محمد الطبيب
عرفت الديمقراطية المحلية بالمغرب تطورا ملحوظا، من خلال سياسة اللامركزية التي انتهجهابشكل تدريجي منذ 1976 ، والتي تم تدعيمها بالميثاق الجماعي لسنة 2002 ، قبل أن يكرسها قانون 17-18 بتاريخ 18 فبراير 2009 الذي جاء بقواعد جديدة للحكامة الترابية.
بالموازاة مع ذلك يقول "عبد السلام أبو درار" رئيس الهيئة المركزية للوقاية للرشوة ، بقي مسلسل اللامركزية متسما بالبطء وضعف التناسق، في حين عرفت الجهوية، بعد فترة جمود طويلة نسبيا امتدت منذ 1997 ، طفرة بفضل المشروع الطموح للجهوية المتقدمة الذي كرسه الدستور الجديد بهدف تقوية المسلسل الديمقراطي وإرساء حكامة ترابية جديدة ترتكز على الاستقلالية والالتقائية.
لقد سمحت الدراسات التي تم إنجازها حول هذا الموضوع بتوضيح أهم النقائص التي تعانيها الحكامة الترابية بالمغرب : ضعف في شفافية التدبير المحلي، هشاشة العلاقة بين المجالس والمواطنين، ضعف نجاعة هيئات الوصاية والمراقبة و غياب البعد المجالي في مقاربة
إعداد التراب الوطني.
ويعزى هذا التشخيص، الذي يتوافق حوله معظم المعنيين، إلى انغلاق التدبير المحلي وضعف الموارد البشرية ومحدودية الاستقلالية المالية ومشاركة المواطنين، وهو ما يؤدي إلى بروز العديد من الاختلالات و الممارسات غير القانونية، والتي تم تسجيلها خلال السنوات الأخيرة من طرف كل من سلطات الوصاية والمراقبة والمجالس الجهوية للحسابات.
هذه الدراسة حول الحكامة الاقتصادية للجماعات الترابية بالمغرب ثمرة شراكة بين مجموعة الديمقراطية والحداثة وجمعية تاركة للتنمية والبيئة، وتتميز ليس فحسب بأهمية التحليل الوثائقي الذي تقدمه في شكل يربطه بتقييم للممارسات المتعلقة بالتخطيط لدى الجماعات الترابية، بل وكذلك بالتقائها مع خلاصات عدد من الأبحاث الميدانية التي تم القيام بها في إطار أشغال أخرى. بالاعتماد على أهم ركائز الحكامة الجيدة التي تتمثل في الشفافية والنزاهة والمحاسبة والمشاركة،
أخذت هذه الدراسة بعين الاعتبار مسلسل اتخاذ القرار والقواعد والمعايير والقيم التي يعمل بها كل من المؤسسات والفاعلين من أجل تحديد آليات التخطيط وتدبير الموارد المالية وأساليب التتبع والتقييم.
ولقد تبين أن هذه المنهجية تتسم بطابع عملي حيث سمحت بالوقوف على أهم عوامل الخلل في التدبير المالي للجماعات الترابية في جهة طنجة–تطوان، دون أن تغفل تحديد الأدوات الجديدة التي يقدمها المخطط الجماعي للتنمية، باعتباره أداة للتخطيط الترابي تتوخى تحسين التدبير الاقتصادي والمالي للجماعات.
ومع تثمينها للمسلسل الجديد للتخطيط المجالي الذي ينبني على مسؤولية المنتخبين والتشاور مع
الفاعلين المحليين، فإن هذه الدراسة تقر بوجود إكراهات أساسية تتعلق بالوصاية المبالغ فيها وضعف الموارد البشرية وقلة الموارد المالية، وهو ما يؤثر بقوة على المساهمة الفعلية في برامج الاستثمار الجماعي وكذا على أثرها على التنمية المحلية.
في أفق تفعيل الجهوية المتقدمة، تتميز الدراسة أيضا بتأكيدها على ضرورة تدعيم التخطيط الترابي بمجهود متواصل يضمن مواكبة فعلية للفاعلين المحليين ولاتمركز أكبر للقطاعات التقنية. من أجل ذلك، تقدم الدراسة عدة إمكانيات وطرق لتحسين الحكامة، تفضي في آخر المطاف إلى الجمع بين الديمقراطية والنجاعة، تدعيم مشاركة المواطنين في الشأن المحلي، الاستقلالية المالية للجماعات الترابية، إصلاح الرقابة على العمل الجماعي، توضيح حدود اختصاصات الجماعات
وباقي الفاعلين المعنيين بالتدبير الاقتصادي، علاوة على إحداث نوع من اليقظة الاقتصادية من قبل المصالح المحلية والمساعدة على التخطيط وتوفير الخبرة القانونية وتقييم الإنجازات. على هذا النحو، تمثل هذه الدراسة نموذجا لمساهمة ملحة في المطالب، لكن إيجابية بالنسبة لمجتمع مدني لا يتوانى عن الإشارة إلى مكامن الخلل وفي نفس الوقت يتعامل، كقوة اقتراحية، بجدية ويلعب دوره كاملا.
