يوسف العزوزي
أصدر المشاركون و المشاركات في الندوة الفكرية المعنونة “من الاعتراف إلى التفعيل… الأمازيغية في مواجهة خطاب الكراهية”، نداء بمناسبة الدورة العشرين لمهرجان ثويزا التي انعقدت بمدينة طنجة بتاريخ 24 يوليوز 2026، مستحضرين المسار التاريخي الذي قطعته القضية الأمازيغية بالمغرب، و يعكس تقديرهم لما تحقق، ويعبر في الآن ذاته عن قلقنهم وانشغالهم بأنواع التعثرات والتراجعات التي يعرفها ملف الأمازيغية داخل المؤسسات.
و اعتمد النداء منهجية كرونولوجية امتدت إلى ما قبل الاعتراف (عقود التهميش ) إلى خطاب أجدير كمنعطف تاريخي في بناء المغرب الحديث و مختلف الخطب الملكية إلى محور الأمازيغية في مواجهة خطاب الكراهية و انتهى النداء بتوصيات تتوخى استكمال ورش تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية. و فيما يلي نص الأفكار التي أصدرها نداء مهرجان تويزا:
أولاً: قبل الاعتراف.. عقود من التهميش
لقد عاشت الأمازيغية، باعتبارها لغة أصيلة عريقة للمغاربة جميعًا، وثقافة ضاربة في عمق تاريخ هذه الأرض، عاشت لعقود طويلة بعد استقلال المغرب أوضاعًا اتسمت بالإقصاء والتهميش، حيث ظلت خارج السياسات العمومية في مجالات التعليم والإدارة والإعلام والقضاء والحياة العامة، رغم حضورها الواسع في وجدان المجتمع المغربي وحياته اليومية، ورغم إسهامها الكبير في بناء الشخصية الوطنية وفي مقاومة الاستعمار والدفاع عن وحدة الوطن وتنوعه.
وقد حملت الحركة الأمازيغية، بمختلف مكوناتها، مطلب الاعتراف والإدراج المؤسساتي بخطاب حضاري ديمقراطي لعقود طويلة، وعبر نضال سلمي ومسؤول، مؤمنة بأن إنصاف الأمازيغية ليس مطلبًا فئويا، وإنما هو مدخل لترسيخ المواطنة الكاملة والمساواة والعدالة الثقافية واللغوية، وإنجاح الانتقال الشامل نحو الديمقراطية.
ثانياً: خطاب أجدير… منعطف تاريخي في بناء المغرب الحديث
لقد شكل الخطاب الملكي السامي بأجدير بتاريخ 17 أكتوبر 2001 محطة تاريخية مفصلية في مسار إنصاف الأمازيغية، إذ حول طموح الحركة الأمازيغية إلى مقاربة رسمية جديدة تعتبر الأمازيغية رصيدًا مشتركًا لجميع المغاربة، ومكونًا أصيلًا للهوية الوطنية الموحدة.
ومن هذا المنطلق، نعبر عن اعتزازنا العميق بالرؤية الملكية المتبصرة التي جعلت من الأمازيغية قضية وطنية جامعة، لا موضوعًا للخلاف أو التجاذب، وهي رؤية تعززت بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ثم بتوالي الخطب الملكية الداعمة لهذا الورش الاستراتيجي.
كما نثمن عاليًا دستور المملكة لسنة 2011 الذي كرس الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية، موفرا بذلك الحماية القانونية للأمازيغية هوية ولغة وثقافة، كما نعتبر صدور القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية سنة 2019، وما تلاه من مراسيم وإجراءات، وصولًا إلى القرار التاريخي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، القاضي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، بما يحمله هذا القرار من دلالات حضارية ورمزية عميقة في ترسيخ الوحدة الوطنية القائمة على الاعتراف والإنصاف.
إن هذه المبادرات الملكية المتتالية تؤكد وجود إرادة استراتيجية واضحة لبناء مغرب يتسع لجميع مكوناته، ويصون تنوعه باعتباره مصدرًا للقوة لا سببًا للانقسام.
ثالثاً: بين الإرادة الملكية وبطء التنفيذ
ورغم هذا التراكم الدستوري والمؤسساتي والتشريعي المهم، فإن تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية لا يزال دون مستوى الانتظارات المشروعة. فبعد مرور سنوات على دسترة الأمازيغية، ما زالت مظاهر حضورها في المدرسة والإدارة والقضاء والجماعات الترابية والمرافق العمومية والإعلام والتشوير والفضاءات الرسمية محدودة وغير منسجمة مع روح الدستور ونصوص القانون التنظيمي والالتزامات المعلنة للدولة، مما يجعل ما تحقق على أهميته، قاصرا عن أن يعكس حجم الالتزامات الدستورية، ودون مستوى الإرادة الملكية التي عبرت عنها مختلف الخطب والتوجيهات السامية، كما التزمت بها الحكومات المتعاقبة.
وفي هذا السياق الصعب الذي يهدد بفقدان الثقة وتراجع المكتسبات المتحققة، نلاحظ عودة الصراع حول الهوية في النقاش العمومي، وعودة خطابات التبخيس والدعوة الصريحة إلى سياسات التمييز والاقصاء، مما يهدد التماسك الاجتماعي، والاستقرار الذي ينعم به بلدنا في مساره نحو النهوض ولعب أدوار استراتيجية جديدة إقليمية وقارية.
