طارق عوجة
دكتور في التاريخ المعاصر.
كاتب الشبيبة الاستقلالية بتازة .
لم يعد كافياً أن ننظر إلى السياسة بمنطق الغضب أو بمنطق المقاطعة والرفض فقط. المرحلة المقبلة تفرض علينا تبني فكر سياسي واقعي، يفهم طبيعة الدولة وموازين القوى، ويفرق بين من يملك القرار ومن يشارك في صنعه ومن يتحمل مسؤولية تنفيذه.
نعم، هناك اختلالات وحدود في الممارسة الديمقراطية، وهناك تداخل في الاختصاصات، لكن الواقعية السياسية تقتضي ألا نحول هذه الحقيقة إلى مبرر للانسحاب من المؤسسات.
الحكومة لا تملك كل السلطة، لكنها تملك جزءاً منها وتمارسها فعلياً. والأحزاب التي تصل إلى مواقع المسؤولية تتحمل، كل بحسب موقعه واختصاصه، مسؤولية سياسية عن اختياراتها وقراراتها ونتائج تدبيرها.
لذلك فإن المشاركة في الانتخابات لا تعني بالضرورة الثقة في الحكومة، ولا تعني منح أي حزب شيكا على بياض. قد تكون المشاركة نفسها وسيلة للاعتراض، وإعادة ترتيب موازين القوى، وقطع الطريق أمام استمرار نفس الوجوه ونفس العقليات.
وما وقع بين مكونات الأغلبية، خصوصاً في بعض الملفات التي كشفت اختلافاً بين مواقف الأصالة والمعاصرة والأحرار، يؤكد أن المشهد السياسي ليس كتلة واحدة، وأن داخل المؤسسات نفسها توجد مساحات للصراع والمساءلة وإعادة تشكيل التحالفات.
المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة “لا فائدة من التصويت” إلى سؤال أكثر واقعية: كيف نستعمل ما هو متاح لنا لتغيير ما يمكن تغييره؟
فالمغرب مقبل على تحديات أكبر من مجرد الصراع الانتخابي: الماء، التشغيل، التعليم، الصحة، الأمن الغذائي، التحولات الاقتصادية، الذكاء الاصطناعي، والتغيرات الجيوسياسية.
هذه الملفات تحتاج إلى أحزاب تمتلك رؤية، ونخب تتحمل المسؤولية، ومواطنين يشاركون في صناعة البدائل.
الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للواقع، وإنما فهمه جيداً من أجل تغييره حيث يمكن تغييره.
ولهذا، فإن المشاركة ليست تقديساً للصندوق، والمقاطعة ليست وحدها عنوان الرفض.
السياسة هي أن تعرف أين تضع صوتك، ومتى تستعمله، ولماذا، وما الذي تريد أن يتغير بعده.
وفي النهاية، من ينسحب من السياسة لا ينسحب من نتائجها، لأن القرارات ستتخذ، والبرلمان سيتشكل، والحكومة ستأتي، والتحديات ستستمر.
والسؤال الحقيقي ليس: هل نحن راضون عن الواقع؟
بل: هل نريد أن نكون مجرد متفرجين عليه، أم جزءاً من محاولة تغييره؟







