الانفعالات و السوسيولوجيا .. أية علاقة ؟

يوسف العزوزي25 يوليو 2026
الانفعالات و السوسيولوجيا .. أية علاقة ؟

 

Par Julien Bernard

ترجمة : يوسف العزوزي (بتصرف)

أستاذ و مكون أخصائي  في تعديل السلوك.

إعلامي متخصص في قضايا  علم النفس و علم الاجتماع..

 

مقدمة :

يفرض حضور الانفعالات نفسه في حياتنا الفردية و الاجتماعية بسبب سرعة  وتيرة و حجم التغييرات الاجتماعية ، التي تتجاوز  في بعض الحالات قدرتنا على التحكم في محيطنا الاجتماعي Elias, 1983  .   ما  يثير  فضولنا  للانخراط  بشكل متزايد  لفهم ما يستجد من الظواهر السوسيولوجية   Cerulo, 2021  .

في هذا السياق يطرح اهتمام السوسيولوجيا بمجال الانفعالات أسئلة متعددة؛ كيف نتناول هذا الموضوع من زواياه المختلفة ؟ كيف نستثمر في مختلف أبعاده (نورو-كميائية، سيكولوجية، علاقاتية ، سوسيو-ثقافية ..) التي يمكن من خلالها إخضاع الانفعال للتحليل؟ ما هي القيمة المضافة التي يمكن أن تقدمها الدراسة السوسيولوجية  للانفعال؟ و ماذا يمكن أن تقدم هذه الدراسة للنظريات الاجتماعية ؟ .

فتحت هذه الأسئلة و غيرها الشهية لتناول موضوع الانفعالات عبر نقاشات فسحت المجال أمام تعميق التأمل في أهميتها.  إذ يحيل مثلا التحليل الفيمينولوجي  للانفعال على التجربة اللحظية للاضطراب ، على مستوى الإحساس و الإدراك أو الأفكار .  كما يحيل سؤال الاضطراب على الثنائية ( النفس و الجسد) التي طالما  شكلت موضوع نقاش ، و لا تزال حاضرة في تمثل الانفعالات  عند المختصين و غيرهم .  مع التأكيد على أهمية استحضار البعد الطاقي للانفعال أثناء هذا التأمل .

و بناء على تحليل عدة مقترحات سوسيولوجية حول الانفعالات يمكن صياغة فرضية بحث في  العلاقة بين الطاقة الانفعالية و الانتظارات الاجتماعية ، من خلال طرح إشكالية التعديل أو التكيف مع  النظم الاجتماعية ، و مساءلة ميكانزمات  التغيير وإعادة الإنتاج  الاجتماعي.

و إلى جانب التعارض بين العقلانية و الانفعالات ، يمكن التركيز على موضوع تفييء الانفعالات “العادية” و التمثلات التي تعكسها ، و لا يتعلق الأمر في هذا السياق بتحديد حقيقة الانفعالات في الواقع السوسيولوجي  بل باعتبارها  نتيجة تصرفات مقيدة  بأحكام قيمة. بالنهاية . و يمكن لإدماج الانفعالات في دينامية  البناء و الحكم الاجتماعي أن يقودنا إلى تقعيد منظور بنائي متميز يهم معظم الأبحاث السوسيولوجية  حول الانفعال.

 

الإطار النفسيري للطاقة الانفعالية؛

يمكن لأي فكرة أو ذكرى أن تحرك مشاعرنا، لكن غالبا ما يعزو الناس الانفعال إلى ردة  فعل إزاء مثير في المحيط الخارجي .  و يقترن هذا التمثل بالمعرفة العلمية العامة حول جسم الانسان،  باعتباره جهازا ديناميكيا مركبا من عدة أنظمة فرعية ( دورة دموية ، تنفس، أعصاب…) تتفاعل مع مثيرات خارجية ، على شكل انفعالات، ثم يعود الجسم إلى حالة التوازن.

و  يمكن التوقف عند هذا التمثل في سياقات أخرى ، فقد يعبر شخص عن إحساسه بالتعب  قائلا : ” أحس بالتعب ، و يبدو بأنني في حاجة إلى تخفيف الضغط من أجل ملء بطاريتي ” . و  بالنسبة  لتمثل الطاقة الانفعالية قد يقول البعض : ” يقود الغضب إلى التدمير” أو “يدفع الحب إلى التقرب و الاشمئزاز إلى التجنب” .

