أجيال بريس
نجا السيخ الفيزازي وأسرته بأعجوبة من الموت المحقق ليلة السبت 12 نونبر 2011 خلال تعرضه لحادثة سير خطيرة على الطريق السيار، بعد اصطدام سيارته بقطيع من البقر كان يجتاز وسط الطريق، وهو ما دعاه إلى التفكير في رفع دعوى قضائية ضد شركة الطرق السيارة بالمغرب بسبب ما لحقه من أضرار جسيمة ، وما هذا الحادث الخطير الذي تعرض له الشيخ الفاضل أطال الله في عمره وحفظه في أهله ، إلا نموذجا للحوادث التي يتعرض لها مستعملو الطريق السيار بالمغرب ، والتي تمر في صمت رغم ما تخلفه من ضحايا في الأرواح وخسائر في المعدات، دون أن تتحمل الشركة المعنية أية مسؤولية فيما يحصل، بل يلصق الخطأ على الدوام بسائق السيارة أو العربة. ولم يسجل قط قيام المسؤولين بإخضاع ظاهرة الحوادث المسجلة في الطرق السيارة لأي تقييم موضوعي من أجل تحديد المسؤولية وتبرئة المواطنين وعدم تحميل الضحايا وحدهم عبء المسؤولية عما يوصف غيابيا (بالتهور أو السرعة المفرطة ، أو النوم المباغت …)؟ وللتذكير فقد تعرض الفنان المغربي (ه .ب) لحادث مماثل في وقت سابق ، وقرر بدوره تحريك دعوى قضائية ضد هذه المؤسسة التي تضع مستعملي الطريق فوق كف عفريت. ترى عدد الضحايا الذين يمكنههم التحرك في هذا الاتجاه ؟
والذي يتضح من خلال سجل الحوادث التي تقع على صعيد هذا المرفق العام(والخصوصي)، هو أن الشركة لا تعبأ بسلامة المواطنين من الأخطار التي تظل تتهددهم عند كل نقطة بسبب عدم احترام المعايير الدولية المعمول بها في تدبير هذا القطاع، ففضلا عن العيوب التقنية التي تشكو منها العديد من المقاطع الطرقية، يشكو الطريق السيار بالمغرب من غياب التجهيزات الكافية وشروط الوقاية من الأخطار، ويتمثل ذلك في نصب الحواجز الهشة التي تنعدم فيها المواصفات، وانعدام الحراسة الأمنية، ووسائل الإنقاذ، والمراكز الصحية القريبة .. ثم كذلك ضيق الطريق وعدم وجود منطقة عازلة بين اتجاهي الذهاب والإياب كما كان معمولا به خلال التجربة الأولى للطريق السيار بالمغرب ، حيث تم اللجوء في السنوات الأخيرة إلى الاقتصاد المفرط في المساحة ، وذلك بإنشاء نموذج مصغر تحت ذريعة وعورة التضاريس ، وغلاء التكلفة، حيث لا يتعدى أن يكون شكلا من أشكال الطرق الوطنية المزدوجة ، كما أن هذا النموذج الذي يعتمد فيه على وضع حواجز إسمنتية بين الاتجاهين، غالبا ما يكون سببا في وقوع الحوادث بسب عدم وضوح الرؤية ، وتماس الاتجاهين ثم التشويش الذي يحدثه ظل الحواجز الحديدية المثبتة على جنبات الطريق..
ففي رسالة جوابية من المدير العام لشركة الطرق السيارة بالمغرب على أحد المواطنين إثر تقدمه بشكوى ضد تواجد الكلاب والحيوانات وسط الطريق في المقطع الطرقي ( طنجة واد الرمل) ، أوضح سيادته ، أن الشركة لديها عدة إكراهات في الوسائل ، ولا يمكن بأي حال ضمان عدم عبور أي حيوان داخل الطريق السيار، كذلك لا يمكنها إخلاؤه في الدقائق التالية لعبوره …. وقد اعتبر أن هذا الإجراء يتخذ بكيفية عادية من طرف الشرطة ، ولهذا فإن مسؤوليتها القانونية غير ثابتة، لأن عبور أي حيوان يعتبر خطرا غير متوقع ، وبالتالي فإن عبور الحيوان لا يعتبر تقصيرا في الصيانة . ومن الوجهة القانونية فإن المسؤولية القانونية لعبور أي حيوان في الطريق السيار يتحملها صاحب الحيوان.. " وتختتم الرسالة بتوجيه الشكر إلى المشتكي بفضل حرصه على تحقيق شروط السلامة ، كما تلتزم الشركة أنها ستعمل على توفير الوسائل الكافية لتأمين المراقبة الدائمة في دورات 24/24 ساعة 7/7 أيام مع إقامة الحواجز الواقية وصيانتها للحيلولة دون تسرب قطعان الحيوان وكذلك جمع الحيوان في المحجز.."
