بقلم: رئيسة مجلس الباحثات المتعدد التخصصات المغرب
د.جميلة مرابط
لم أكن أنوي الكتابة عن أحداث سبتة، رغم متابعتي لها منذ ساعاتها الأولى، لكنني وجدت نفسي مضطرة إلى ذلك بعد سيل من الاتصالات والرسائل التي تلقيتها من أصدقاء وزملاء وباحثين من خارج المغرب. كان السؤال يتكرر بصيغ مختلفة، لكنه يحمل المعنى نفسه: “ماذا يحدث في المغرب؟ وهل ما نشاهده يعكس أزمة عابرة أم تحولًا أعمق؟”
أدركت حينها أن الصمت لم يعد كافيًا، وأن واجب المثقف والباحث لا يقتصر على متابعة الأحداث، بل يمتد إلى المساهمة في قراءتها بعقلانية، بعيدًا عن الانفعال، وبعيدًا أيضًا عن الأحكام الجاهزة ونظريات المؤامرة التي لا تبني فهمًا ولا تقدم حلولًا.
لقد تابع العالم مشاهد آلاف الشباب، ومن بينهم قاصرون، وهم يتجهون نحو سبتة المحتلة في محاولة لعبور الحدود، في مشهد صادم للمغاربة قبل غيرهم. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس: كم شخصًا حاول العبور؟ بل: كيف وصلنا إلى لحظة يتحرك فيها هذا العدد الكبير في توقيت واحد وبالاندفاع نفسه؟
من الناحية العلمية، لا يمكن تفسير هذا الحدث بعامل واحد. فالاختزال في العامل الاقتصادي وحده لا يكفي، كما أن رد كل شيء إلى وجود مؤامرة خارجية لا يفسر تعقيد الظاهرة. إن ما وقع هو نتاج تفاعل بين عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وإعلامية، أنتج ما يسميه علماء الاجتماع “السلوك الجمعي”؛ أي الحالة التي ينتقل فيها القرار من الأفراد إلى الجماعة بسرعة كبيرة، فيصبح تأثير المجموعة أقوى من حسابات الفرد، خاصة في عصر تتدفق فيه المعلومات والشائعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي في ثوان معدودة.
غير أن ما يشغلني أكثر من كل هذه التفسيرات هو سؤال آخر، ربما يكون أكثر إيلامًا: أين تقف المواطنة في كل ما حدث؟
إن المواطنة ليست شعارًا يرفع في المناسبات الوطنية، ولا خطابًا سياسيًا يلقى في الحملات الانتخابية، بل هي علاقة يومية بين المواطن والدولة، وبين الفرد ومجتمعه. إنها شعور بالكرامة، وبالعدل، وبالقدرة على المساهمة في البناء، وبأن المستقبل لا يزال ممكنًا داخل الوطن.
فحين يشعر الشاب أن جهده مقدر، وأن القانون يطبق بعدالة، وأن الكفاءة تجد طريقها إلى الاعتراف، وأن الفرص متاحة بعيدًا عن المحسوبية والامتيازات غير المستحقة، يصبح أكثر استعدادًا للدفاع عن وطنه، وأكثر قدرة على الصبر أمام الأزمات، وأكثر إيمانًا بأن النجاح يمكن أن يتحقق داخل بلده، لا خارجه.
إن حب الوطن لا يقاس فقط بصدق المشاعر، وإنما أيضًا بقدرة المؤسسات على تحويل تلك المشاعر إلى ممارسة يومية. ولذلك فإن المواطنة لا تُصنع بالخطب، وإنما تصنعها المدرسة عندما تربي على المسؤولية، والأسرة عندما تغرس قيم الانتماء، والأحزاب عندما تؤطر الشباب بدل الاكتفاء بالمواسم الانتخابية، والجمعيات عندما تفتح فضاءات للمبادرة، والإعلام عندما يصنع الأمل ولا يكتفي بصناعة الإثارة.
ولعل من أخطر ما كشفته أحداث سبتة أن المؤسسات الوسيطة أصبحت، في كثير من الأحيان، أقل تأثيرًا في تشكيل وعي الشباب من منصات التواصل الاجتماعي. ففي دقائق معدودة تستطيع إشاعة أو مقطع فيديو أن يحشد آلاف الأشخاص، بينما تعجز سنوات من الخطاب التقليدي عن إقناعهم بالبقاء والمشاركة والإنتاج. وهذه ليست أزمة تواصل فقط، بل أزمة ثقة تستوجب وقفة صادقة ومسؤولة.
إن الدفاع عن الوطن لا يكون بإنكار الاختلالات، كما أن نقد السياسات لا ينبغي أن يتحول إلى جلد للوطن أو التشكيك في منجزاته. فالمغرب حقق خلال السنوات الأخيرة مكاسب مهمة على المستويات الدبلوماسية والاستراتيجية والتنموية، وهي منجزات يعتز بها كل مغربي. لكن قوة الدولة لا تكتمل إلا حين يشعر المواطن بأن هذه المنجزات تنعكس أيضًا على جودة حياته اليومية، وعلى فرصه في العمل، وعلى شعوره بالعدالة والكرامة.
ولذلك، فإن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية ما حدث سيكون ظلمًا، كما أن تحميل الدولة أو الحكومة وحدها المسؤولية سيكون تبسيطًا مخلًا. فهذه لحظة تستوجب مراجعة جماعية لأدوار الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والأحزاب، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالمواطنة مشروع مجتمعي متكامل، لا يمكن أن تنهض به مؤسسة واحدة.
ويبقى سؤال أخير لا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا: هل نريد أن يظل حب الوطن مجرد عاطفة وجدانية، أم نريده أن يصبح مشروعًا يوميًا يعيشه المواطن في المدرسة، وفي الإدارة، وفي سوق الشغل، وفي المجال العام؟
إن ما وقع في سبتة ينبغي أن يُقرأ باعتباره جرس إنذار، لا مناسبة لتبادل الاتهامات. فالوطن لا يخسر فقط عندما يغادره أبناؤه، بل يخسر أيضًا عندما يفقد بعضهم الثقة في أن مستقبلهم يمكن أن يُصنع على أرضه.
إن حماية الحدود مسؤولية الدولة، أما حماية الأمل فهي مسؤولية الجميع







