TCC et Affirmation de soi
Laure Bricout
Anne Françoise Chaperon
ترجمة : يوسف العزوزي (بتصرف)
يشكل هذا الموضوع مدخلا لمساعدة العاملين مع الأطفال والمراهقين على التفكير في تطبيق برامج جماعية لإكساب الأطفال و المراهقين القدرة على تأكيد الذات. و يسلط الضوء على العلاجات المعرفية السلوكية، كإطار نظري يعتمد على تقنيات أثبتت الأبحاث العلمية فعاليتها و نجاعتها في التعامل مع مشكلات الطفولة والمراهقة.
و يستهدف هذا المقال مهنيي مجال الطفولة؛ كالأخصائيين النفسيين و أطباء نفس-الأطفال . بالإضافة إلى المدرسين و المربين و أولياء الأطفال و المراهقين الذين يعانون من صعوبات في تأكيد أنفسهم و تواصلهم. كما يؤسس لمشروع تكوين تطبيقي ، يعتمد على إرساء برنامج قائم على تقنيات إجرائية، مستلهمة من تجميع عدة تجارب في مجال دعم توكيد الذات لفائدة الأطفال و المراهقين ، و ملهمة للأسر و المتدخلين المتكفلين بهم .
حيث يشير تقرير المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي الفرنسي Inserm 2004 إلى فعالية هذا النوع من التدخل في معالجة كثير من مشكلات التكيف لدى الأطفال والمراهقين، ولا سيما عند توليفه مع العلاج الأسري. إلا أن المؤلفات المتاحة في المغرب حول مقاربة العلاج المعرفي السلوكي للأطفال والمراهقين لا تزال نادرة .
العلاج السلوكي المعرفي؛
يركّز العلاج المعرفي السلوكي على تعديل السلوك والأفكار 2004 Cottraux، ويستند إلى تطبيق علم النفس العلمي في العلاج النفسي، وإلى منهجية تجريبية لفهم السلوك الذي يسبّب المشكلات، من أجل تعديله. وتقوم هذه الممارسة على نظريات التعلّم، مثل الاشراط الكلاسيكي والاشراط الإجرائي والتعلّم الاجتماعي، بالإضافة إلى التطبيقات التربوية المستلهمة من النماذج المعرفية القائمة على المعالجة المعرفية للمثيرات. حيث تتم عملية تعديل السلوك وفق نهج منظّم يمرّ بخمس مراحل:
- تحديد السلوك المستهدف من خلال تعريف إجرائي، بعبارة قابلة للقياس و الملاحظة.
- الملاحظة المنهجية للسلوك، بما يتيح إعداد التحليل الوظيفي، وهو حجر الزاوية في العلاج المعرفي السلوكي.
- اختيار الأسلوب العلاجي وتطبيقه.
- التحقق من نتائج التدخل العلاجي.
- تعميم المكتسبات والوقاية من الانتكاسة.
يذكر أن العلاجات المعرفية السلوكية عرفت نشأة موجة ثالثة (تركز على الانفعالات) تولي اهتمامًا كبيرا للتفاعلات بين الفرد وبيئته. ومن أبرز الأساليب العلاجية ضمن هذا التوجّه: علاج القبول والالتزام، والعلاج القائم على اليقظة الذهنية. لكن هذه الأساليب لاتزال قليلة الاستخدام لفائدة الأطفال والمراهقين.
خصوصية العلاج السلوكي المعرفي عند الأطفال ؛
يسعى أخصائيو العلاج المعرفي السلوكي إلى إزالة الأعراض و تعديل السلوك غير التكيفي ( فوبيا مدرسية ، الوسواس ، الانشغال المفرط في التفكير ….) ، و إلى تعزيز الثقة في النفس و تقديرها و توكيدها ….بالاعتماد على برامج أعدت للبالغين،و تم تكييفها مع خصوصية الأطفال و المراهقين . فالعلاج المعرفي السلوكي لتوكيد الذات تقنية تستهدف مشاكل العنف ، و يمكن استعمالها كمكمل لاستراتيجية علاجية أوسع تستهدف تدبير التوتر ( استرخاء ، تأمل، تحسين التنفس…) بالإضافة إلى التقنيات المعرفية و السلوكية (التعريض و التعزيز ).
