الدكتورة جميلة مرابط
خبيرة في شؤون الاستراتيجيات والسياسات الطاقة والاستدامة البيئية
رئيسة مجلس الباحثات المتعدد التخصصات
(الطاقة ليست ما نستهلكه فقط… بل كيف نفكر فيها، وكيف نتصرف داخل منظومتها.)
يركز موضوع “الثقافة الطاقية لدى الشباب: من الاستهلاك إلى تطبيقات الذكاء الطاقي النسقي” على تحليلً لمستوى الوعي الطاقي لدى فئة الشباب، واستجلاءً لمختلف أبعاد الثقافة الطاقية باعتبارها مدخلًا أساسيًا لفهم أنماط الاستهلاك والتحكم فيها، فضلًا عن تقديم مفهوم “الذكاء الطاقي النسقي” كإطار تحليلي وتطبيقي جديد يهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين الفرد ومنظومة الطاقة في أبعادها الاقتصادية والبيئية والاجتماعية.
يشهد العالم في العقود الأخيرة تحولات متسارعة في أنماط إنتاج واستهلاك الطاقة، في ظل تزايد الطلب العالمي وتنامي التحديات المرتبطة بالأمن الطاقي والتغيرات المناخية، وفي هذا السياق يبرز دور العامل البشري، وخاصة فئة الشباب، باعتبارها فاعلًا مركزيًا في إعادة تشكيل العلاقة مع الطاقة، ليس فقط من خلال الاستهلاك بل عبر الوعي والممارسة والسلوك، وفي الحالة المغربية حيث يسجل الطلب على الطاقة ارتفاعًا سنويًا يتراوح بين 3 و4% مع اعتماد يفوق 90% على الاستيراد، تزداد أهمية ترسيخ ما يمكن تسميته بالثقافة الطاقية كمدخل أساسي لتحقيق انتقال طاقي مستدام ومتوازن.
وتشير الثقافة الطاقية في بعدها المفاهيمي إلى مجموع المعارف والمهارات والقيم التي تمكّن الأفراد من فهم منظومة الطاقة والتفاعل معها بشكل مسؤول وواعٍ، فهي لا تقتصر على إدراك مصادر الطاقة أو تقنيات إنتاجها بل تمتد لتشمل أنماط الاستهلاك والقدرة على اتخاذ قرارات تراعي الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية،
ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الثقافة الطاقية إطارًا مركبًا يقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: بعد معرفي يتجلى في فهم مصادر الطاقة وتكاليفها وآثارها، وبعد سلوكي يرتبط بكيفية الاستهلاك وترشيده، وبعد قيمي يعكس درجة المسؤولية تجاه المجتمع والبيئة.
غير أن الواقع يكشف عن فجوة واضحة بين التحديات الطاقية القائمة ومستوى الوعي المجتمعي بها حيث لا يزال الاستهلاك غير الرشيد أحد أبرز الإشكالات خاصة في القطاع السكني الذي يمثل نسبة مهمة من الطلب على الكهرباء، ويُلاحظ أن ممارسات بسيطة مثل ترك الأجهزة في وضع الاستعداد قد تساهم بما يتراوح بين 5% و10% من الاستهلاك المنزلي وهو ما يعكس غياب إدراك حقيقي لتأثير السلوك الفردي على المنظومة الطاقية ككل، ومن ثم فإن الإشكال لا يرتبط فقط بندرة الموارد أو محدودية العرض بل بضعف الثقافة الطاقية وفصل الفرد عن الأبعاد النسقية للطاقة، في هذا الإطار تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق الاستهلاك إلى منطق التفكير الطاقي وهو ما يقود إلى طرح مفهوم الذكاء الطاقي النسقي باعتباره إطارًا تحليليًا وتطبيقيًا جديدًا، ويقصد بهذا المفهوم القدرة على إدراك الطاقة كمنظومة مترابطة تشمل الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية واتخاذ قرارات استهلاكية تراعي هذا الترابط، ويتميز هذا النموذج بكونه يتجاوز النظرة الاختزالية التي تحصر الطاقة في بعدها التقني أو الاقتصادي ليؤسس لرؤية شمولية تدمج الفرد ضمن شبكة من العلاقات والتأثيرات المتبادلة،
ويتيح الذكاء الطاقي النسقي إمكانيات تطبيقية متعددة سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، فعلى المستوى المنزلي يمكن أن تسهم ممارسات بسيطة مثل استخدام مصابيح ذات كفاءة عالية أو إطفاء الأجهزة غير المستعملة في تقليص الاستهلاك بشكل ملحوظ، وعلى المستوى التعليمي يشكل ترسيخ سلوكيات ترشيد الطاقة داخل المؤسسات التعليمية مدخلًا فعالًا لبناء وعي جماعي مستدام، كما أن تبني أنماط استهلاك مسؤولة في الحياة اليومية كاستعمال الضوء الطبيعي أو تقليل الاستهلاك غير الضروري يعكس تحولًا تدريجيًا نحو سلوك طاقي أكثر وعيًا، ولا يقتصر أثر هذا التحول على البعد الفردي بل يمتد ليشمل البعد الاجتماعي حيث تمثل الطاقة عنصرًا أساسيًا في تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص، فالاستهلاك المفرط لا يؤدي فقط إلى استنزاف الموارد بل يسهم أيضًا في تعميق الفوارق الاجتماعية ويزيد من الضغط على السياسات العمومية، وفي المقابل يمكن أن يؤدي ترشيد الاستهلاك حتى بنسبة 10% على مستوى الأفراد إلى تقليص الضغط على الشبكات الطاقية وخفض التكاليف الوطنية وتأجيل الحاجة إلى استثمارات جديدة في البنية التحتية، وفي ضوء ما سبق يتضح أن تحقيق انتقال طاقي فعّال لا يمكن أن يقتصر على الحلول التكنولوجية أو الإصلاحات المؤسسية بل يستلزم إحداث تحول ثقافي عميق يعيد صياغة علاقة الأفراد بالطاقة، ويشكل الشباب بما يمتلكونه من قدرة على التفاعل والتأثير ركيزة أساسية في هذا التحول شريطة تمكينهم من الأدوات المعرفية والسلوكية التي تؤهلهم للانتقال من موقع المستهلك إلى موقع الفاعل الواعي، ومن ثم فإن مستقبل الطاقة لا يتحدد فقط في مراكز الإنتاج بل يُبنى أيضًا في الوعي اليومي للأفراد وفي أنماط سلوكهم وهو ما يجعل من الثقافة الطاقية والذكاء الطاقي النسقي مدخلين استراتيجيين لإرساء نموذج تنموي أكثر استدامة وعدالة.






