بواسطة/محمد السنوتي
الماركسية هي ممارسة سياسية ونظرية اجتماعية مبنية على اعمال كارل ماركس الفكرية وهو فيلسوف من اصول المانية من القرن التاسع عشر عالم اقتصاد ، صحفي وثوري ، شاركه رفيقه فريدرك انجلز في وضع الاسس واللبنات الاولى للنظرية ومن بعدهم بدأ المفكرون الماركسيون في الاضافة وتطوير وتطوير النظرية بالاستناد الى الاسس التي ارسى دعائمها ماركس .
وجاء من بعد ماركس العديد من المفكرين والمناضلين عاشو حياتهم كاملة وبعضهم مات واستشهد من اجل تطوير وتقديم نظرية قادرة على تطوير العالم نحو الافضل ، وبناء الغد الشيوعي الاشتراكي الذي ينتهي فيه استغلال الانسان للانسان … انها مرشد عمل بوصلة لتحديد الاتجاه في الممارسة .
الماركسية هي القوانين الطبيعية التي تتحكم في حركة المجتمع منذ نشوء اول مجتمع انساني ، وفي مختلف مراحل تطور المجتمعات البشرية وستبقى طالما وجدت مجتمعات بشرية على الارض .
ان الماركسية نظرة علمية للعالم ، وهي النظرية العلمية الوحيدة التي تتفق مع العلوم الاخرى التي تخبرنا ان الكون حقيقة مادية ، وان الانسان ليس غريبا على هذه الحقيقة وانه يمكن معرفتها ومن ثم تغييرها .
لماذا نحتاج النظرية الماركسية ؟
يمكننا ايجاد ساباب دراستنا للنظرية الماركسية ، في تفسير وتحليل ما يحدث حولنا من ظواهر واحداث وذلك يشمل الاحداث السياسية والاقتصادية التي تطرأ على المجتمعات معتمدين على الاسلوب العلمي والتحليلي .
فمثلا يمكننا فهمنا للنظرية في تحليل اسباب الحرب على العراق اليوم … صمود التيار الاسلامي في معظم الدول العربية ، والعمليات الارهابية التي هزت عالمنا العربي في الشهور والاعوام الماضية ..
الاسباب الحقيقية لتخلف المجتمعات العربية وعدم القدرة على الانفلات في هيمنة الدول الكبرى كما تعطينا افقا للتعامل مع القضية الفلسطينية والصراع مع الحركة الصهيونية والموقف الامريكي منها .
كما تمكننا من معرفة مدى استغلال اصحاب المصانع والاراضي والشركات للعامل والفلاح والمواطن البسيط الذي لا يجد في اغلب الاحيان في واقعنا العربي غير الاذعان والخضوع للواقع المفروض عليه بحجج مختلفة ، تبدأ بجهله اصلا بالاستغلال الذي يقع فيه ، وتنتهي بعجزه او عدم قدرته على مخالفة ما كتب عليه .
2- مدخل في المادية الجدلية :
ترتكز الماركسية كمنظومة فكرية ونظرية ثورية وايديولوجية الطبقة العاملة في صداعها مع البرجوازية الى ثلاثة ركائز اساسية :
1- المادية الجدلية 2- المادية التاريخية 3 – الاقتصاد السياسي
بتناولنا للمادية الجدلية ، نستطيع القول انها قوانين ومبادىء ومقولات تعمل في جانبين جانب المعرفة العلمية (العلوم المختلفة) ، والجانب الاخر هو الحركة المجتمعية وتطور المجتمع تبعا لهذه القوانين اي انها تطبق في العلوم المعرفية وعلم الاجتماع الى حد سواء .
وربما جرى بنا قبل الخوض في هذه القوانين والمقالات والنتائج ان نسعى الى مقدمة في المنهج العلمي ، تعريفه ،مميزاته ، وهو المنهج المقابل للمنهج المثالي الذي يعتمد على الغيبيات والروحانيات وما وراء الطبيعة ، في تفسير حركة المجتمع وظواهره ، وقوله باسبقية الوعي الوجود ، وهي في صراع دائم مع المنهج المادي منذ بدايات الفكر الانساني .