و يعتبر العلاج المعرفي السلوكي (TCC) أسلوبًا ملائمًا للأطفال والمراهقين لعدة أسباب ؛ منها أنه يعتمد على أدوات يسهل تعميم استخدامها خارج إطار العلاج. كما أن أسلوبه العملي والمباشر يناسب الصغار الذين لم تتطور لديهم بعدُ قدرات الاستبصار بدرجة كبيرة.
وهو علاج قصير الأمد، يمكنه أن يحقق نتائج خلال أسابيع يتحدد عددها بحسب تعقيد الحالة.، بشكل يحظى بتقدير الأطفال والمراهقين وأولياء أمورهم، الذين قد لا يستطيعون الالتزام بفترات علاج طويلة بسبب التكلفة أو ضيق الوقت.
ويركّز هذا الأسلوب على التدخل وفق معطيات ” هنا والآن”. حيث تُؤخذ أسباب الاضطرابات في الحسبان ضمن مقاربة تحليلية أولية، تضع تعديل السلوك الحالي هدفا أولويا. حيث يشارك العميل بفاعلية في العملية العلاجية، مع التركيز على مسؤوليته ودافعيته إلى التغيير. كما يساعد المعالج على توضيح المشكلات وتحديد العوامل التي تُبقي الصعوبات مستمرة.
في هذا السياق يقترح المعالج استراتيجيات تساعد على تغيير الوضع الإشكالي. و يساهم في تنمية قدرات الملاحظة والتنظيم الذاتي، للطفل و يعمل على إشراكه في الانخراط فيها بتلقائية . وفي العلاج المعرفي السلوكي المعاصر، نلاحظ إدماج المبادئ النسقية والنمائية في فهم صعوبات التكيّف2006 Nash ، نظرا لأهمية تحليل وضع الطفل ضمن تفاعلاته الأسرية عند تقييم مشكلة معينة ، و دراسة آثر التدخل العلاجي. و يعرض تقرير للمعهد الوطني للصحة والبحث الطبي في فرنسا 2004 Inserm صورة إيجابية عن العلاج المعرفي السلوكي لدى الأطفال، ولا سيما عند دمجه بالعلاج الأسري.
أهمية العلاقة مع أولياء الأطفال و المراهقين في التدخل العلاجي؛
نادرًا ما يقرر الأطفال استشارة أحد المتخصصين في الصحة من تلقاء أنفسهم . ففي معظم الحالات، يلاحظ الوالدان سلوكًا يثير قلقهما داخل الأسرة، أو يوجّههما العاملون في المدرسة إلى الاستعانة بخدمات أخصائي نفسي. ولهذه الخصوصية انعكاسات على بناء التحالف العلاجي، الذي يجمع بين الطفل ووالديه والمعالج. إذ ينبغي أن تتأسس هذه العلاقة أولًا بين المعالج والطفل، من دون إغفال بناء علاقة قائمة على الثقة بين المعالج ووالدي الطفل، حتى عندما تكون العلاقة بين الطفل ووالديه متوترة أو متضاربة. وعلى المعالج أن يدير جميع هذه التفاعلات بمهارة.
قد يجد المعالج نفسه مضطرًا إلى التعامل مع توقعات الوالدين لتوجيه تدخله. لذا ينبغي تحديد الهدف العلاجي بوضوح، مع مراعاة عمر الطفل، وإمكاناته المرتبطة بمستوى نموه، وقدراته المعرفية والاضطراب النفسي الذي يعاني منه. وقد يضطر المعالج أحيانًا إلى اتخاذ موقف واضح تجاه الوالدين، ووضع حدود لمشروعه العلاجي.
ونادرًا ما يظهر ضعف “تأكيد الذات” بمعزل عن مشكلات أخرى. فوجود الاعتلالات المرافقة أمر شائع لدى الأطفال، وقد تشمل اضطرابات القلق والاكتئاب، وصعوبات التعلّم، واضطراب قصور الانتباه مع فرط الحركة أو من بدونه، واضطرابات الأكل، واضطرابات التحدي والمعارضة، أو اضطرابات السلوك. كما أن بعض الأطفال المصابين باضطراب قصور الانتباه مع فرط الحركة ب (TDAH)، أو من دونه، يعانون أيضًا اضطراب التحدي والمعارضة.
