منبع الريع في المغرب

ajialpress7 ديسمبر 2012
منبع الريع في المغرب

ذ. مصطفى هطي

منذ بدأ ربيع الشعوب في الدول العربية والشعار المرفوع في المغرب هو " الشعب يريد اسقاط الفساد والاستبداد" , ويعتبر الريع احد اهم مظاهر الفساد في المغرب وأخطرها على الاطلاق كونه تحول الى ثقافة وسلوك تصنعه الجهات المستفيدة منه وتحميه وتحرص على تشريع قوانين تسمح للمفسدين بالاغتناء الفاحش بدون مجهود وبواسطة القانون كما حدث في قضية العلاوات المتبادلة بيت وزير المالية السابق والخازن العام للملكة وكما يحدث في النقل والمقالع ورخص الصيد والعقار والقضاء. وإذا كان الجميع يتحدث عن الريع الاقتصادي غالبا وعن الريع السياسي والإعلامي والنقابي احيانا باعتبارها مظاهر للفساد الذي ينخر مفاصل الدولة المغربية منذ الاستقلال الى اليوم, فإننا نعتقد ان هذه الانواع من الريع ما هي إلا نتائج لتربية الريع التي تكرس اخطر انواع الفساد وهو ثقافة الفساد التي تحولت إلى سلوك لدى غالبية من افراد المجتمع, و الاخطر من ذلك ان ينتشر هذا السلوك وسط فئة الاطفال والشباب المعول عليهم لبناء مستقبل الدولة. وعندما نتحدث عن تربية الريع باعتبارها مصدر كل انواع الريع فإننا على تماس مباشر بمؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تربي الانسان وتزرع القيم في شخصيته منذ الطفولة , ونعني هنا مؤسستين أساس, الاولى هي الاسرة التي تهيمن عليها تربية ريعية للأبناء لأننا لم نتخذ التربية باعتبارها قضية حيوية لمستقبل الأمة. والثانية هي المدرسة التي تمرر القيم والتي تفتقد بدورها الى رؤية شمولية للتربية على قيم المسؤولية والإنتاج وثقافة المكافأة مقابل المجهود والواجب مقابل الحق. لقد تأثرت الاسرة الممتدة التي كانت تسود المجتمع المغربي سلبا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية وعوض أن يتم تطويرها وجعلها نواة تبنى عليها السياسة الاقتصادية والتعليمية والإعلامية للدولة فقد أهملت وتركت لوحدها تواجه تعقيدات العلاقات الاجتماعية بين افرادها فأدى ذلك إلى انتشار الاسرة النووية وسرعان ما ستتعرض هذه الاخيرة لضغوطات الحياة الاقتصادية والعمل المرهق فتجد الابوين منشغلين بتوفير الماديات للأبناء مع فقر كبير في جانب الاهتمام بالتربية مما نتج عنه ضيق نفسي شديد لدى الاباء لا يساعدهم على فهم نفسية الطفل واحتياجاته المعنوية. وأمام هذه التغييرات في بنية الاسرة اقتصر مفهوم التربية عند الاباء والأمهات على رعاية الابناء ماديا بتوفير المأكل والمشرب والملبس ومحاولة تلبية طلبات الابناء المادية التي تدخل في باب الاستهلاك والرفاهية مثل شراء هواتف ودراجات وكل منتجات آخر صيحة بدون مجهود يكلف به الابن او البنت وبدون حاجة اليها. فحدث تضخم كبير لصالح الماديات على حساب التربية المعنوية المبنية على غرس القيم والأخلاق وتحمل المسؤولية وثقافة القيام بالواجب والجهد قبل نيل المكافأة. فكان طبيعيا , وأمام عدم اخذ التربية كقضية امة تريد النهوض , ان يسعى الاب والأم إلى اسكات الابناء وإرضائهم بالماديات بدون مقابل بل انحصر مفهوم حب الابناء لدى الاسرة والمجتمع في اغراق الطفل بكل بالمنتجات على اختلاف انواعها مما يكرس لدى الابن والبنت ثقافة التواكل والتكاسل . وهذه التربية التي تضخم الجانب المادي على حساب الجوانب المعنوية القيمية والأخلاقية وتكرس مبدأ الاخذ بدون مجهود لدى الابناء هو ما نسميه تربية الريع وهي المنبع الذي تنشأ عنه باقي انواع الريع الاقتصادي والسياسي والإعلامي والنقابي وغيرها لأننا بهذا النهج الذي يغيب معادلة الواجب قبل الحق والجهد قبل الاخذ نكرس في ابنائنا شخصية متواكلة تتطلع الى الرفاهية بدون إنتاج. ولم تسلم المدرسة المغربية هي الاخرى من التأثر سلبا بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والقيمية