إن الدراسة تم إنجازها بين سنتي 2012 و 2013 و تحقيقها لم يكن ممكنا من دون الإسهام المثمر و السخي للعديد من الأشخاص الذين لم يترددوا في المساهمة فيها بوقتهم ومعرفتهم.
هذه الدراسة يقول "العربي فردوسي" رئيس جمعية تاركة للتنمية المستدامة ثمرة شراكة بين مجموعة الديمقراطية والحداثة وجمعية تاركا بدعم مالي من السفارة البريطانية، وهي تندرج في سياق تفعيل القيم المشتركة بين الهيئتين.
وتنطلق من ملاحظة أن السياق السياسي والاقتصادي بالمغرب يضع قضايا الحكامة، الديمقراطية التشاركية،الشفافية و المساءلة، احترام حقوق الإنسان ودولة القانون، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي، في قلب الأولويات.
عقب الاستقلال تم اتخاذ العديد من الإصلاحات للحكامة المحلية بوضع أول ميثاق جماعي في 23 يونيو 1960 ثم مراجعته في 1976 عبر اعتماد إطار قانوني جديد وفر للبلديات مسؤوليات واسعة
لإدارة الشؤون المحلية.و منذ بداية هذا العقد قرر المغرب تعميق عملية التحول إلى اللامركزية والجهوية المتقدمة مما أدى بالسلطات العمومية سنة 2002 إلى إعادة النظر بشكل جوهري في
النظام القانوني الذي ينظم الجماعات .
في سنة 2011 كانت الإصلاحات الدستورية الجديدة خطوة هامة نحو الديمقراطية و إرساء دولة
القانون ،و ألقت الضوء على عدد من مبادئ الحكامة الجيدة .
من بين القواعد الجديدة تم إيلاء اهتمام خاص لآليات الحكامة الجيدة وتمت بلورتها في الدستور
الجديد من خلال الفصول التالية:
الفصل 139 الذي يمنح للجمعيات الحق في المشاركة في إعداد برامج التنمية و تتبعها؛
الفصول من 141 إلى 145 المتعلقة بسير الجماعات الترابية؛
الفصلان 147 و 148 اللذان يحددان دور و صلاحيات المجلس الأعلى للحسابات في
مراقبة المال العام؛
الفصول من 154 إلى الفصل 160 التي تحدد بشكل عام التزامات المؤسسات العمومية فيما
يخص الحكامة الجيدة؛
وأخيرا الفصول من 161 إلى الفصل 167 المتعلقة بهيئات و مؤسسات المراقبة والحكامة
الجيدة.
إن تحقيق و تطبيق هذه المشاريع الكبرى تتطلب تعبئة مختلف الفاعلين المحليين و تنفيذ استرتيجية
شاملة.
واهتمام مجموعة الديمقراطية والحداثة وجمعية تاركا بموضوع الحكامة المحلية الجيدة، وخصوصا
مع مشروع الجهوية المتقدمة ،نابع من واجب المواطنة و المجتمع المدني في المساهمة في
تحسين إدارة المال العام على مستوى الجماعات الترابية بشكل أكثر تماسكا و فعالية و في خدمة
السكان و تلبية احتياجاتهم.
ووفقا لذلك فإن هذا المشروع يتمحور حول التالي:
الخدمات المنتظرة من طرف الساكنة الأكثر هشاشة؛
إعداد المخططات والميزانيات ومراقبتها؛
آليات مشاركة المجتمع المدني والمواطنين/المواطنات في الاختيارات الكبرى للجماعات
المحلية )خاصة المشاركة في اختيار المشاريع والميزانيات وأيضا القرارات وتقييم
الإنجازات(؛
محاسبة صناع القرار المنتخبين من خلال تقييم النتائج
هكذا، وبمقتضى الاتفاقية الموقعة في يونيه 2012 ، يهدف هذا العمل إلى وضع إطار يمكن من
تحديد أهم الآليات المؤسساتية المتعلقة بالتدبير الاقتصادي والمالي والخدماتي، مع اقتراح بعض
الإجراءات العملية بهدف تحسينها.