و يمكن أن يتسبب ارتفاع منسوب الانتظارات التربوية في تصاعد توتر العلاقة بين الطفل و والديه، وقد ينتهي الأمر في حلقة مفرغة يصعب الخروج منها. لذلك يستحسن أن يساعد المعالج الوالدين على اكتساب المرونة للازمة للتعامل مع متطلباتهما، من دون التشكيك في وجاهة انتظاراتهما، حتى لا تتدهور علاقتهما به أو تهتز ثقته بنفس.، حتى تساهم مشاركتهما في نجاعة التدخل العلاجي، و ذلك من خلال إشراكهما في تقييم الصعوبات التي يواجهها طفلهما، و وضع خطة للتدخل. حيث يعمل المعالج على فتح نقاش صريح حول نتائج التقييم الذي سيؤسس لأي تدخل علاجي .
كما ينبغي تقييم دور بعض السلوكات الوالدية في ظهورالمشكلة السلوكية عند الطفل واستمرارها، أو تفاقمها. و قد يصبح تقييم أثر الصعوبات التي يواجهها الوالدان أمرًا أساسيًا، خصوصا إذا كان المحيط الأسري يعاني من اضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ….
وقد يضطر المعالج إلى رفض تولّي الحالة إذا رفض الوالدان المشاركة بحجة أن المشكلة تخص الطفل وحده، حتى و إن تبيّن بوضوح أن النظام الأسري يسهم في تعزيز الاضطراب. وينطبق ذلك خصوصًا على اضطرابات العناد والسلوكات العنيفة، أو غير الملائمة، و اضطرابات النوم.
في هذا السياق يجب تكييف مشاركة الوالدين حسب عمر الطفل ودرجة نضجه، و جودة العلاقة التي تربطهما به.إ و ذا كان حضور الوالدين مطلوبًا في أغلب الأحيان مع الأطفال في سنّ المدرسة أو ما قبل المدرسة، فقد يكون من الأنسب أن يراجع المراهق المعالج بمفرده، ولا سيما إذا كان يواجه صعوبات خاصة في سعيه إلى الاستقلالية.
تعد الأسرة المجال الأساسي الذي يتعلّم فيه الطفل التفاعل الاجتماعي، حيث تؤدي البيئة الأسرية دورًا جوهريًا في الإصابة باضطراب القلق الاجتماعي. كما لا تساعد التنشئة الاجتماعية في البيئات الأسرية المحدودة التحفيز على التفاعل الاجتماعي و اكتساب المهارات اللازمة لبناء العلاقات. لأجل ذلك يجب أن يمتد علاج اضطراب القلق الاجتماعي لدى الأطفال والمراهقين والوقاية منه، إلى العملَ على الجوانب البيئية داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي.
أسس اكتساب توكيد الذات و التواصل ؛
يُعدّ تأكيدُ الذات (L’affirmation de soi) التجسيدَ الملموسَ لتقدير الذات (L’estime de soi). ويُعرَّف تقديرُ الذات في شموليته بأنه المكوّن التقييمي للذات، أي إنه حكمٌ شامل يصدره الشخص على ذاته وشخصه. ومن ثم، فهو يشير إلى مقدار الرضا الذي يستمده الفرد من الطريقة التي يرى بها نفسه ويدركها. و يشمل تقدير الذات حسب C. André (1998)، ثلاثة أعمدة أساسية، هي: حب الذات، وصورة الذات، والثقة بالنفس. ويتوقف مستوى تقدير الذات على التوازن بين هذه المكونات الثلاثة. إذ يساعد حب الذات غير المشروط، الإنسان على مقاومة الشدائد وإعادة بناء ذاته بعد الفشل. أما النظرة التي نكوّنها عن أنفسنا فهي تقييم لصفاتنا وعيوبنا؛ وهي رؤية ذاتية لإمكاناتنا أو حدودنا، وللصورة التي نكوّنها عن أنفسنا. في حين تنبع الثقة بالنفس من الشعور بالكفاءة، وتتعلق بالأفعال والممارسات، و القدرة على التصرف بطريقة ملائمة ومناسبة في المواقف المهمة.