ومن هنا، فإننا نتساءل، بكل مسؤولية وحرص على المصلحة الوطنية:
لماذا يستمر هذا البطء في تنزيل الطابع الرسمي للأمازيغية؟
لماذا تتفاوت وتيرة التنفيذ بين القطاعات العمومية؟
ولماذا لا تزال بعض المؤسسات تتعامل مع الأمازيغية باعتبارها شأنًا ثانويًا، رغم أنها لغة رسمية للدولة؟
إن المسؤولية اليوم لم تعد مسؤولية النصوص، لأن الإطار الدستوري والقانوني أصبح من المرجعيات الراسخة للدولة المغربية، وإنما هي مسؤولية الفاعلين الحكوميين والإداريين والمؤسسات المكلفة بالتنفيذ، التي يقع على عاتقها احترام القانون، وتفعيل الالتزامات الدستورية، والتحلي بالجدية وروح المسؤولية في إنجاز هذا الورش الوطني.
فإنصاف الأمازيغية ليس منحة ظرفية، ولا مشروعًا قطاعيًا محدودًا، بل هو التزام دستوري، وخيار استراتيجي للدولة المغربية.
رابعاً: الأمازيغية في مواجهة خطاب الكراهية
إن شعار الدورة العشرين لمهرجان ثويزا، “دفاعًا عن الحب في مواجهة الكراهية”، يجد تجسيده الحقيقي في الدفاع عن قيم الاعتراف والاحترام والتدبير العقلاني للتنوع.
فكل خطاب ينتقص من الأمازيغية، أو يشكك في مشروعيتها، أو يسعى إلى تأخير تفعيلها، أو يجعلها موضوعًا للتنابز والإقصاء والسخرية، هو خطاب يناقض روح الدستور، ويتعارض مع المشروع المجتمعي الذي يقوده جلالة الملك محمد السادس نصره الله، والقائم على التعدد والوحدة في آن واحد.
إن الدفاع عن الأمازيغية ليس مواجهة مع أحد، أو ضد مكونات أخرى، وإنما هو دفاع عن مغرب يتسع للجميع، وعن مواطنة كاملة لا تمييز فيها بسبب اللغة أو الثقافة أو الانتماء.
والحب الذي ندافع عنه هو حب الوطن بكل مكوناته، وحب الإنسان المغربي بكل لغاته وتعبيراته الثقافية، وحب الاختلاف باعتباره مصدرًا للإبداع والتكامل.
خامساً: انطلاقًا من كل ما سبق، فإننا:
✓ نجدد اعتزازنا بالرؤية الملكية التي أرست أسس إنصاف الأمازيغية، ونثمن عالياً جميع المبادرات الملكية التي نقلت هذا الملف من دائرة المطالب والنضال المدني إلى دائرة الحقوق الدستورية والمؤسساتية المحسومة.
✓ نعتبر أن استكمال ورش تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية مسؤولية وطنية جماعية، وفي مقدمتها الحكومة ومختلف الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، وأن ربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ دستوري ينبغي تفعيله من أجل وضع حد لسياسة المماطلة واللامبالاة.
✓ ندعو إلى تسريع تنفيذ مقتضيات القانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية في كل قطاعات الدولة ومؤسساتها، وتدارك أسباب التباطؤ وهدر الزمن.
✓ نطالب بإدماج الأمازيغية بصورة شاملة في التعليم نظرا لأهميته في إعداد أطر الأمازيغية في مختلف المجالات (التعليم، الاعلام، الادارة، القضاء الخ..) مما يقتضي تعميم تدريس اللغة الأمازيغية عموديا في جميع مستويات التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي، وأفقيا على كل التراب الوطني. وكذا تعميم فتح شعب اللغة الأمازيغية في جميع كليات الآداب والعلوم الإنسانية وبالمدارس العليا للأساتذة ومراكز التكوين الجهوية لمهن التربية والتكوين والمعاهد العليا إلخ، لتخريج الأطر الكافية لتحقيق التعميم المطلوب. مع العمل على إدراج الاكتشافات العلمية الأركيولوجية الجديدة في المقررات الدراسية في إطار إعادة النظر في منهجية ومضامين مادة التاريخ.
كما نطالب بتعميم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية في الإدارة والقضاء والإعلام والصحة والعدالة والمجال الرقمي والخدمات العمومية، بما يضمن مساواة المواطنين في الولوج إلى حقوقهم اللغوية.
✓ ندعو إلى تعبئة وطنية شاملة تجعل من الأمازيغية رافعة للتنمية والديمقراطية والعدالة المجالية والثقافية.
✓ نرفض كل أشكال الكراهية والتمييز والعنصرية والإقصاء، أياً كان مصدرها، ونؤكد أن صيانة التعدد اللغوي والثقافي هي صيانة للوحدة الوطنية نفسها.
✓ نؤكد أن مستقبل المغرب الديمقراطي والحداثي يمر عبر التطبيق الكامل للدستور، واحترام القانون، وتفعيل الحقوق اللغوية والثقافية باعتبارها حقوقًا دستورية غير قابلة للتأجيل.
خاتمة
إن نداء طنجة ليس نداء للاحتجاج على ما تحقق، بل هو إعلان للوفاء للمسار الذي افتتحه خطاب أجدير، وللرؤية الملكية التي أعادت الاعتبار للأمازيغية، ودعوة صادقة إلى أن تنتقل هذه الإرادة الاستراتيجية من النصوص إلى الواقع، ومن التشريعات إلى الممارسة اليومية، حتى تصبح الأمازيغية، كما أرادها الدستور، لغة حية في المدرسة والإدارة والإعلام والفضاء العام، ورمزًا لوطن يتسع لجميع أبنائه، ويجعل من الحب والاعتراف والتنوع سبيلًا لمواجهة كل أشكال الكراهية والإقصاء.