في تعريف المنهج : المنهج هو الدرب ، الطريقة ، الولادة التي تنتج بيضا ، البذرة التي تنتج سنابلا .. سنابل نظرية وابداعية في الحقول المعرفية كافة ، اقتصاد واجتماع وادب وفن … الخ ، وهي ايضا الوسيلة التي تستخدم لقراءة وتفسير العمليات والظواهر … وان كانت الفلسفة ومنهجها ثوريان فحينها يسعيان لتغيير التاريخ وحياة المجتمع ايضا … اذن منهجنا العلمي هو منهج الحقيقة والمعرفة العلمية والمرتكزة على اسس واضحة وصلبة ، وهو طريقنا واداتنا للتغيير والانتصار …
قوانين الديالكتيك الاساسية :
ما هو القانون ؟؟؟
القانون : هو علاقة ضرورية اصيلة بين الظواهر والصفات والتناقضات ، وطالما هي موجودة (العلاقة ) فهو موجود ، يحضر في الظواهر والاشياء ، ومكون بنيوي في طبيعتها ، اي انه ليس مختلفا او مسقطا او وهما ، بل هو صميمها ، وادراكه عقليا انما هو انعكاس ذاتي لوجوده الموضوعي بل وعدم ادراكه يحول دون تكوين معرفة صحيحة علمية ..
وهناك ثلاث مجموعات من القوانين :
1- نوعي او جزئي : وهي علاقات بين ظواهر محددة او صفات جزئية للمادة
2- علمي : للمجموعات الكبيرة من الظواهر ( مثل قوانين حفظ الطاقة او الشحنة الكهربائية في علم الطبيعة ، ومثل قانون الانتخاب الطبيعي في علم الاحياء … الخ )
3- كلي : وتمثل القوانين الجدلية الاساسية للعالم ، والقوانين التي تعبر عن العلاقات بين الصفات والاتجاهات الكلية لتطور المادة ، وهي تقوم بدور المبادىء الكلية لكل وجود ، باعتبارها العناصر المشتركة التي تتبدى في كثير من قوانين المجموعتين الاولى والثانية .
الفروق بين هذه القوانين فروق نسبية ومتحركة … فحركة القوانين العامة تظهر في القوانين الجزئية المحددة ،كما ان القوانين العامة تدرك خلال تعميم الظواهر المتعينة ، بما في ذلك القوانين المحددة … وهناك فرق اخر بين القوانين هو ان بعضها يعمل بطريقة مغايرة في الزمن ، بحيث يتحقق صدور النتائج في كل منها خلال برهة قصيرة من الوقت ، بينما يعمل بعضها الاخر بطريقة متعاملة ، اي نتائجها لا تتحقق في كل لحظة معينة ، وانما تتحقق فقط على طول فترة زمنية كبيرة او عندما يتغير النسق تغييرا كاملا .
قوانين الديالكتيك الاساسية هي ثلاث قوانين :
1- قانون الانتقال من التواكمات الكمية الى التبدلات النوعية
2- قانون وحدة وصراع الاضداد او المتناقضات
3- قانون نفي النفي او سلب السلب
1) قانون وحدة وصراع الاضداد : يخبرنا هذا القانون بان كل ظاهرة تحمل في داخلها " دائما " بذور فنائها او بلغة ابسط " نقيضها " ويعتبر هذا القانون اساس الحركة والتغير .
سبق وقلنا تعمل قوانين الديالكتيك في الطبيعة والمجتمع وتطوره … ولذلك سندلل من الطبيعة وفي المجتمع الادلة التالية :
مثال : الذرة كما درسناها في العلوم تتكون من بروتونات ونيوترونات والكترونات ، شحنة البروتونات موجبة دائما وشحنة النيوترونات متعادلا دائما " لا سالبة ولا وموجبة " اما الالكترونات فشحنتها سالبة دائما … هنا ما يعنيه قانون وحدة وصراع الاضداد ..