على المستوى النظري أسست بعض تيارات علم النفس فرضياتها على فكرة رد الفعل الطاقي للجسم ، حيث عملت السلوكية على إقامة علاقة بين المثير  و الاستجابة التي تحرك الجسم للقيام بمختلف الأنشطة Watson, cité par Rimé, 2005  . كما يُسلم علم النفس التطوري بأهمية الخطاطات الحسية الحركية  عند الإنسان و دور الانفعالات في التكيف مع المحيط . من حهته أسس التحليل النفسي  تصوره على مفاهيم الليبيدو و الدوافع الغريزية التي تخضع للوعي في إطار توازنها بين  الوعي و الأخلاق الاجتماعية المستبطنة .

إذا نظرنا للموضوع عن كثب، نجد بأن الحدود بين التخصصات مرنة و متداخلة ، حيث نجد في علم الاجتماع خطاطات تفكير مماثلة لعلم النفس ، حيث  نلمح نزعة من السلوكية الاجتماعية بالإضافة إلى فكرة الانفعالات الوظيفية عند Georg Simmel (1912) الذي درس حياة “النفس” في المدن الكبرى باعتبارها نتيجة لحياة مليئة بالتوتر ، مقارنة بالحياة في البادية .

التكييف و إعادة الإنتاج الاجتماعي؛

يسبب تمثل الانفعال كطاقة غير قابلة للتنبؤ إزعاجا  محتملا للنظام الاجتماعي و الفرد. و يمكن لهذا المعطى أن يبرر الاهتمام المتزايد بالآليات الاجتماعية الكفيلة بتأطيره للحد من مضاعفاته و توجيهه ، شريطة إخضاع هذا الاهتمام للملاحظة و التحليل السوسيولوجي.

على المستوى “الماكرو” اجتماعي يمكن للبنيات الاجتماعية و الإيديولوجيات التي تقف خلفها أن تسهدف توجيه الأفراد نحو تقبل وضعياتهم . و هذا ما ذهب إليه دوركايم عندما كتب :” في الضمير الأخلاقي للمجتمعات، يوجد شعورٌ غامض بقيمة مختلف الخدمات الاجتماعية مقارنةً بعضها ببعض، كوظائف المجتمع والمهن. وتحت هذا الضغط، يدرك كلّ فرد، ضمن مجاله،  الحدّ الأقصى الذي يمكن أن تصل إليه طموحاته. وهكذا تُوضَع غايةٌ وحدٌّ للشهوات  . Durkheim, 1897, p.!276 . بعبارة  أخرى، فإنّ تقسيم العمل الذي تُضفي عليه الإيديولوجيا الجدارةَ والمشروعيةَ يهدف إلى تنظيم رغباتنا اللامحدودة، مع إنتاج فرصٍ متفاوتة للفرح والمعاناة Lordon, 2013 .

يُعزى  جانب  من الانفعالات في العمل إلى  طبيعة النشاط المهني، وهو ما توثّقه اليوم سوسيولوجيا العمل على نطاق واسع  Jeantet, 2018 .  على اعتبار أن البنية الاجتماعية التي تنظم التوزيع الانفعالي في العمل هي نتيجة للتراكم الذي تحقق في التاريخ الاجتماعي و الاقتصادي.

و من المستوى «الجماعي» إلى المستوى «الفردي»، تنتشر وتنتظم وساطاتٌ متعددة تهدف إلى تشكيل الوعي وتأطيره Truc 2016 ، من خلال تدفق المعلومات ذات التي تهم الأفراد و المجتمع . إنّ اختيار الصور والكلمات المستعملة  في وسائل الإعلام («التعابير الجاهزة» الخاصة بالتواصل السياسي)، ومسار إنتاج المعلومات ونشرها (الأحزاب، النقابات، المؤسسات الصحفية، شبكات التواصل الاجتماعي، جماعة الأقران، الأسرة…)، والعمل السياسي القائم على توظيف رموز مشحونة بالمشاعر Braud, 1996، كلها عوامل تؤثّر بدرجة كبيرة على شدة الانفعالات المقترنة بالتفاعل مع القضايا الاجتماعية.

و على مستوى هذه الوسائط،  تهدف أنماط التنشئة الاجتماعية للأوساط المهنية  إلى تشكيل ثقافة لتدبير الانفعالات الخاصة بالمهنة Jeantet 2018 ، محددة طرائقَ فهمها والتعامل معها في إطار النشاط المهني.  و يمكن الاعتماد على نفس الخطاطة بالنسبة لفهم الانفعالات داخل الأسرة إذا اعتبرنا مع Mead (1955) بأن :” كل أسرة تقود معركة” لتنشئة أطفالها وفق أنظمتها المعيارية .