في هذا السياق، يمكن ترجمة l’affirmation de soi بتأكيد الذات أو توكيد الذات، بينما يشير l’estime de soi إلى تقدير الذات. ولا ينبغي الخلط بين تأكيد الذات والثقة بالنفس؛ فالثقة بالنفس أحد مكونات تقدير الذات، بينما تأكيد الذات يتعلق بكيفية التعبير عن الذات واحتياجاتها وحقوقها ومواقفها بصورة مناسبة. و غالبا ما يرتبط انخفاض تقدير الذات ببعض الاضطرابات، لا سيما تلك ذات الصلة المشاكل الانفعالية والسلوكية. كما يُمكن أن تعكس الزيادة المفرطة في تقدير الذات وجود اضطرابات ذات طابع نرجسي. بالنتيجة يرتبط تقدير الذات بقدرة الفرد على التكيّف مع ما يواجهه في حياته اليومية، من أحداث ومواقف ضاغطة و مهام صعبة . غير أن هذا لا يعني بالضرورة أن نقص تقدير الذات أو الإفراط فيه هو السبب في جميع المشكلات.
تعريف توكيد الذات ؛
و يشير التواصل بطريقة توكيدية إلى: ” التعبير عن مشاعرنا ووجهات نظرنا بالكلمات والإيماءات، بطريقة هادئة وملائمة، مع الرغبة في معرفة مشاعر الآخرين وأفكارهم ووجهات نظرهم”2012 Beaudry ET Boisvert. علما أن ما يميز هذا التعريف هو الطابع المتوازن للعلاقة بين الأطراف، التي ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل أثناء التعبير عن الحقوق والرغبات والأفكار والتطلعات. لأن الهدف ليس الحصول على ما نريده بأي ثمن، وإنما من خلال القدرة على التعبير عن الذات بثقة ووضوح، وبطريقة تحترم هوية كل شخص. كما يعكس تأكيد الذات القدرة على اتخاذ اختيارات سليمة، واتخاذ المواقف اللازمة في الوضعيات المناسبة ، وتحمل مسؤولية النتائج المترتبة على اختياراتنا.
و من الممكن أن يؤكد الشخص ذاته في سياق ، ولا يؤكدها في سياق أخر. فقد يُظهر شابٌّ توكيدًا لذاته في نشاط رياضي يتفوّق فيه، بينما يظهر التردد والخجل في الوسط المدرسي، ولا سيما إذا كان يعاني من صعوبات في التعلم جعلته يتعرض لعدد من مواقف الإحراج أو الإهانات أو الإخفاقات.
ومن ثم، فإن التقييم الجيد للسياقات التي تظهر فيها الأنماط المختلفة من السلوك يسمح بوضع استراتيجية علاجية مناسبة، و يتيح الاستفادة من نقاط القوة، بتوظيف المجالات التي يشعر فيها الشخص بمزيد من الارتياح والثقة بقدراته، من أجل مساعدته على تطوير توكيده لذاته في المجالات التي يواجه فيها صعوبة أكبر.
بناء توكيد الذات ؛
إن طريقة تواصل الطفل و المراهق وسلوكه في إطار علاقة متوازنة مع الآخر هي التي تكشف عن قيمته الشخصية . غير أن هذا الجانب من العلاقة يكون أكثر ارتباكا لدى الطفل مقارنة مع المراهق، بسبب عدم التكافؤ في العلاقة مع الراشد، لأن هذا الأخير يضطلع بدور النموذج السلوكي بالنسبة إليه. لذلك فإن تعليم الطفل توكيد ذاته يبدأ بتقديم القدوة السلوكية الحسنة له، وتوعيته بأهمية الاحترام ، مع رسم الحدود بينه و بين الخضوع و الاستسلام . و لتحقيق هذه الحدود يجب التقيد بالصرامة في القواعد التربوية، مع إبداء قدر كافٍ من المرونة التي تتيح ل للطفل إمكانية الدفاع عن نفسه والتعبير عن وجهة نظره. لأن الهدف من التدخل هو مساعدة الطفل و المراهق على الرفع من منسوب ثقتهما بقدراتهما تدريجيًا، من خلال تعزيز تقديرهما لذاتما.