من أجل ذلك، قام فريق العمل بالتحليل الوثائقي، حيث عمل بعد ذلك على اختيار عينة من
الجماعات الترابية بغاية استنتاج بعض المؤشرات الخاصة بالتسيير الاقتصادي والمالي.
لقد ركز التحليل الوثائقي على النصوص القانونية والتنظيمية بالإضافة إلى بعض المراجع
المرتبطة بالموضوع، لينصب الاهتمام فيما بعد على تحليل الممارسات التي تم رصدها داخل
الجماعات الترابية بالمغرب وذلك من أجل تقدير مدى التفاعلات الممكنة بين ما يتم العمل به على
أرض الواقع وبين ما يتم التخطيط له في إطار سياق الإصلاحات التي جاء بها الميثاق الجماعي
) 2009 ( والدينامية الجديدة التي أطلقها النقاش العمومي حول الجهوية المتقدمة. وميدانيا، تم تبني مقاربة تسمح بتحليل الممارسات التي يتم العمل بها في إطار التدبير الاقتصادي على مستوى 96 جماعة تنتمي لجهة طنجة– تطوان، كما تسمح هذه المقاربة بتحديد أهم العراقيل التي تعترض تلك الجماعات عبر مقابلات أجريت مع فاعلين معنيين بالتسيير الجماعي تم انتقاؤهم بدقة.
وقد نظمت ست لقاءات جهوية في كل من: فاس، طنجة، مراكش، سلا، زاكورة وأزيلال في إطار الاجتماعات الإخبارية والتشاورية، حيث سمحت هذه اللقاءات بإغناء مضمون الأيام الدراسية وكذا المقترحات المتعلقة بتحسين الممارسات فيما يتعلق بالتخطيط، الميزانية/الميزنة والتسيير المالي وأيضا فيما يتعلق بوضع المشاريع والتتبع والتقييم.
ومايمكن استخلاصه حسب رأي "كمال الحبيب" رئيس مجموعة الديمقراطية والحداثة ، هو أن منذ إصلاح الميثاق الجماعي سنة 2009 ، انخرطت الجماعات الترابية في مسلسل جديد للتخطيط المجالي، يتمحور حول مسؤولية المنتخب)ة(، ويرتكز على التشاور مع مختلف الفاعلين المحليين.
تتمثل القيمة المضافة لهذا المسلسل في إمكانيات وضع واقع حال على مستوى التراب مما يسمح
بإعداد تشخيص تشاركي متفق عليه، وفي إمكانية دمج أنشطة المصالح الخارجية وباقي الفاعلين في تنمية البرمجة الجماعية، مما يمكن من إعطاء رؤية عامة عن نشاط الدولة، على مستوى الجماعات.
تبقى هذه التجربة الأولى، مع أنها ممتدة على مدى ثلاث سنوات، في حاجة للتدعيم، وإلى المواكبة حتى يتمكن الفاعلون المحليون من خلق ثقافة تخطيط دائمة في إطار ممارسات المنتخبين.
غير أن هذه اللامركزية الوليدة لم يتم تتبعها بلاتركيز من قبل القطاعات التقنية للدولة، حيث بقي القرار فيها متسما بالمركزية وبصعوبة الولوج. ولعل الصعوبة في الاستجابة لمطالب الساكنة على مستوى الجماعات الترابية من بين ما يفسر، إلى حد ما، عجز هذه القطاعات على الانخراط مسلسل التخطيط.
المديرية العامة للجماعات المحلية تمكنت من طرح مسلسل تنموي في إطار استقلالية الجماعات في أفق 2015 غير أن حضور الوصاية، على المستوى العملي، يؤدي إلى عرقلة على الأنشطة الميدانية، وبالتالي إلى التقليص من قدرة الجماعات على تنشيط التنمية بترابها.
يضاف إلى هذه العراقيل، مشكل الموارد البشرية، في ما يتعلق بتكوينها وتأهيلها، ومشكل الموارد المالية للجماعات، مما يقلص من قدرتها على المساهمة في مشاريع الاستثمار، ويزيد من صعوبة تنفيذ المشاريع التي تقوم ببرمجتها.
أيضا، تبقى الدينامية الجماعية عاجزة عن الارتباط بالمستويات الترابية الأعلى )الإقليم، الجهة( ؛ تبقى المشاريع المبرمجة في إطار بيجماعاتي ضعيفة. على الجهوية المتقدمة، كاختيار بدأ العمل به، أن تقدم إطارا جديدا يضمن تنسيقا أكبر بين مختلف البرامج والأنشطة.