ان هذه البروتونات الموجبة والالكترونات السالبة تعيش في وحدة واحدة رغم تناقض هذه الشحنات وتنافرها المشبه ب "صراع" بين مكونات الذرة … الامر الذي يسبب الحركة الدائمة للذرات بفعل التافر ودوران الالكترونات في مجالاتها – كما هو معروف – وبالتالي حركة المادة … لذلك المادة ليست ساكنة ..
مثال اخر من المجتمع:مثال الطبقة العاملة المنظمة ورأس المال(اصحاب الاستثمارات والمصانع والعمل ورؤوس الاموال).كأنظمة الحكم الرأسمالية ونقابات في تضاد وصراع ,يحتويهما المجتمع في وحدة واحدة,لكن هذا التضاد موجود,وهنالك صراع دائم بين رأس المال الذي يريد زيادة ثروتهعلى حساب جهد العامل,وبين هذه الطبقة العملة التي تعرف حقوقها وتناضل من أجلها.
ومثال اخر:كل استعمار الشعب يقابله حركة مقاومة وحركة تحرير وطني,فمثلا,فإن حركة التحرير الفلسطيني ودولة المشروع الصهيوني هما تجسيد ساطع لقانون وحدة وصراع الاضداد..
فخصائص واهداف كل منها تناقض الاخرى الى حد التنافر,مثلما أن لدى كل منها تناقضاته الداخلية الطبقية والفكرية والسياسية..إذ يتعذر تصور مشروع صهيوني كولونيالي اجلائي دون حركة تحرر فلسطينية تسعى للعودة والاستقلال.
زأيضا :المجتمع اليهودي ذاته يحمل تناقضاته الخاصة به(العلمانيين-المتدينين-الفقراء ورأسالمال-الروس–الخيار الحربي-خيار السلام).
كما المجتمع الفلسطيني🙁اليمين-اليسار-الاسلاميين-النخب العليا-الطبقات الشعبية-اوسلو-ودعاة الكيان-اللاجئون وسعيهم للعودة-خيار السلام).
هذه التناقضات الداخلية في المجتمع يصعب تصورها تعيش في حالة انسجام,اذ انها دائما في حركة صراع وتضاد ما بين اليمين واليسار..الطبقات المسحوقة والاغنياء.وهذه الحركة اساس تطور المجتمعات.
إن التطور يأخذ الشكل الحلزوني اللولبي للأعلى,اذ إن حركات التطور تسير دائما للأمام,لكنها في لحظة معينة يكون إتجاهها للاسفل,لكنها تعود وتأخذ موقع اعلى في عجلة التطور وهذا ما يفسر الانعكاسات التي قد تمر بها المجتمعات في لحظات تاريخية معينة,ولكنها تعود وتأخذ حركتها نحو الاعلى ونحو التطور الايجابي,وهذا يفسر الانتكاسة التي تمر على المجتمعات الانسانية التي تتحكم بها الان الرأسمالية,لكننا نؤمن بأن هذه المجتمعات ستتطور وستنتقل للمرحلة الاشتراكية.
اشكال التناقض:
وعليه فالأضداد يجمعها التناقض كما الوحدة,وللتناقض وتائر متفاوتة,فهو قد يتجلى في:
1-شكل تناحري:الطبقة العاملة المنظمة ورأسالمال..الحركة الصهيونية والمقاومة الفلسطينية..التيارات الرجعية والتيار التقدمي..الصلابة والغازية…التصحر والغابات…الحب والكراهية..البناء والهدم..الفاشية والديموقراطية…الرأسمالية والاشتراكية…إلخ.
2-غير تناحري بدرجاته:مثل البروتون والنيوترون ..البرجوازية الصغيرة والعمال..فصل الصيف وفصل الخريف..تعدد الاراء والاجتهادات في الفكر الواحد..الاباء والابناء..الخ.
3-التراكمات الكمية تؤدي الى تغيرات نوعية(كيفية):
هو أحد القوانين الرئيسة للجدل,يشرح كيف وفي أية ظروف تحدث الحركة والتطور,وهذا القانون الموضوعي الكلي للتطور يقرر أن تراكم التغيرات الكمية التدريجية التي لا تدرك يؤدي بالضرورة في لحظة معينة,بالنسبة لكل عملية,الى تغيرات جذرية للكيف,والى تحول على شكل قفزات,من كيف قديم الى كيف جديد.