تنبثق الثقة بالنفس من حبّ الذات ومن نظرة الفرد إلى ذاته، و هي قابلة للملاحظة ، و تنشأ أساسًا من أسلوب التربية في الأسرة و المدرسة القائم على مبدأ التعزيز. حيث يشكّل الشعور بالأمان والثقة بالنفس الأساس الذي يبني عليه الطفل الصغير تقديره لذاته.
ويمكن أن يتمظهر الشعور بالكفاءة في سياقات مختلفة. حيث يظهر هذا الشعور عند الطفل والمراهق بشكل ملحوظ في البيئة الاجتماعية و المدرسية فقد يتملك الشعور بعدم الكفاءة مصحوبًا بقلق في الأداء أولئك الذين لا ينجحون في المدرسة، أو الذين لا تتوافق نتائجهم الدراسية مع توقعات آبائهم، ، و يمكن أن يمتد هذا الشعور ليشمل كفاياتهم الاجتماعية. فيعتقد هؤلاء الأطفال أنهم غير أكفاء أو لا يجيدون شيئًا، وأن الجميع سيسخر منهم. ولذلك قد لا يجرؤون على التحدث داخل القسم، وقد يتبنّون سلوكًا صامتًا أو انطوائيًا. أوعلى العكس من ذلك، قد يدافعون عن أنفسهم من خلال تبنّي سلوك استعراضي مبالغا فيه.
مثال : رشيد طفل مقبل على المراهقة (11 سنة ) يتابع دراسته في المستوى السادس ابتدائي ، يتميز بقدرات ذهنية جيدة . لكن أبويه ( مستوى سوسيو اقتصادي جيد) لا يخفيان قلقهما من سلوكه غير الملائم في القسم . و يعود شغب الطفل الذي لا يعاني من صعوبات في التعلم إلى تجاهل معلمته للأسئلة التي كان يطرحها في القسم . و أدى استمرار هذا التجاهل إلى دفع التلميذ إلى القيام بسلوكات غير ملائمة لإثبات وجوده أمام أقرانه . ما أدى إلى فصله من عدة مؤسسات خاصة
يوضح هذا المثال بشكل جيد نموذج الإشراط الكلاسيكي، الذي يُنظر فيه إلى القلق باعتباره استجابة انفعالية مكتسبة. ويمكن أن نستنتج من هذه الحالة المزعجة أن كل سلوك يسمح بتجنب الموقف المنفّر(تجاهل المعلمة) يؤدي إلى تعزيز سلوك بديل (الشغب مثلا ) .
فقد يتجنب شخص يفتقر إلى توكيد الذات التعبير عن وجهة نظره داخل مجموعة، خوفًا من التعرض للانتقاد، فيتجنب القلق من خلال تبنّي سلوك سلبي. فيلتزم الصمت ويوافق على كل قرار، مما يؤدي إلى خفض مستوى القلق لديه على المدى القصير. وللتجنب قيمة تكيفية في الحفاظ على توازن الفرد، حتى وإن كان يقوده لاحقًا إلى مواقف غير مريحة. وتجدر الإشارة إلى أن التجنب يشكل عاملًا من عوامل استمرار القلق والحفاظ عليه.
المنحنى النمائي لتوكيد الذات :
يتزامن نمو مفهوم تقدير الذات لدى الطفل مع بروز الثقة بالنفس، التي تظهر ابتداء من السنة الثامنة. وتُعد هذه المرحلة الفترة التي يبدأ فيها الأطفال في بناء التمثل النفسي لذواتهم. فمنذ هذا العمر، يصبح الأطفال قادرين على وصف أنفسهم، سواء من حيث الصفات الجسدية والسمات الشخصية، و التعبير عن حالاتهم الانفعالية. علما بأن الآباء يستطيعون ملاحظة أعراض عدم الثقة بالنفس لدى أطفالهم الصغار في سن مبكرة . حيث تبدأ محاولاتهم لإبراز قيمتهم في نظر الآخرين . ففي الفترة الممتدة بين السادسة والثامنة من العمر، يقارن الأطفال بين والديهم ووالدي أقرانهم، وقد يلجؤون إلى اختلاق قصص أو قصص عائلية من نسج خيالهم إذا كان محيطهم يجعلهم يشعرون بالتهميش.