 

الاختلال و الدينامية الاجتماعية ؛

 

لا تؤثر قوى التنشئة الاجتماعية و توجيه الانفعالات على الأفراد بشكل ميكانيكي . حيث أوضح   David Le Breton   بأن الثقافة العاطفية  ليست “غطاء من رصاص”  . و لو كان الأمر خلافا لذلك ،لكان بالإمكان التحكم في إنتاج المشاعرو توجيهها “من أعلى”  ، ولوُئدت كل قدرة على المقاومة وأعدمت كل حرية، بفعل هيمنة التنظيم والدعاية المسلطة على الأفراد ؛ ولكُنا سنعيش  تحت وطأة نظام شمولي. مفرط في الوظيفية     Huxley, 1958,

في المجتمعات التعددية  غير المتجانسة ،لا تؤدي أشكال الربط القائمة بين الأشياء والانفعالات والمعاني إلى إشراطات  بافلوفية.  فالوضعيات العاطفية المترتبة عن هذا المناخ  الديموقراطي،  يطبعها الاختلاف و التنوع، لأنها نتيجة لتقاطع خلفيات إديولوجية اجتماعية متنوعة .   مشكلة أرضية خصبة لتساؤلات حول حدود “الاجتماعي” و”الفردي”. و قد تكشف، كما ذهب Charles Mills (1959 عن “الرهانات العامة لبنية المجتمع”  بقدر ما تعبر عن ” المحن الشخصية  في الوسط الاجتماعي”.

تُستنفر  الانفعالات  الذاتية على المستوى الفردي  و هي محملة بطاقة  داخلية ، لأنها غالباً ما تنتج عن فجوة غير متوقعة بين انتظاراتنا  الاعتيادية وما يطرأ على وعينا. وبعبارة أدق، تنشأ من “المفارقة ” Livet, 2002 بين استعداداتنا النفسية النشطة أو القابلة للتنشيط  ( الموسومة معرفيا بمعاييرنا وقيمنا ومعتقداتنا ورغباتنا )  وبين استقبالنا للوضعيات المستجدة.

ولا يتحقق انسجام الاستعداد النفسي  مع  استقبال الوضعيات الجديدة إلا في الوضعيات الاعتياداية  ، بفضل  مهارات  “معرفة الجسد” Bourdieu, 1997 .   لذلك يركز بورديو على أهمية شدة  الانفعالات  التي تعبر عن مسافة  التباعد بين آمالنا وفرص تحققها، ما ينعكس في ” لا وعي الأجهزة العضوية” ، حيث تكشف  شدة الانفعال( رغم  حالة الرضا الناتجة عن التوافق بين العالم واستعداداتنا) ،  عن ثغرات في  الهابيتوس…..

ما الآثار التي يمكن أن تُحدثها هذه «الاختلالات ؟…. نظرياً؛ يمكن استحضار بعض الحالات، حيث لا يفهم الفرد ما يدور حوله، ليجد نفسه متجمّداً ومشوشاً، فيكبح أي استجابة سلوكية.  وعلى العكس من ذلك ، قد ينطلق فعلٌ انفعالي  فردي بهدف ” التخلص من الإثارة”؛ وتكون هذه الاستجابة، غير عقلانية Max Weber (1921, p.!56) .

قد يقوم الفرد في أغلب الأحيان  بما أسمتهArline Hochshild 1983     ” العمل الانفعالي” ، أي بذل جهد لتكييف الاستجابة التعبيرية والسلوكية مع متطلبات الموقف، بعد تحليل الموقف والانفعال  التي عاشه الفرد نفسه. ويمكن أن يتم هذا العمل في حينه، أو على مدى أطول.

في هذا السياق يعتقد Pierre Livret 2002    أن من شأن  مراجعة الرغبات والمعتقدات على أساس مبدأ الواقع أن يؤدي إلى توافقها  مع الموضوعية المُدركة للعالم. غير أن هذه المراجعة العقلانية قد تولّد مقاومات عندما تمسّ القيم الأخلاقية. و قد يرغب الفرد أو الجماعة   في الإبقاء على العالم كما كان يعرفه ( الحفاظ على الروتين )، أو في تغييره بدلاً من أن يغيّر نفسه  .

 ثنائية  العقل والانفعال؛

هل تؤدي  طبيعة الانفعالات  إلى إرباك القدرة على الحكم؟ أم أن ملامستنا للصواب مقترنة بشدة حالات الخوف أو العضب أو الفرح أو الحزن ؟ . غالباً ما يميل المنظرون في مجال الانفعالات إلى أحد طرفَي هذا التعارض . إذ يُفقد انفعال  الإنسانَ حسب البعض كلَّ قدرة على الموضوعية، لأن المعالجة المعرفية للمعلومات  التي تقترن به  تفتقد إلى العقلانية .  بالنسبة ل Jon Elster 2010  فإن الانفعال يدفع  الفرد للخلط بين رغباته والواقع،  و يقصّر مسافة  الاستجابة  لهذا الانفعال  دون الاكتراث  بعواقب الفعل.

