 معايير على الأقل من أصل 13 (Keyes, 2005a). . بالمقابل في حالة عدم تحقيق هذا المعدل نقول بأن للشخص  صحة نفسية ذابلة . و تَكمن أهمية هذا النموذج الجديد في أنه يقترح وصفا إيجابيا للصحة النفسية كافيا و دقيقا   للقياس ، يمَكن من رسم ملمح متكامل للصحة النفسية متجاوزا التمثلات الخاطئة .

مثال:حسب التقديرات في الولايات المتحدة الأمريكية  يستجيب شخص من أصل خمسة لمعايير التفتح النفسي-اجتماعي Keyes et Michalec, 2009 . كما أثبتت الأبحاث  عن استجابة عدة أشخاص مصابين باضطرابات نفسية لمعايير التفتح النفسي-اجتماعي  .

بالإضافة إلى تحليلات أخرى مكنت هذه النتائج  من التوصل  إلى أن جودة التقييم  الكلي للصحة النفسية   رهينة  بتمثيلها ضمن مُتصلين مختلفين    Westerhof et Keyes, 2010  ، يمثل المتصل العمودي الصحة النفسية الإيجابية (المتدرج من الأعلى الذي يعبر عن وجود صحة نفسية جيدة و إلى الأسفل الذي يعكس وجود صحة نفسية ذابلة) . في حين يمثل المتصل الأفقي الاضطرابات النفسية ( المتدرج من اليمين الذي يكشف وجود اضطراب نفسي إلى اليسار الذي يوضح غياب أي اضطراب نفسي )  .

 

المرونة النفسية و الحضور الانتباهي ؛

 المرونة النفسية هي قدرة الشخص على الوعي بأفكاره و مشاعره في حاضره دون أي مقاومة غير هادفة و دون أن يمنع ذلك الفرد من التصرف بعيدا أن أهدافه و قيمه  Hayes et al., 2006 . بعبارة أخرى يتعلق الأمر بقدرة الشخص على تقبل حياته ( مشاعر،انفعالات، أفكار…) دون أي تصادم أو استسلام، يحول بين المرء و عمله  و نشاطه اليومي و قيمه  ،و يرتبط تحقيق هذا المسعى بالحفاظ على اليقظة الذهنية  من خلال انتباه الشخص إلى أفكاره و تدبير طاقته و كبح اندفاعيته للتركيز على أولوياته و العيش وفق قيمه Ciarrochi, Hayes et Bailey, 2014 .

و يعتبر Kashdan et Rottenberg 2010 المرونة النفسية ركنا أساسيا في الصحة النفسية لأنها تمنح الفرد القدرة على مواجهة تحديات الحياة اليومية . لأن الشخص الذي ينعم بصحة نفسية يعرف كيف يدبر إكراهات مستجدات الحياة و تقلباتها.

في هذا السياق أصبحت المرونة النفسية  تحتل لبنة أساسية  في  بناء الصحة النفسية  Dionne, Ngo et Blais, 2013  و أضحت هدفا علاجيا للموجة الثالثة من العلاجات المعرفية السلوكية و من أشهرها العلاج بالتقبل و الالتزام .

تقترن المرونة النفسية بجودة الحياة و الرفاه الانفعالي و الرضا عن العمل Fledderus et al., 2010).

و تركز تقنيات اكتساب و تنمية المرونة على معالجة مختلف الاضطرابات النفسية بقدرما تفترض التدخل الوقائي لدعم الصلابة النفسية و تحفيف الكرب بالنسبة للأشخاص الذين لم يخضعوا لأي تشخيص .

 

التشنج النفسي؛

هو التعبير المقابل للمرونة النفسية ، يتجلى في مقاومة داخلية أو سلوك تجنبي لانفعالات أو أفكار مزعجة مع إمكانية تصرف  الشخص خارج حدود قيمه. بحيث تتمظهر هذه المقاومة في تصاعد جدل داخلي  أو اجترار، يستهلك الوقت و الطاقة ، ما يجعل الشخص يغفل عن أولوياته .