وفي هذه المرحلة يكتسب اللباس والمظهر الخارجي أهمية متزايدة لدى معظمهم ( العلامات التجارية للملابس)، كما يسعون إلى امتلاك بعض الوسائل الدالة على الانتماء إلى جماعة اجتماعية، مثل الهواتف، والأجهزة اللوحية، وممارسة بعض ألعاب الفيديو، وغيرها. و تتمثل المجالات الخمسة الأكثر أهمية في بناء تقدير الذات لدى الأطفال والمراهقين فيما يلي:
- المظهر الجسدي: الصورة التي يكونها الطفل أو المراهق عن مظهره الجسدي.
- الكفاءات الرياضية: القدرات والمهارات التي يمتلكها في المجال الرياضي.
- الشعبية: مدى القبول الذي يحظى به لدى الآخرين ومكانته بينهم.
- المطابقة السلوكية: مدى توافق سلوكاته مع القواعد والمعايير السلوكية المتعارف عليها.
- النجاح الدراسي: مستوى الإنجاز والتحصيل الأكاديمي.
إن الأهمية التي تُمنح لمختلف مجالات تقدير الذات لا تعتمد فقط على حكم الطفل أو المراهق على نفسه، بل تتأثر أيضًا بالأحكام التي يحملها الأشخاص الذين يتمتعون بمكانة خاصة في حياته بشأن كفاءاته وقدراته كالوالدين، والأساتذة والأقران. وإذا حدث قصور في أحد هذه المصادر أو اختلّ دوره، يمكن للمصادر الأخرى أن تعوّضه. إذ يستطيع الطفل تحمّل الخلاف مع أحد الأساتذة بصورة أفضل إذا كان يشعر بأنه يحظى بالتقدير والقبول من طرف والديه أو أصدقائه….
سلوكات توكيد الذات ؛
في مختلف الوضعيات التواصلية التي تواجهنا، توجد عادةً ثلاثة أنماط من السلوك.
1 : السلوك المكبوح (Comportement inhibé)
لا يجرؤ الشخص ذو السلوك المكبوح على التعبير عن احتياجاته؛ إذ يترك المجال كاملًا للآخر، ولا يستطيع فرض احترامه. ما يؤدي ذلك إلى انتقاصه من قيمة ذاته، لأنه يلوم نفسه لعدم قدرته على الدفاع عن وجهة نظره وإبرازها.
2 : السلوك العدواني (Comportement agressif)
يتمثل سلوك الشخص العدواني في فرض نفسه على الآخر من أجل الدفاع عن وجهة نظره، دون مراعاة وجهة نظر الطرف الآخر أو احترامها، وقد يلجأ إلى استخدام القوة أو الإساءة اللفظية لتحقيق أهدافه. ويمكن أن يشعر هؤلاء الأشخاص بالندم على سلوكهم العدواني، لكنهم لا يعرفون أسلوبا آخر في التعامل. كما أنهم يفتقرون إلى احترام الآخرين.
3 : السلوك التوكيدي أو توكيد الذات (Comportement affirmé)
على النقيض من ذلك، يستطيع الشخص الذي يتمتع بتوكيد الذات الدفاع عن حقوقه والتعبير عن وجهة نظره، مع احترام ذاته واحترام الآخر على حد سواء. وبذلك، يكون قادرًا على التوصل إلى حل توافقي يوازن بين موقفه وموقف محاوره.
تعلّم توكيد الذات وتطويره
و يعكس هذا التصرف المثالي في العلاقات مهارة يمكن اكتسابها وتطويرها بالتدريب والممارسة، لأن الأمر لا يتعلق بسلوك فطري بالضرورة. ولعل العناء الذي يكلفه مجهود بناء هذه المهارة أهون عند الشخص الذي يعاني من ضعف توكيد الذات من معاناته من تقليله من تقدير ذاته. خصوصا بالنسبة للشخص العدواني، الذي قد يصل إلى مستوى لا يمكنه فيه تحمّل الإحباط . فيصبح أقل ميلًا إلى مراجعة أسلوبه في التعامل، لأنه غالبًا ما يحصل على ما يريد باستخدام القوة.