أما  Sartre 1939   فيرى أن العاطفة  تستهدف  “تحويل العالم ” من خلال  عملية يتعطل من خلالها  الوعي المنطقي ، وتقود إلى سلوك هروبي،  يغمرنا في عالم «سحري.    بالمقابل ، يرى آخرون أن العاطفة تنشأ عن تقييم معياري لا يخلو من عقلانية.  أما بالنسبة إلى Livet 2002  فإن العاطفة  تزخر بالمعايير والقيم التي نتمسّك بها، وتشهد بذلك على عقلانية “أخلاقية” قادرة على توفير الرضا على المدى الطويل.    و ينبغي أن يكون  التعاطف مع هشاشة الآخرين حسب نظريات الرعاية   Paperman et Laugier, 2005 ، في صميم الفلسفة السياسية، وأن يشكل موضوع تربية خاصة بهدف تقوية الإحساس بالمواطنة Nussbaum, 2011 .

العلاقة بين العالم و الوعي بالذات ؛

يكتسي الانفعال أبعادا بيولوجية و سيكولوجية و اجتماعية ، لأنه يعكس إحساسات و تمثلات.  و ينسجم هذا المعطى مع  تعبير Mauss 1924، الذي يقول: ” بين الجسد والروح توجد الثقافة” . لذلك،  تتعلق عقلانية الانفعالات إما بالاستعدادات الذهنية التي توجه إدراك المواقف، أو بالمعالجة المعرفية لتصورات البيئة التي تمر عبر الحواس. وفي الحالتين، يتعلق الأمر بتمثّلات ذهنية واجتماعية غير منفصلة عن بعضها، تعكس وضعيات لا يمكن إدراجها ضمن المعارف ” الباردة” Andler, 1992 ، مثل الموارد التي تُستخدم، على سبيل المثال، لحل مسألة في الرياضيات.

و إذا اعتبرنا – في الطرف المقابل لطيف  الجسد والروح- ، أن الانفعال ينشأ من إحساس أو إدراك حسي، فعلينا أن نفهم لماذا يتحول هذا الإحساس إلى انفعال، ولا يبقى مجرد إحساس بدون عاطفة، مثل الجوع أو العطش أو الشعور بالحر أو البرد.      وقد يكون من المفيد محاولة فهم تجربة السيرورة الانفعالية  بدقة أكبر، وربطها بالبواعث الاجتماعية التي تيسّرها، كما تقترح الظاهراتية الاجتماعية ل Alfred Schütz (Perreau, 2010) .

خاتمة :

يساهم البعد الطاقي  للانفعال في بناء تصوراتنا حوله  ، سواء على مستوى معناه في التداول العام  أو في الحقل  العلمي. في هذا السياق يتطلب  الحفاظ على  النظام الاجتماعي بلورة أيديولوجيات و دلائل تفسيرية وآلياتٍ للتنشئة الاجتماعية، تهدف إلى الحدّ من اندفاع الطاقة الانفعالية  أو توجيهها نحو تعزيز معايير الجماعات الاجتماعية وقيمها.

هكذا تتكوّن الاستعدادات الوجدانية من خلال الربط بين “الأشياء” أو “الوضعيات” من جهة، والعاطفة المشروعة من جهة أخرى. غير أن  التأطير العواطف بهذا الشكل لا يكون فعّالًا على نحو كامل ؛ إلا إذا تم  ضبط و إدراك جميع الوضعيات بشكل مسبق؛ و هذا مطمح يصعب تحقيقه.

في هذا السياق  يؤثر التفاعل الدائم  بين  خلخلة  وإعادة بناء العالم على عقلانية  تقييمنا لانفعالاتنا  وانفعالات الآخرين ؛ سواء من حيث ملاءمة الانفعال مع  الوضعية ، أو وجاهة الأسباب التي أفضت إليها، أو أهمية النتائج التي تترتب عليها. لذلك لا تكون العاطفة  عقلانية ، بل تصبح كذلك تبعًا للأحكام ومدى تقاسمها داخل المجتمع.

 

المرجع الأصلي :

Sociologie des émotios

Par Julien Bernard

© De Boeck Supérieur s.a., 2022

Rue du Bosquet, 7 – B-1348 Louvain-la-Neuve

 

 

 

 

 

.

 

 

 

مستجدات