مثال:إن درجة غليان الماء هي 100س ,ومن بعدها يتحول الماء السائل الى الحالة الغازية متمثلة في بخار الماء..بمعنى,أننا عندما نبدأ بتسخين درجة حرارة الماء,ستبدأ الحرارة بالارتفاع تدريجيا من درجة حرارة الماء الطبيعية (23مثلا)الى 100(حرارة الغليان) ولا تصل ل 100 مباشرة بقفزة واحدة…
الارتفاع التدريجي بدرجات حرارة الماء هو تغير(كمي)وعندما تصل درجة حرارة الماء 100 مئوية يبدأ الماء بالتبخر والتحول (الكيفي او النوعي)في خصائص الماء,من حالة سائلة الى حالة غازية.
في حركة المجتمع:يكون التغيرالنوعي على شكلين اساسيين..
الشكل الاول:هو التطور الطبيعي للمجتمع بدون تدخل عوامل خارجية,بعد ان يكون التراكم الكمي قد وصل ذروته وتبدأ عملية التطور النوعي.
اما الشكل الثاني:وهو تدخل عوامل خارجية في عملية التراكم والتطور,وهي عملية تسريع للتراكم الذي سيصل بدوره أيضا لذروته,منشئا الظاهرة الجديدة على القديمة.
يظاتي في هذا السياق هنا موضوع استسي يهمنا كماركسيين في موضوعة الثورة والتغير النوعي عندما يص التراكم الكمي في التناقضات التناحرية بين علاقات الانتاج الموجودة والقوى الانتاجية الى حدها الاقصى,وتحولها الثوري النوعي التي تفرضه على المجتمع.
مثال؟بالرجوع ال الثورة الفرنسية الكبرى(البرجوازية)التي أقرت فيهما الحريات وخرج الحكم من يد الكمية المطلقة,نجد أن التراكم الكمي للتناقضات التناحرية بين الاقطاعيين من جهة وبين عامة الشعب المستعبدة في اراضي الاقطاعيين,وعوامل القهر والظلم ومحاكم التفتيش الدينية,وصراعات الاقطاعيين وحروبهم,والجوع والبطالة,كلها عوامل ادى تراكمها الى غليان الشعب والدفع بثورته الى حدها الاقصى,قالبة موازين العالم..إذ تعتبر الثورة الفرنسية جزء هام ورئيسي من مفاصل التغيير من مرحلة الاقطاع واكميات المستبدة الى مرحلة الرأس مالية والدولة القومية,ومن ثم الحديثة,وكذلك الحريات الفردية في الفكر الرأسمالي.
وهنا,نحن نراهن على هذه التراكمات الكمية في تناقضات علاقات الانتاج التي ستؤدي الى التغير النوعي,من المجتمع الرأسمالي الى المجتمع الاشتراكي.
وما الثوري,والحزب الطليعي,ونضاله,الا عامل مهم وضروري في هذا التغير.
نأتي بمثال اخر,مر بنا خلال الايام الماضية:
وهو ما حدث في العالم الاسلامي من تظاهرات واحتجاجات ضد الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها احدى الصحف الدنماركية..كتحليل أولي-قد يشوبه بعض النقص والدقة لحداثة الظاهرة- -(ظاهرة غليان الشارع العربي)وحملات مقاطعة والاحتجاجات الشعبية الزخمة..
في الحقيقة,لم تكن الظاهرة مفاجأة,أو انه جاء نتيجة للصور بشكل مطلق..بل هي نتاج(تراكم)عدة عوامل(فلسطين العراق,سوريا,غوانتنامو,محور الشر,الحرب على الارهاب-وصورة المسلم الارهابي-)كل ذلك ساهم في تأجيج مشاعر الغضب,ومع الاستفادة من العوامل السياسية التي رافقت الحدث,قلبت هذا التراكم الكمي في عوامل الغضب والشعور بالاضطهاد والظلم من قبل الدول الكبرى(الغربية)الى تغيير (كيفي).(التظاهرات وحرق السفارات وحملات المقاطعة تحديدا,والتي لم تشهد له مثيل بنفس الدرجة من الاصرار والتوحد في موقف واحد).
وخاطئ بأن الموقف هما سببه الوحيد هو نشر الصور,هو كان(كالشعرة التي قضمت ظهر البعير)فقط لا غير.
ربما الن يأتي دور مثال مهم في القضية الفلسطينية:
الانتفاضة,كما هو معروف بدأت زيارة رئيس المعارضة حينها-شارون-للمسجد الاقصى بالقدس,هنا,نجد نجد أن كثيرا من الناس يعتقدون ان هذا هو السبب في انتفاضة الشعب الفلسطيني آنذاك,هذا خطأ أيضا,ومن يقول بذلك يعتمد مرة اخرى على تفسير عاطفي لا معنى له,وفاقد لأي تحليل علمي..
عاشت الاراضي الفلسطينية منذ اندلاع الانتفاضة سنوات الحكم الذاتي لفترة اقتربت من العشر سنوات,اكتشف المواطن الفلسطيني البسيط وهم العملية السلمية التي عقدتها القيادة المنفذة بمنظمة التحرير مع الكيان الصهيوني,تراجع الوضع الاقتصادي,نهب اموال الشعب على أيدي سلطة الحكم الذاتي,اغلاق المعابر لاسابيع وشهور الذي منع مئات الالاف من العمال من مزاولة اعمالهم داخل الخط الاخضر..بإختصار عانى الفلسطينيون من احباط تام بعد أن اكتشفوا أن كل الوعود المريبة بإنتعاش الاقتصاد والدولة الفلسطينية والاستقلال قد بات كذبة.
هنا جاءت زيارة شارون للمسجد الاقصى نقطة التحول الكيفي في الصراع,مثلها مثل الدرجة100 عند تحول الماء من سائل الى غاز..ومثلها مثل الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 التي كانت أعقاب حرب فاشلة بين فرنسا وبريطانيا عام 1788,سبقها تراكم كمي كما اسلفنا بموسم حصاد سيء,وبطالة متفاقمة,واسعار عالية,وخاصة اسعرا الخبز,واجور منخفضة,وانفاق باذج من ناحية اخرى في القطاعات في القطاعات العسكرية والبلاط الملكي للويس السادس عشر..وأيضا أمثلة نقاط التحول العيني مع الأخذ بعين الاعتبار اغلتراكمات الكمية في سياقها التاريخي:كوموفة باريس الشهيرة,مترافقة مع إخفاق العسكرية الفرنسية في حربها مع بروسيا عامي1870-1871 ,وصراعات الحركة العمالية مع رأسالمال,الثورة البلشفية عام 1917,واستبداد النظام القيصري مثلها مثل انطلاق اليسار الثوري الفلسطيني وتحوله من حركة القوميين العرب الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كنتيجة مباشرة لهزيمة الانظمة القومية في حربها ضد الكيان الصهيوني.
المهم تشخيص التناقضات التي تؤدي التي تؤدي الى للتحولات,وقراءة ملموسة ومستوى التحولات..فلا يعني أن يخطئ المرء خطأ صغيرا فيصاد لتشخيصه بأنه مجرم ومرذول,أو أن يفشل طالب مجتهد في إمتحان فيصبح غليظ الدماغ وكسول..أو أن يخسر الحساب الاقتصادي لمشروع كدليل على أنه لا يلائم السوق وأن ادارته فاشلة تماما..او أن حركية ثورية أخفقت في موقف بأنها أصبحت رجعية وقد تجاوزها التاريخ..الخ واكبر تحد هو قراءة ملموسية ودرجة التحول.
وأخيرا:علينا فهم أن الثوري والانسان حامل الفكر الماركسي هو مؤمن بهذة الجدلية,ويدرك حركة الواقع على انها تجمع بالضرورة بين التحولات الكمية والتحولات الكيفية فيوجد بينهما في نشاطه العملي النضالي ، وهو الوحيد الذي يدرك انه يجب النضال للحصول على التضوط النوعي ، وانه يجب القيام بهذا النضال لانه يعلم ان الثورة متصلة بالتطور ، وهنا بيت القصيد ..