و لتجنب المشاعر المزعجة يتجه البعض إلى القيام بسلوك ترفيهي متواصل أو استهلاك الخمر أو تناول الأدوية أو تجنب بعض المواقف الصعبة.

بالمقابل تسمح المرونة النفسية بالاعتراف بصعوبة هذا الموقف أو ذاك و تقبله مع البحث على حلول وسطى و الالتزام بها .

 

الحضور الانتباهي أو اليقظة الذهنية ؛

يساعد التدريب على مهارات الحضور الانتباهي أو اليقظة الذهنية ، من الوسائل التي تدعم المرونة النفسية . في هذا السياق يميز Ngnoumen et Langer (2014) بين تيارين في اليقظة الذهنية ؛ يرتكز الأول على الممارسة المنهجية للتأمل المؤسسة على الفلسفة البودية  ، و يستدعي الثاني مقاربة الحضور الانتباهي بدون تأمل، عن طريق  ممارسات أقل منهجية ، يمكن تصريفها  من خلال أنشطة الحياة اليومية Fisher, 2015 . و يمكن أن يشمل هذا  التيار الثاني مقاربات العلاج النفسي التي تسمح للمتدخل بمساعدة عملائه على اكتساب و تنمية مهارات الحضور الانتباهي  في مواقف مختلفة بالاستعانة بتمارين ذات الصلة Harris 2009a .و تساعد كل هذه التقنيات على التنمية المتدرجة للمرونة النفسية .

 

الرفاه النفسي و السعادة؛

 يتحدث البعض عن موجة “طغيان السعادة ” التي تطبع جيلنا Élie-Morin, 2015 ، إذ يكفي حسب هؤلاء “.. أن يكون تفكيرك إيجابيا لتكون سعيدا و بصحة جيدة ، و إذا كانت حياتك بئيسة فهذا خطؤك”

Cornelier, 2015 . و لمماثلة لهذه الفكرة مع الصحة البدنية؛ تفرض الرغبة في رشاقة الجسم إذا كان صاحبه بدينا ضغطا غير صحي على الكثير من الناس ، رغم ما للبدانة  من خطورة . فقد يُشعرالاعتقاد بحتمية السعادة الافراد بالذنب، ما يسهل انتشار وصفات بسيطة أو حميات “معجزة”  لتحقيق السعادة ،. لكن هذا الانتشار يتسبب في  أضرار أكثر من الفوائد.

من حسن الحظ أن الرفاه النفسي و السعادة شكلا موضوع أبحاث علمية تتوخى البحث في ممارسات ناجعة .  فما هو الرفاه النفسي و ما هي السعادة ؟ ؛ سؤال لا يحمل إجابة  جاهزة، سهلة و  قاطعة ، لأنه يحتاج إلى التدقيق في أولويات الحياة الناجحة ، و يرتبط بقيم المجتمع و ثقافته . في هذا السياق سنعرض أعمال بعض الفلاسفة التي استند إليها الباحثون للتمييز بين المنظور الهيدونيHédonique  (اللذة و المتعة) و المنظور اليوديموني Eudémonique ( تحقيق الذات و البحث عن معنى للحياة وفق القيم و الفضائل).

 

المنظور الهيدوني (المتعة)؛

يرجع مفهوم المنظور الهيدوني إلى اللغة اليونانية القديمة، حيث كانت hêdonê  تعني “المتعة” ، و يَقرن هذا المفهوم السعادة بالحياة الممتعة المليئة بالاسترخاء و المرح السهولة مع أقصى حد من الانفعالات السارة , و أدنى حد من الانفعالات المزعجة Delle Fave, 2011 . لكن رغم  جاذبية هذا المنظور  إلا أنه واجه عدة انتقادات تؤاخده على محدوديته و سلبياته.