ما من شك أن المتفحص لهذه الرسالة الهامة والذكية ، سيصاب بالصدمة بسبب ما تنطوي عليه من تناقضات، مسؤولية / ولا مسؤلية ، طريق مؤمن / وغير مؤمن، توفر معاير الجودة / غياب المعايير، السلامة / وغياب السلامة … ومن خلال تتبعنا لهذا الملف وما يثار حولة من نقاش ، يمكن نقل عدد من الملاحظات والهواجس التي تؤرق الرأي العام وتشغله .
– تركيز الشركة على محطات الأداء دون الاهتمام بالجوانب الأخرى المتعلقة بالصيانة الشاملة وضمان شروط السلامة من الأخطار، علما أن الطريق السيار يشهد باستمرار حالات وفيات عديدة بفعل عوامل تظل مجهولة، ومنها تواجد الحيوان في عرض الطريق، أو الحفر ، .. والمؤسف أن الناس يموتون دون أن يرووا قصتهم من أجل التعرف على الحقيقة.
– إن النسخة الجديدة للطريق السيار بالمغرب لا تكاد تختلف عن الطريق الوطني (المزدوج ) إلا بمحطات الأداء لا غير ، سواء على مستوى عرض الطريق ، أو نوعية القارعة التي تعاني من الكثير من الاختلالات. علما أن هذا النوع من الطرق في أروبا بأنفاقها وسياجاتها الكاملة والآمنة لا يؤدى عنها .. وهي تعد من الطرق الوطنية .
– إن الحواجز المعتمدة -إن وجدت – هي مجرد حواجز بدائية مكونة من أسلاك صدئة ، على علو جد متدن ، كما أن معظم الحواجز غير مكتملة أو أنها مهشمة بسبب الانجراف أو الاختراقات كما لا تخضع للصيانة، وهي في المجمل تفتقر إلى المعايير المعتمدة في الطرق السيارة في الدول التي تعطي أهمية حقيقية للطرق ، حيث تتوفر على شبكة معدنية على علو مترين ..
– "عدم العمل بالمعايير الدولية في عملية التزفيت وعدم مراقبة توزان الطريق، لأن الاختلالات كبيرة، منها الميلان الزائد لمستوى القارعة ما يخلق مشاكل كبيرة للعربات والسيارات لانعدام التوازن أثناء السير، وهو الأمر الذي يجعل السائق يخفف من السرعة المسموح بها قانونيا".
وانطلاقا من هذه الملاحظات يمكن التساؤل عن "مدى مطابقة مواصفات الطريق السيار للمقاييس العالمية، ذلك أنه ومباشرة بعد تدشين عدد من المقاطع والأجزاء الحديثة حتى تظهر العديد من الشقوق والعيوب على القارعة وهو ما يعكس إخلال بعض الشركات التي أنجزت المشروع بالشروط المتفق عليها في كناش التحملات". إنه واقع يتأكد من خلال شكاوى مستعملي الطرق السيارة ، معتبرين أن هذه العيوب كثيرا ما تتسبب في حوادث سير مميتة".
والمثير للانتباه، هو أنه بالرغم من هذه المآسي يظل موقف الوزارة الوصية ، هو التشبث بمنطق الدفاع عن المصداقية الموهومة ومخططات الجودة ، وشفافية الأوراش ، وبرامج الصيانة ، وشروط السلامة ، واحترام دفاتر التحملات، والمراقبة القبلية والبعدية … فلا شيئ في نظر الوزارة يخدش الصورة الوردية لهذه الطرق التي تقتل وتزهق الأرواح ، والكل يستحضر حالة اللاأمن الي يعرفها الطريق في كثير من المحاور (الموحشه) بسبب الهجمات التي يتعرض لها المسافرون على يد قطاع الطرق، والعصابات التي تقوم بنصب الحواجز والأفخاخ ، أو رجم السيارت بالحجارة ليلا من أجل تعريضها للحوادث وتنفيذ عمليات السطو والاعتداء والسرقة .. كل ذلك يتم بسبب عدم توفر التغطية الأمنية على امتداد كل الطرق السيارة.
فهل بادرت الجهات المسؤولة للتحقيق في هذه الجرائم، وتتبع حالة الضحايا وتعويضهم عن الخسائر التي تعرضوا لها وسط طريق مؤمن ؟ وهل في مقدور هذه الجهات أن تخبر مستعملي الطريق السيار بحقوقهم المصانة بموجب تذكيرة الأداء التي يحصلون عليها ؟ ألا تضمن هذه الوثيقة حدا معينا من التأمين الذي يصون الحق في التعويض على الضرر الحاصل في ضيافة هذا المرفق المخوصص؟ فهذه الأسئلة لن يتم العثور على أجوبتها لدى هذه المؤسسة التي تفضل أن تضع على أذنيها وقرا وعلى أبصارها نظارات واقية تعكس الرؤية وتقلب الحقائق..
المكتب المركزي لرابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين







