بقلم: وداد لصفر
من خلال فيديو ل"كيفاش" يتداوله الكثيرون على الفايسبوك هذه الأيام، استطاع "الجن" ورفاقه قول ما لم نستطع نحن المتعلمين (يا حسرة) قوله، نعم لقد تحول أربعة أطفال بعمر الزهور وغيرهم كثير، إلى شمكارة "مدمنين" دون أن يدركوا متى ، لماذا أو كيف ، ، ظهر أربعة صبية يتحدثون عن مغامراتهم مع الشماكرية الذين يسرقون مالهم فقط لأنهم أكبر منهم سنا، صبية لم يزوروا المدارس على الأرجح، لكنهم يتحدثون بطلاقة عن المجتمع الذي لا يلتفت إليهم، عن المستقبل الذي لا يعرفون له سبيلا، وعن الجمعيات التي لا تقدم لهم شيئا.. ولأنهم شمكارة فهم يفهمون السياسة من خلال عالمهم وواقعهم، فوصفوا بنكيران على أنه رئيس البوليس أو وزيره، لأن بنكيران الله يجازيه بخير يتذكر هؤلاء الأطفال من الحين إلى الآخر فيبعث لهم السطافيطات لتلمهم وتكدسهم في السيلون لتخرجهم بعد ذلك إلى إصلاحيات رحم الله من لم يطأها، أو إلى جمعيات لا حول ولا قوة لها، أو لترجعهم إلى الشارع وإلى كراطينهم المتسخة يتوسدونها إلى أن تفاجئهم غارة بوليسية أخرى. بنكيران لم ينس هذه الفئة، فبالإضافة إلى البوليس، فقد عين لهم وزيرة وصية عليهم، وهي بدورها الله يجازيها بخير، تعمل كل ما في جهدها، لا لتخرج هذه الفئة من الضياع والمخدرات، ولا من أجل أن تحميهم من الشارع الذي لا يرحم، ولا لكي تعلمهم وتؤهلهم. لكن معالي الوزيرة تعمل ليل نهار، كي تجد مبررا لكسل وزارتها وقلة حيلتها، وبئس المبرر الذي قدمته أمام ملايين المشاهدين على قناة الجزيرة عندما أرجعت مباريات كرة القدم هي السبب الأول في تشرد الأطفال وعدم قدرة وزارتها على استيعابهم…..
لقد تحدث الجن وأصدقاؤه وبكت من أجلهم عيون الكثيرين من بني وطنهم الذين لا تزال في قلوبهم لمحة رحمة وفي ضمائرهم ومضة يقظة، لقد تحسر الكثيرون على حال هؤلاء الصبية الذين لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا في المكان والزمان الخطأين، لكن شعوري أنا شخصيا تجاههم كان أكبر من الشفقة والحسرة، فانا أحسست أمام هؤلاء الصغار الشماكرية بالدهشة والحيرة.
فأما الدهشة فسببها مقارنة بسيطة بين هذا الطفل المدمن الشمكار ذو المحيا الجميل والكلمات الرنانة وبين وزرائنا المثقفين "الواعين". كيف للجن الذي غالبا لم تطأ قدماه يوما المدارس، أن يملك هذه الجرأة والفصاحة التي لا يملكها وزراؤنا المتعلمون الفاهمون الدارسون المسيسون؟ فقد تحدث الجن بكل طلاقة وفصاحة، وعبر عن معاناته مع المجتمع الذي لا يرحم، تحدث عن حقه في العيش الكريم كأي مواطن يدرس، يعمل، يتزوج ويكون أسرة، تحدث عن حقه في الحياة والأمن والاستقرار، عن المجتمع الذي ليس له مكان به، وعن حقه في الصحة التي يخونها بتعاطي كل أنواع المخدرات فتخونه بمنحه جسدا نحيلا ضعيفا. لقد اختصر الجن معاناته وأصدقاؤه وطالب بحقه في مستقبل كأي فرد من أفراد هذه الأمة. بالله عليكم، ألا يستحي وزراؤنا أمام هذه الطلاقة والصراحة والوضوح؟ لقد كان طفل أمي شمكار أكثر فصاحة وأكثر صراحة من وزرائنا الذين يخرجون كل يوم ليتحدثوا عن الأشباح والتماسيح والعوامل البشرية وعن أوباما وباباه، وكأنهم خرجوا توا من مقهى للحشاشين، من حلقة مخيفة للرسوم المتحركة أو من ناشيونال جيوغرافي.
وأما الحيرة التي تركها الجن لدي، فسببها تساؤل يؤرقني منذ أن شاهدت الفيديو؛ ماذا لو كان بنكيران هو من يحاور هؤلاء الأطفال المشردين، بم كان سيجيبهم يا ترى؟ هل كان سيخبرهم عن الموز أو البنان الذي لا يزال ثمنه سبع دراهم؟ أو ربما سيخبرهم أن العام زين وأن حقوق الإنسان بالمغرب بخير وعلى خير، أو ربما كان ليحكي لهم قصة قبل النوم عن الأشباح والتماسيح. أو ربما كان ليقول لهم؛ انتظروا، ولا تحكموا على تجربتي في أولها. انتظروا يا صغاري، افترشوا كراتينكم وناموا، اتخذوا من سماء الله الواسعة غطاء لكم، توسدوا أيديكم الجامدة، واقتاتوا على الحشيش والديليو والسيراج، وإياكم ثم إياكم أن تموتوا قبل أن أنهي التجربة، إياكم أن تقتلوا على يد سفاح مجنون في الكرة الأرضية،إياكم أن تغتصبوا في شارع مظلم ككلاب ضالة. وإن ركلكم مخزني سادي وضربكم على قفاكم، وإن طعنكم أحدهم بسكين أو قارورة خمر، وإن أنزل أحدهم سراويلكم عنوة ليستبيح عرضكم، لا تيأسوا وانظروا إلى المستقبل الذي لا تملكونه وليكن شعاركم؛ عفا الله عما سلف.