في كتابه Le piège du bonheur 2009a الذي عرف انتشارا واسعا في روسيا ، ذهب Harris إلى أن الاعتقاد السائد بقدرة  الشخص في حالة الفرح الدائم على التحكم في الأفكار و الانفعالات من أجل التخلص من كل ما هو مزعج ؛ هو اعتقاد خاطئ.  بل إن هذه المعتقدات الخاطئة تقود على نحو مفارق إلى الكثير من المعاناة، و تدفع إلى سلوكات تجنبية للأفكار و الانفعالات المزعجة ، بدل مواجهتها و تبديدها. ما يساهم في خلق عوامل مساعدة على ظهور و استمرار عدة أضطرابات نفسية .

 

المنظور اليوديموني ( القيم و الفضائل):

يرجع مفهوم المنظور اليوديموني إلى اللغة اليونانية القديمة، حيث كانت eudaimonismos تعني “النظر إلى الشخص على أنه سعيد “. في هذا السياق يناقش المنظور اليوديموني  La perspective eudémonique الأداء الوظيفي الأقصى Sarrazin et al., 2011  أو الرضا المتدفق من الالتزام النشط بتحقيق الأهداف المركبة، كالمساهمة في خدمة المجتمع  أو نسج علاقات بين شخصية مهمة أو تحريك الإمكانيات الخاصة لتطوير الذات Delle Fave, 2011 . يتعلق الأمر بعيش حياة ثرية مليئة بالمعاني ، و رفاه نفسي  مستدام  مؤسس على عمق في الغايات و الأهداف رغم ما يطبع الحياة من صعوبات و إكراهات و آلام . إذن ترتبط السعادة في هذا السياق بتنمية الكفايات و تقوية القدرات  من أجل الانخراط في القضايا المهمة في الحياة Huta et Ryan, 2010.

 

مقارنة  بين المنظور الهيدوني و اليوديموني :

 

المنظور الهيدوني (المتعة)

الأخد

المنظور اليوديموني ( القيم و الفضائل)

الزرع و الحصاد

 الرغبة و المتعة قيم ، مجهود ، رضا
العاطفة و البيولوجيا: شبيهة بمعظم المملكات الحيوانية ، تعالج بواسطة البنى البدائية للدماغ . أكثر تجريدا، ذات صلة بالأداء المعرفي: المتعة ذات طبيعة راقية خصوصا عند الجنس البشري بفضل نمو القشرة الدماغية  الحديثة .

 

لديه انطباع بأن من حقه الحصول على ذلك المسؤولية ( العناية ب…)
الآن ( المدى القريب) بعد مدة ( المدى الطويل)
ما هو ممتع ما نعتقد أنه عادل
منظور ديق و ذاتي منظور شاسع  يتجاوز الذات (قابل للتطوير)

Source : Données tirées de Huta (2015), p. 165.

 

خلاصة :

عرف مجال  البحث العلمي اهتماما متزايدا  لتعميق الفهم بالصحة النفسية الإيجابية و الرفاه النفسي  و السعادة .حيث تعكس الصحة النفسية الإيجابية حالة من الرفاه النفسي تمكن الشخص من مواجهة التحديات و القيام بعمل منتج و المساهمة في تنمية المجتمع ، و يمكن التعبير عنها من خلال متواصلين متعامدين يمثل أحدهما التفتح النفسي الاجتماعي و يمثل الثاني غياب أو وجود الاضطراب النفسي في الأشهر الاثنتي عشرة الأخيرة .

و تسمح معايير الصحة الإيجابية  الثلاثة عشر بتقييم الرفاه الانفعالي و الأداء الوظيفي النفسي و الأداء الوظيفي الاجتماعي للشخص .

كما يمكن تقريب مفهوم السعادة من خلال منظورين؛ هيدوني و يوديموني ، تقترن  السعادة في الأول بحياة المرح و الرفاه الذاتي و الإرخاء و و المتعة . و تقترن السعادة في المنظور الثاني  بتحقيق الغايات و الأهداف المرتبطة بالقيم و الفضائل.

 

 

المرجع الأصلي :

 

Santé mentale et psychopathologie

Une approche biopsychosociale, 2e édition

Martin Benny, Alain Huot, Julie-Anne Lalonde, Jade Landry-Cuerrier,

Luce Marinier, Marie-Anne Sergerie

© 2016, 2013 Groupe Modulo Inc.

 

 

مستجدات