بين سغموند فرويد و جاك لاكان " إن الشعراء و الروائيين هم أعز حلفائنا، و ينبغي أن نقدر شهاداتهم أحسن تقدير، لأنهم يعرفون أشياء… لم تتمكن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها، فهم في معرفة النفس معلمونا، نحن معشر العامة، لأنهم ينهلون من موارد لم نفلح بعد في تسهيل ورودها على العلم". (سيغموند فرويد) "أمهلني وقتي بعض العبث أرجع منك مصلوبة الظل و الفتوى غواية صمت تمارس قدري صهيل يذكرني بي فوضى تراوغ زواياي و فراغ يتلاشى: مغيب… بين الضلعين أخرج مني وردا يدثرني شبقا يتماوج على الوجه الطفل ليلا يتجهد لعنة تهش على بقاياي أيها الخضر أمهلني بضع آيات ترتلني سبعا فالسور ظل و المركب رحيل الدم مهدور و النصل مارد يساوم الهزيمة قلقا يحمل أمسا مبللا منكسر الحنين الصحو يكابر عري البوح يتلو مجون الوقت ألا توقنون؟ (إيمان الونطدي) لعل الكل سيتفق على وجود توافق بين التحليل النفسي و القصيدة (الديوان)، و لعل الكل لن يتفق، لكن في كلتا الحالتين سنسلم بخلق المتاعب و خلخلة المسلمات، و فضح خضوع الأنا لما تحتويه من أشياء تفكر فتوجهها (الأنا ليست سيدة بيتها)، و الكتلة الواحدة لا وجود لها، أما الرسالة فتتفرع و تتشعب ليتمخض عنها أكثر من معنى، ذلك أن الكلمات في القصيدة مشحونة بنوع من السلطة، هذه السلطة التي ولاشك تستمد من قوة الإيحاء باللامتوقع و المجهول ( القصيدة تعرف أكثر مما يعرفه الشاعر). تقول الشاعرة: "أمهلني… بعض العبث" أي عبث هذا يا ترى؟ قد يكون ذاك الذي يجعلنا نتخلص من وقتنا و قوتنا نحن السجناء لنعود في جو من الذكريات إلى حميمية الطفولة ! و قد يكون عبث الحلم الذي يوقعنا في جدلية غريبة بين الرغبة و المحكي، ليكلمنا دون أن يقول شيئا، فلا عنوان و لا قصد سابق و مستوى محدد ! تقول: " سراب و خاصرة الريح تراقص ليلة صماء و هاته ال أنا تحوم حولي مثخنة بالدهشة مفعول بها كلما شقت علاماتها سواد السؤال الحنين لذاك المكان ضجيج، قهقهة صبايا، فناجين شاي سيجارة تحرق سويعات الضجر ذاك الركن يرتق ما تبقى منا حكاية قديمة، لوحة …". لا تقف القصيدة عند هذا الحد بل ترمي بنا في عبثية الوقت كذلك، و الأسطورة، و اللعب، و القصيدة نفسها، و هنا يتبدى لنا الرأسمال الرمزي للإنسان المتوغل في أعماق اللاشعور، هذا الذي ينتج التفاعل بين لاشعور القارئ/المتلقي و بين لاشعور آخر، و كم يذكرنا هذا بما تحدث عنه فرويد في كتابه ما وراء علم النفس، و ما أشار إليه في مقالته "الشاعر و الخيال": "الكاتب يقوم بتلطيف ما في الحلم من تمركز على الذات، و يغرينا بالاستفادة من لذة شكلية خالصة، و يحقق لنفسيتنا متعة تجد معها الخلاص من بعض التوترات". و هنا نستحضر كلا من عملية الكتابة و عملية القراءة اللتان تخضعان لتجاوب مع دوافع و حوافز قد تكون في غالب الأحيان بعيدة عن تفكيرنا العقلاني،و ما تحتويه القصيدة من رموز مختلفة (استعارة، كناية، مجاز..) ليست إلا ألاعيب و حيل للغة، "فبناء اللغة شبيه ببناء شبيه بلغة اللاوعي، و اللاوعي هو خطاب الآخر، الأمر الذي يسمح برؤية الذات "الأنا" تتكون مثل خطاب مستحيل". (جاك