ثالثا : قانون نفي النفي
ان جوهر التطور – كما ذكرنا – نابع من قانون وحدة وصراع الاضداد … ان التطور هو صراع الاضداد بينما مضمون القانون الثاني حيث ان صراع الاضداد وهي في حالة الوحدة يؤدي لتغيرات كمية مع استمرار الحالة المهيمنة طالما الى ان تتراكم هذه التغيرات الكمية لتبلغ حد المعيار اللازم لحدوث التغير النوعي ، وان هذا التغير النوعي الناجم عن بلوغ التغيرات الكمية المتراكمة لحد المعيار يحدث على شكل طفرة مفاجئة ، لكن ما لم يتوضح معنا حتى الان هو كيف يكون شكل النتيجة ؟ اي كيف يكون شكل الظاهرة او المادة بعد حدوث التغير النوعي … كيف يتحدد هذا الشكل ؟
ان التطور كحركة ليس حركة صاعدة رأسيا بشكل خطي هذا يجعل قراءة النماذج التطورية مسألة معقدة ، وهو تماما ما كان يجعل القدرة على قراءة التطور نفسه مسألة غير ممكنة ، لان هذا التطور لا يأخذ شكل الحتميات المتسلسلة البسيطة بل المعقدة التركيب … فانجاز كل خطوة نحو الامام يتخلله احيانا كثيرة جزئية معاكسة لا تجعل النمط المدروس قابل للخضوع لرؤية تطورية حتمية ومتسلسلة وبسيطة .
ان الاضداد التي هي محتوى الظاهرة تتواجد داخل الظاهرة بشكل معين .. ان الظاهرة هي الشكل الذي تتوضح فيها الاضداد يكيفية معينة .. ما معنى هذا ؟
معناه ان هذه الكيفية التي تتواجد فيها الاضداد معا هي التي تحدد شكل الظاهرة ، لننتبه " الكيفية " التي تتزاجد فيها الاضداد معا ، نظريا نقول اذا ما يلي : الظاهرة : هي مجموعة اضداد تتواجد معا بشكل معين يعطي الظاهرة معناها .
المدرسة هي عبارة عن مبان مقسمة لصفوف وادارة ، فيها مواد تعليمية وتلاميذ وكنتين ومدرسين ولها مواعيد عمل ومواقيت للحصص … الخ هذه العناصر معا تتركب لتكون ظاهرة هي المدرسة .
ماذا لو تغير تركيب مضمون الاضداد للظاهرة اي ظاهرة ؟؟ انها اشبه باحجيات تراكيب الجزيئات الكيميائية H2O جزيء ماء لكنه ليس H3O ولا HO وهو ايضا H2+O ولا H+H+O جزيء الماء تماما هو H2O .
قد نسأل وهنا يجب ان نسأل كيف ولماذا يتغير ما دام تركيب الظاهرة ثابت ؟
سؤال منطقي وفي مكانه … هي الظاهرة الجزئية بدورها هي اضداد ايضا في تركيب ظواهر اكبر ، فجزيء الماء مثلا يدخل في كل شيء تقريبا ما من ظاهرة في جسم الانسان للماء … الخ الا وتجد فيها جزيء الماء . الوجود كله هو اكبر ظاهرة ، ثم نستطيع ان نواصل تتبع سلاسل الظواهر بدون توقف ، لكن ما نلحظه من دراستنا لهذه الظاهرة كليا وجزئيا انها ليست ثابتة ، ليست في حالة سكون ، هذا ما هدا الانسان لتتبع القوانين واشتقاقها لانه يريد فهم حركة وصيرورة المادة .
لقد فهم الانسان اذا ان الظواهر الاصل فيها ان لا سكون الحركة الدائمة ثم اكتشف ان هذه الحركة الدائمة ليست اعتباطا بل هي نتاج صراع داخلي لاضداد ، فبدا عملية اكتشاف قوانين هذا الصراع على مستويات المادة المختلفة .
