منتصر حمادة
"روح الدِّين.. من ضَيق العَلْمانية إلى سَعَة الائتمانية".. هو عنوان آخر أعمال طه عبد الرحمن (صدر عن المركز الثقافي العربي، بيروت ـ الدار البيضاء، ط 1، 2012، في حدود 526 صفحة)..
لقد عودنا هذا الفيلسوف المجدد أن نَظفر بالطريف في كل كتاب يَخطه وفي كل موضوع يَطرقه، وها هو في هذا الكتاب يأتينا بما كنا نظن أن العقل يُنكره، بل في معضلة لطالما شَغلت إنسان هذا الزمان، وحَيّرت العقول ولا تزال طبعا، ألا وهي "العلاقة بين الدين والسياسة"، حيث تحدى فيلسوفنا المُسلّمات المقررة والاعتقادات المرسخة، مقتحما عقبات العقل وحدود العلم، وجاءنا بمقاربة لهذه المشكلة ليست من جنس المقاربات المعهودة، لأنها لا تخاطب العقل المجرد في الإنسان، وإنما تخاطب عقله المؤيد بالروح، إذ تُقرّر برأيه الثاقب أن "الإنسان أشبه بالكائن الطائر منه بالكائن الزاحف".
ولما كانت مقاربة مفكرنا مؤسسة على مرجعية روحية غير مسبوقة لهذا الإشكال المحيِّر، كان ضروريا إذا أن يتعرض لمختلف الدعاوى التي تعلقت به، عَلمانية كانت أو دِيانية (مفردة "الديانية" أو "الديانيين" عند طه عبد الرحمن، تُقابل مفردة "الإسلاميين" المتداولة بكثرة عند الباحثين، في معرض الحديث "الحركات والأحزاب الإسلامية")، ناقدا من غير تشنيع، وأيضا بانيا من غير ترقيع، وبعد أن طاف بنا في عوالم الوجود الإنساني، مُنبها على اتساع آفاقها وتداخل حدودها، ليَخلُصَ إلى أن حلَّ هذا الإشكال الخفي ليس في وجود ضيق يفصل بين الدين والسياسة، ولا في وجود دونه ضيقا يصل بينهما، وإنما في تجاوزهما معا إلى فضاء وجودي غاية في السعة يتداخل فيه المرئي والغيبي (بيت القصيد) "تداخل اللُّحمة والسَّدَى" بتعبيره، فهنالك لا فصلَ ولا وَصلَ، وإنما وحدة أولى تتلاشى فيها الحدود بين التعبّد والتدبير (ويقصد بالتدبير هنا، العمل السياسي بشكل عام)، وواضح أن هذه الوحدة الروحية تجلت في ثمرة اللقاء الغيبي الذي عَرَض فيه الخالق عز وجل، على خلقه أجمعين، في يوم لا كالأيام، أمانته الثقيلة، فبادر الإنسان إلى حملها، متعهدا بالوفاء بحقوقها، إذ قضى الخالق في هذا اللقاء العظيم أن يكون التدبير أمانة، فصار بذلك عبادة، وأن تكون العبادة، هي الأخرى، أمانة، فصارت بذلك تدبيرا؛ لولا أنه ما لبِث الإنسان أن نَسِي عهده للخالق، سبحانه، ونَسِي حقيقة "الأمانة"، فَفَصَل ما كان موصولا، ووصَلَ ما لم يكن مفصولا، (ومن هنا العنوان الفرعي للكتاب: "من ضَيق العَلْمانية إلى سَعَة الائتمانية").
جاءت مقاربة طه عبد الرحمن في هذا العمل القيّم للعلاقة بين الدين والسياسة، مُتميزة عن المقاربات السابقة، وخاصة المقاربات الصادرة عن الفكرانيات (الإيديولوجيات) الإسلامية والعلمانية، وما أكثر أصنافها وأغزر الإنتاج فيها، في الشرق والغرب على حد سواء؛
مقاربة فيلسوف الأخلاق الأبرز في المجال التداولي الإسلامي، مُتميزة لاعتبارات عدة، أهمها أنها ليست مقاربة تاريخية ولا سياسية ولا اجتماعية ولا قانونية ولا فقهية ولا بالأحرى فكرانية (إيديولوجية)، وإنما قَصَدَ أن تكون مقاربة روحية أو بتعبير آخر، نطلع عليه في تقديم الكتاب، مقاربة ذِكرية غير نسيانية أو عمودية غير أفقية؛ من منطلق أن الروح، حسب اعتقاد صاحب "روح الدين"، لا تنسى ولا تقعُد، وإنما تذكُر وتعرُج، فأبى إلا أن يكون في مقاربته ذكرٌ لما نسيه "العَلماني" وعُروج إلى ما قعد عنه "الدِّياني" (أو الإسلامي الحركي، وإن كان المؤلف يشير في هامش صفحة 17، إلى أنه يستعمل هذا المفهوم "الدياني"، للدلالة على المعنى الذي يُضاد مدلول "العلماني").