كما هو الحال لدى الراشدين؛ يختلف سلوك الأطفال والمراهقين باختلاف المواقف أو السياقات التي يوجدون فيها. فقد يُظهر الطفل سلوكًا توكيديًا داخل أسرته، بينما يتصرف بخضوع خارجها. و قد نجد بعض المراهقين يتصرفون بعدوانية داخل المنزل، في حين يُظهرون خضوعًا شديدًا داخل جماعة الأقران التي ينتمون إليها أو يسعون إلى الانتماء إليها.
ويمكن ملاحظة تغيير في السلوك حسب مراحل النمو. فقد يُظهر الطفل سلوكًا عدوانيًا في سن مبكرة ، ثم ينتقل إلى السلبية عند بداية مرحلة المراهقة، لأنه لم يتمكن من تكوين علاقات اجتماعية، الأمر الذي يدفعه تدريجيًا إلى الانسحاب والابتعاد عن الآخرين.
السلوك السلبي (الخاضع)
يتسم الشخص الذي يُظهر سلوكًا سلبيًا بالخصائص الآتية:
- قليل التعبير عن نفسه عندما يكون ضمن جماعة.
- يسمح للآخرين بالسيطرة عليه.
- يميل إلى الانسحاب وعدم المشاركة في الأنشطة.
- يقبل القيام بما لا يرغب فيه الآخرون، مثل قبول لعب دور حارس المرمى في كرة القدم، رغم أنه لا يريد ذلك.
- يميل إلى تجنب التواصل البصري مع الآخرين.
- يحافظ على مسافة بسيطة تفصله عن الآخرين.
- عندما يتعرض للإهانات أو يدخل في شجار، يستسلم ولا يدافع عن نفسه، أو يهرب من الموقف.
- يضع احتياجات الآخرين قبل احتياجاته الشخصية، وقد يحرم نفسه من بعض الأمور لإرضائهم.
- وفي نهاية المطاف، يشعر بالإحباط والضعف، وكثيرًا ما يندم على عدم قدرته على التعبير عما يفكر فيه أو الدفاع عن نفسه.
السلوك التوكيدي (Le comportement affirmé)
- التعبير عن وجهة نظره بهدوء.
- القدرة على تقديم طلب بوضوح.
- القدرة على رفض الطلبات غير الواضحة أو المحرجة.
- القدرة على الاستماع إلى الآخر.
- التواصل البصري الصريح والمباشر.
- اتخاذ وضعية جسدية مسترخية.
- التحدث بصوت واضح ومسموع.
- البحث عن حلول وسط عند نشوب خلاف أو شجار.
- القدرة على تجنب الشجارات.
السلوك العدواني (Le comportement agressif)
- التعبير المباشر عن وجهة نظره.
- عدم الاستماع إلى وجهة نظر الآخر، أو الإصغاء إليها بدرجة محدودة جدًا.
- اللجوء إلى العدوان بسهولة.
- استعمال الإهانات والصراخ.
- الشعور بالغضب عندما لا يحصل على ما يريد.
- اتخاذ وضعية جسدية متصلبة ومتوترة.
ملاحظة : الفرق الأساسي بين السلوك التوكيدي والسلوك العدواني لا يكمن في التعبير عن الرأي بصورة مباشرة، لأن كليهما قد يتضمن ذلك، بل في طريقة التعبير عن الرأي واحترام حقوق الآخرين. فالشخص التوكيدي يدافع عن حقوقه ويعبّر عن احتياجاته مع احترام الآخر، بينما يميل الشخص العدواني إلى فرض رغباته دون مراعاة كافية لحقوق الآخرين ومشاعرهم.
المرجع :
l’affirmation de soi pour les enfants et les adolescents
Laure Bricout
Anne Françoise Chaperon
P : 2-17
2e édition
Dunod 2020