لاكان). تقول: " لا تكتبيني أيتها القصيدة الحرق يستصغرني في هذا المساء الضياع يكبل الحلم المشرد بين أزقة مدن ثكلى" و تقول: " أيتها اللعنة كيف أنساك و شوارع مدينتي حبلى بهمس و بقايا أغنية …". تمثل الحاضر الغائب و الغائب الحاضر، فاللغة تقوم على الغياب أو النقص الجوهري، فقدان الارتباط بالآخر يجعل الذات تبحث عما يوحي إليها به، فتستعين بالحديث (اللغة)،و اللغة تعرف الذاتين (الأنا و الغير) على أنهما منفصلتين، هذا الذي يجعل من رغبة الذات في الاتحاد بالغير غير قابلة للإشباع، و بذلك فإن المحكي/التعبير في علاقة دائمة بالرغبة، و كما يقول جاك لاكان:" الرغبة هي علاقة الكائن بالنقص، هذا النقص هو نقص أن تتحدث بطريقة صحيحة، إنها ليست عدم وجود هذا الشيء أو ذاك، و لكن هو نقص الكائن حيث يكون موجودا". تقول: "أتوحد و ظلي أسافر عبر حروفي القاسية لا قافية تشاكسني و لا بحور تغويني متفردة أنا في بلاد الله أكتبك على جدار الوجع أسطورة بدمي". القصيدة لا تمارس تأثيرا على الشاعرة فهي تترك لها فراغا فسيحا، تملأه بما تشاء من عبارات و أحاسيس، هي لا تمارس عليها تنويما مغناطيسيا حتى تتمكن من فضح خبايا اللاشعور، بل تترك لها حرية التلاعب و العبث بكل ما حولها، فيكون بذلك الزمكان مشوشا، و العلاقات شبه مقلوبة هذا إن لم نقل أنها مقلوبة، إنها تمارس عليها شكلا آخر من التواصل، هو التداعي الحر، فتكون بذلك القصيدة تحمل في ثناياها أفكار الشاعرة التي تتداعى بحرية، خاصة و أن اللاشعور هنا يمتاز بانفتاحه على كل المعاني، و يتميز بقوة الدال و غياب المدلول، و ما عليك إلا البحث. و تبقى القصيدة عموما هي المنفذ الذي من خلاله تستطيع الشاعرة أن تتمتع بلذة ممنوعة في جو من السحر و الإغراء و الإغواء، بحيث تعمل هذه العناصر على تعطيل عمل الكبت، و الإفراج عنه بذريعة تنظيم الفضاء الجمالي بصفته حلا مناسبا لمشاكل داخلية يطرحها الوضع الإنساني، و لأنها تعمل على تحقيق نوع من النظام في فوضى المشاعر. و يمكن القول أن القصيدة تعتبر السبيل الذي يسمح للإنسان أن يفعل شيئا يشبه إشباع الرغبة الكامنة في العمق، و التي تقض مضجعه عن طريق الكلمة باعتبارها اللعبة التي تشعل المفاعيل الوجدانية و هذا ما أكده فرويد "الفن لم يعمل في بادئ أمره من أجل الفن و إنما كان يعمل لخدمة ميول غرائزية". فالقصيدة إذن تعمل على اختيار مواضيع استهامية مرتبطة بالجانب الجمالي الذي يثير إعجاب الجمهور، لهذا فغالبا ما نجد أن العمل الإبداعي يستمد شرعيته من اللاشعور، و لكن هذا لا يعني أنه غير حامل لدلالات عميقة و مشاعر و تناقضات خفية، غالبا ما تكون متوارية وراء أقنعة و تركيبات ظاهرة. و ليكون الختام مسكا سأعود لأختم بما بدأت و أقول عن فرويد: " إن الشعراء و الروائيين هم أعز حلفائنا، و ينبغي أن نقدر شهاداتهم أحسن تقدير، لأنهم يعرفون أشياء… لم تتمكن بعد حكمتنا المدرسية من الحلم بها، فهم في معرفة النفس معلمونا، نحن معشر العامة، لأنهم ينهلون من موارد لم نفلح بعد في تسهيل ورودها على العلم".
من إنجاز الطالبة الباحثة فاطمة الزهراء أبشي