توزعت أبواب العمل على بابين اثنين: وهكذا، جاء الباب الأول تحت عنوان: "ازدواج الوجود الإنساني ونهاية التسيد العلماني"، متضمنا خمسة فصول، كانت عناوينها كالتالي: "وجود الإنسان في عالمين اثنين لا في عالم واحد"؛ "العمل الديني وممارسة التشهيد؛ "العمل السياسي وممارسة التغييب"؛ "دعوى العلمانية وتضييق الوجود الإنساني"؛ وأخيرا، "العمل التزكوي ونهاية التسيد"؛
أما الباب الثاني فجاء تحت عنوان: "اتصال التعبد بالتدبير واتساع الوجود الائتماني"، متضمنا أربعة فصول: "دعوى الدِّيانية والتداخل بين الدين والسياسة"؛ "التماثل بين الدين والسياسة ومبدأ تحكيم الدين"؛ "التماثل بين الدين والسياسة ومبدأ تفقيه السياسة"؛ وأخيرا، الباب التاسع الذي حمل عنوان "دعوى الائتمانية وتوسيع الوجود الإنساني"؛ واختُتم العمل بمقالة جاءت تحت عنوان: "الوجود الائتماني حقيقة لا وهم"، وقد خصصها طه عبد الرحمان للرد على الاعتراض الذي يُحتمل أن يُورده العلماني والدِّياني على الدعوى الائتمانية (باعتبارها إحدى أهم الكنوز المعرفية في هذا العمل)، وما قد يُوجز مُجمل هذه الاعتراض لأهل الفكرانية العَلمانية والإسلامية، أن الدعوى الائتمانية "لا يطيقها العقل ولا يتسع لها الواقع"؛ لولا أن الخاتمة توضح بالمطرقة الاستدلالية الطاهائية كيف أن هذه الدعوى تستوفي شرائط "العقلانية" و"الواقعية"، غاية ووسيلة ونتيجة، بل أيضا كيف أن وفاءها بهذه الشرائط ــ جزئية هامة للغاية ــ يبقى أقوى من وفاء الدعوى العلمانية والديانية بها؛ وليس هذا وحسب، بل أقام طه عبد الرحمان الدليل على أن "العقلانية" تحتاج إلى "الائتمانية" في توسيع أُفُقها كما تحتاجها "الواقعية" في تجديد أَثَرها، وأنها تنزل منهما منزلة المصدر الذي يَمُدّها والمعيار الذي يضبطها.
بالعودة إلى أهم ثنايا أبواب وفصول الكتاب، فقد اختص الفصل الأول بإبطال المُسلمة التي تحصر الوجود الإنساني في عالم واحد، بيان الحاجة إلى الأخذ بمسلمة أخرى بديلة منها تجعل هذا الوجود يتسع لأكثر من عالم واحد، منها المرئي وغير المرئي (أو الغيبي)؛ قبل أن يتعرّض الفصل الثاني لقدرة الإنسان على أن يرى معاني العالم الغيبي في مباني العالم المرئي، متوسلا بفطرته الروحية؛ كما تعرض الفصل الثالث لقدرة الإنسان على أن ينقل إلى العالم المرئي كمالات العالم الغيبي، متوسلا بنزعته النفسية التي تجعله ينسب الأشياء إلى ذاته؛ أما الفصل الرابع، فقد بحثَ "الدعوى العَلمانية" التي تقول بالفصل بين الدين والسياسة، مستخرجا الافتراضات المتضمنة فيها والاستنتاجات المترتبة عليه، وموضحا كيف أن هذه المفترضات والنتائج تُفضي إلى تضييق الفضاء الوجودي للإنسان، فضلا عن تجزئة هذا الوجود المضيّق إلى دوائر متضادة تُوهم الإنسان بأنه سيّد نفسه؛
بالنسبة للفصل الخامس، فقد وقف طه عبد الرحمان في ثناياه عند أوصاف هذا التسيّد، متمثلا في استغناء الإنسان بتدبيره عن تدبير خالقه، واختياره أن يتعبَّدَ لذاته بَدَل التعبد لربه؛ كما وقف عند خصائص وفوائد التزكية الروحية في دفع مساوئ التسيد على الخَلق، إذ تُخرج من التوسل بقوة السلطان إلى التوسل بقوة الوجدان، ومن ضَيْق التعبد للخلق إلى سعة التعبّد للحق، مفجِّرة طاقات الإبداع في المجتمع، ومُطلقة قدراته على تجديد تدبيره لشؤونه، مرئية كانت أو غيبية.