التي يعرفها المجتمع والتي ادت الى تفكك المنظومة التربوية داخل المؤسسة التعليمية فلا هي حافظت على صرامتها التربوية السابقة في فرض الانضباط على التلاميذ والطلاب , ولا هي نجحت في تأسيس نظام تربوي عصري وقوي يكرس مبدأ المسؤولية بالإقناع والمكافأة مقابل الجهد كما هو معمول به في الدول المتقدمة. فالأطر المتدخلة مباشرة في العملية التعليمية التعلمية هم جزء لا يتجزأ من هذا المجتمع الذي يعيش تحت الضغط والضيق النفسي وهو يصارع التحولات الكبرى , ذلك أن اغلب ـ وليس كل ـ من يراهن على تولى مهام الادارة التربوية والحراسة العامة اساسا إنما يراهن على ذلك هربا من ضجيج القسم ومشاكله التربوية التي اصبحت اكثر تعقيدا بسبب الاكتظاظ والانحدار الاخلاقي نتيجة تأثر التلاميذ السلبي بالوسائل الاعلامية والتكنولوجية الجديدة. فماذا ننتظر من شخص ترك مهنة التدريس هربا وتعبا وتفرغ لمهمة بشعور من يريد الراحة؟ وهو في مهمة اعقد تتمثل في التدبير الاداري والتتبع الفردي لنفسية التلميذ ومشاكله الاجتماعية التى تبرز سلبياتها داخل ساحة المؤسسات التعليمية وهو ما يتطلب تكوينا خاصا في فن التربية. أضف إلى ذلك ان شريحة هامة من رجال التعليم يعترفون بأنفسهم ان تواجدهم في التدريس ليس اختيارا وإنما اضطرارا و هروبا من البطالة وغياب بدائل العمل في مهن اخرى , وأن عددا مهما من التوظيفات في قطاع التعليم جاء لحل مشكل اجتماعي وسياسي للدولة عندما برزت ظاهرة التوظيف المباشر بدون تكوين ناهيك عن ضعف التكوين نفسه الذي يتلقاه خريجوا المراكز والمدارس العليا للأساتذة. كل هذا التعقيد أدى إلى بروز ظاهر غير صحية بل خطيرة على المنظومة التربوية التعليمية لأنها تكرس الريع التربوي التعليمي والذي يتجلى في غياب الصرامة في زمن الدخول والخروج من وإلى المؤسسة والميوعة في اللباس والانشغال بالوسائل التكنولوجية التي أغرق بها الابن / التلميذ في الاسرة , بل ومن اغرب الغرائب ان شركة للإتصلات اقترحت على مؤسسة تعليمية توزيع بطاقات الهاتف المحمول مجانا على التلاميذ المتفوقين كجائزة!! كما برزت ظاهرة تسول النقطة ومنح التلاميذ نقاط مرتفعة بدون استحقاق وهناك من يجعل أقل نقطة عنده 15 على 20 فما فوق بغض النظر عن الاجتهاد من عدمه وانجاز الفرض من عدمه او ربما لم ينجز حتى الفرض نفسه في غياب تام لمبدأ المكافأة مقابل الجهد والمنافسة الشريفة. إن محاربة الريع بكل اشكاله في المغرب يجب ان تسير بشكل متوازي على صعيدين: الاول اتخاذ قرارات سياسة جريئة على غرار نشر لوائح رخص النقل ومقالع الرمال ومنع اساتذة وأطباء القطاع العمومي من الاشتغال في القطاع الخاص, لكن هذه المرة على مستوى سن قوانين قوية وسريعة في كل المجالات التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر وبأثر رجعي وفوري لإحداث قطيعة مادية ومعنوية مع عقلية الريع الاقتصادي والسياسي والإعلامي والنقابي وبالتالي إعادة الثقة للشباب. والثاني الارتقاء بالأسرة الى مستوى مؤسسة يتم تأسيسها بالتكوين التربوي واتخاذ قرار سياسي جريء بتغيير جوهري وشمولي في المنظومة التربوية التعليمية على صعيد المنهاج التربوي والمقررات الدراسية والموارد البشرية لجعل المدرسة قاطرة حقيقية للتغيير الاجتماعي وأرضا خصبة لاستنبات قيم المسؤولية والعمل والإنتاج . إن هيمنة تربية الريع داخل الاسرة والمدرسة المغربيتين وقتل روح العمل والجهد هو ما يكرس الريع التربوي باعتباره منبعا للريع الاقتصادي والسياسي والإعلامي والنقابي وغيره . ولئن كانت هذه الاشكال من الريع سهلة المحاربة فقط بالجرأة السياسية والقوانين التي تربط المسؤولية بالمحاسبة والمكافأة بالجهد, فإن الريع التربوي هو الاخطر والأصعب لأنه يغرس قيم الكسل والتواكل في الاجيال الصاعدة ويكرس ثقافة الفساد داخل المجتمع.

مستجدات