كليلة و دمنة: “خصائص الإنسان “

يوسف العزوزي28 أغسطس 2016
كليلة و دمنة: “خصائص الإنسان “

كليلة و دمنة

 

قال بيدبا : إني وجدت الأمور التي اختص بها الإنسان ،من بين سائر الحيوان ، أربعة أشياء ، و هي جماع (أي جميع )ما في العالم و هي : الحكمة و العفة و العقل و العدل .و العلم و الأدب و الروية داخلة في باب الحكمة .و الحلم و الصبر و الوقار ، داخلة في باب العقل .و الحياء و الكرم و الصيانة و الأنفة ، داخلة في باب العفة .و الصدق و الإحسان و المراقبة و حسن الخلق ، داخلة في باب العدل .و هذه هي المحاسن ، و أضدادها هي المساوئ .فمتى كملت هذه في واحد ، لم يخرجه النقص في نعمته إلى سوء الحظ من دنياه ،و لا إلى نقص من عقباه ، و لم يتأسف على ما لم يعن التوفيق ببقائه ، و لم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه ، و لم يدهش عند مكروه .فالحكمة كنز لا يفنى على الإنفاق ،و ذخيرة لا يضرب لها بالإملاق ،و حلة لا تخلق جدتها ، و لذة لا تصرم(تقطع ) مدتها .و لئن كنت عند مقامي بين يدي الملك أمسكت عن ابتدائه بالكلام ، فإن ذلك لم يكن مني إلا لهيبته و الإجلال له .و لعمري إن الملوك لأهل أن يهابوا ،و لا سيما من هو في المنزلة التي جل فيها الملك عن منازل الملوك قبله .

و قد قالت العلماء : الزم السكوت فإن فيه السلامة ، وتجنب الكلام الفارغ فإن عاقبته الندامة .

و حكي أن أربعة من العلماء ضمهم مجلس ملك فقال لهم : ليتكلم كل منكم بكلام يكون أصلا للأدب .

فقال أحدهم : أفضل خلة (خصلة ) العلماء السكوت .

و قال الثاني : إن من أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله .

و قال الثالث : أنفع الأشياء للإنسان ألا يتكلم بما لا يعنيه .

 وقال الرابع : أروح الأمور للإنسان التسليم للمقادير .

و اجتمع في بعض الزمان ملوك الأقاليم : من الصين ،و الهند ، و فارس ، و الروم ، وقالوا : ينبغي أن يتكلم كل منا بكلمة تدون عنه على غابر الدهر .

قال ملك الصين : أنا على ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت .

قال ملك الهند : عجبت لمن يتكلم بالكلمة ، فإن كانت له لم تنفعه ، و إن كانت عليه أوبقته (أهلكته ).

قال ملك فارس : أنا إذا تكلمت بالكلمة ملكتني ، و إذا لم أتكلم بها ملكتها .

قال ملك الروم : ما ندمت على ما لم أتكلم به قط ، و لقد ندمت على ما تكلمت به كثيرا .

و السكوت عند الملوك أحسن من الهذر الذي لا يرجع منه إلى نفع .و أعضل ( أصعب ) ما استضل  به الإنسان لسانه .

ثم إن بيدبا ، لما أخلى فكره من اشتغاله بدبشليم ، تفرغ لوضع كتب السياسة و نشط لها، فعمل كتبا كثيرة فيها دقائق الحيل .و مضى الحاكم على ما رسم له بيدبا من حسن السيرة و العدل في الرعية فرغب إليه الحكام الذين كانوا في نواحيه و انقادت له الأمور على استوائها و فرحت به رعيته و أهل مملكته .

ثم إن بيدبا جمع تلامذته ، فأحسن صلتهم ، و وعدهم وعدا جميلا ، وقال لهم :لست أشك أنه وقع في نفوسكم وقت دخولي على الحاكم أن قلتم : إن بيدبا قد ضاعت حكمته و بطلت فكرته إذ عزم على الدخول على هذا الجبار الطاغي . فقد علمتم نتيجة رأيي و صحة فكري و أني لم آته جهلا به، لأني كنت أسمع من الحكماء قبلي تقول : إن الطغاة لهم سكرة كسكرة الشراب .فهم لا يفيقون من السكرة إلا بمواعظ العلماء ، و الواجب على العلماء تقويم الحكام بألسنتهم و تأديبهم بحكمتهم و إظهار الحجة البينة اللازمة لهم ليرتدعوا عما هم عليه من الاعوجاج ،و الخروج عن العدل .

فوجدت ما قالت العلماء فرضا واجبا على الحكماء لحكامهم ليوقظوهم من سنة سكرتهم ، كالطبيب الذي يجب  عليه في صناعته حفظ الأجساد على صحتها أو ردها إلى الصحة .فكرهت أن يموت أو أموت و ما يبقى على الأرض إلا من يقول إنه كان بيدبا الفيلسوف في زمان دبشليم الطاغي فلم يردده عما كان عليه .

ثم إن دبشليم لما استقر له الحكم و سقط عنه النظر في أمور الأعداء بما قد كفاه ذلك (أغناه عنه)بيدبا .

و خلا به و قال له : يا بيدبا ، إنك حكيم الهند و فيلسوفها ، و إني فكرت و نظرت في خزائن الحكمة التي كانت للحكام قبلي ، فلم أر فيهم أحدا إلا وقد وضع كتابا يذكر فيه أيامه وسيرته ، و ينبئ عن أدبه و أهل رعيته .فمنه ما وضعته الحكام لأنفسهم و ذلك لفضل حكمة فيها ، ومنه ما وضعته حكماؤها ،و أخاف أن يلحقني ما لحق أولئك مما لا حيلة لي فيه ، و لا يوجد في خزائني كتاب أذكر به بعدي و ينسب إلي، كما ذكر من قبلي بكتبهم .و قد أحببت أن تضع لي كتابا بليغا تستفرغ فيه عقلك  يكون ظاهره سياسة العامة ،و تأديبها على طاعة االحاكم، و باطنه، أخلاق الحاكم و سياسته في الرعية ، فيسقط بذلك عني كثير ما نحتاج إليه في معاناة الحكم (معالجة ).و أريد أن يبقى لي هذا الكتاب بعد ذكرا على غابر الدهور .

ثم إن بيدبا جمع تلامذته و قال لهم : إن الحاكم قد ندبني (دعاني ) إلى أمر فيه فخري و فخركم و فخر بلادكم و قد جمعتكم لهذا الأمر .ثم وصف لهم ما سأل الحاكم من أمر الكتاب و الغرض الذي قصد فيه فلم يقع لهم الفكر فيه (لم يعرفوا طرق وضعه ).

فلم يزل هو و تلميذه يعملان الفكر فيما سأله الحاكم حتى فتق (كشف ) لهما العقل أن يكون كلامهما على لسان بهيمتين .فوقع لهما موضع اللهو و الهزل بكلام البهائم ، وكانت الحكمة ما نطقا به ، فأصغت الحكماء إلى حكمه و تركوا البهائم و اللهو و علموا أنها السبب في الذي وضع لهم ، و مالت إليه الجهال عجبا من محاورة بهيمتين .

مستجدات