النتيجة : تركم المعارف الانسانية، تراكم العلوم بالذات وعلى وجه الخصوص ، الا انه كان لدينا حصيلة علمية ضخمة من القوانين تفسر جزيئات الظواهر وضرورتها . اما في دراستة الظواهر الكلية للمجتمع والتاريخ بقية نظرية المعرفة تخضع لتفاسير الفلسفة او الدينية المنفصلة عن حركة العلوم .
من هنا تنبع اهمية المادة الجدلية ، انها علمنة فهم الوجود وبالذات المجتمع وحركة التاريخ .لاحظنا قانون وحدة وصراع الاضداد ، قانون يعمل في كل الظواهر ، ان حركة الظواهر هذه لا تفسر الا بفهمنا لمكونات الظاهرة ، اي الاضداد الداخلية في التركيب ، ومن ثم فهمنا الجيد للكيفية التي تتركب فيها الظواهر لتكون الظاهرة في هذا الشكل وبالتالي نستطيع ان نحدد التغيرات الكمية ومن ملاحظتنا ، لان هذه التغيرات الكمية تتراكم تبعا لقوة الصراع وطبيعة الظاهرة عرفنا بانها تنتج تحول كيفي – نوعي – عند حد معين اي ان الظاهرة كلها تأخذ شكلا جديدا تماما تعود الاضداد لتتركب فيها بكيفيات جديدة ، وبالتالي فالظاهرة تأخذ شكلا جديدا ، فالغاز ليس هو الماء ، الماء ليس هو الجليد .
تبقى اذا حركة تطور الظاهرة ،ما المقصود بحركة تطور الظاهرة ؟؟
هذا ما يبين عنه قانون نفي النفي .
لنعود الى هذا القانون : قانون نفي النفي .
يفيدنا قانون نفي النفي اولا بان حركة التطور ليست حركة خطية بل حركة لولبية وان كانت هذه الحركة اللولبية لها محور رأسي يتجه للامام واعلى دوما في سلم التطور ان تصور حركة التطور الصحيح ليس كحركة خطية وانما كحركة لولبية حيث الظاهرة في حركتها تعود الى النقطة التي انطلقت منها لكن في مستوى اعلى .
من اين ياتي القول بالحركة اللولبية للتطور الظاهري ؟؟ انحركة التطور هي عبارة عن سلسلة تناقضات ، حيث يتم تجاوز المراحل الى مراحل جديدة ، لكن المراحل مثل الحلقات تتداخل ، ان فصل كل حلقة على حدا مسألة شبه مستحيلة .
ان باستطاعتنا تمييز الحلقة من خلال ذلك التركيب الذي تهيمن عليه تشكيلة معينة ، لكننا لا نستطيع الزعم ان الحلقة مستقلة تماما لا عن الحلقة التي تسبقها في السلسلة ولا عن الحلقة التي تليها ، مع ذلك هذا لا يمنع انها هي حلقة لوحدها .
اننا لو ركزنا انتباهنا على احدى الحلقات نجدها متتداخلة مع حلقة سابقة وحلقة لا حقة ، هذا تماما هو شكل الظاهرة وهي تحوي في رحمها نقائضها ، من الصعب ان يتضح هذا امامنا ، اذا لو اردنا القياس على مثال عملي اجتماعي ، اخذنا اي تشكيلة اجتماعية اقتصادية ، كالاقطاع مثلا في الحالة الاقطاعية النموذج السائد في الظاهرة الاجتماعية هو نموذج الانتاج الاقطاعي ، طبقة ارستقراطية صغيرة مالكة للارض الزراعية التي هي عصب عملية الانتاج : مزارعين اقنان ، يمثلون الاغلبية ، لكن هناك ايضا عبيد من مخلفات مرحلة اسبق ، وهناك نشاط تجاري يتبرعم ، وبداية لصناعة المنيفاكتورا ، لكن هذا لا يمنع ان الوصف الذي ينطبق على التشكيلة هو انها (الاقطاع ) لان هذا هو النمط المهيمن على التشكيلة .
ان الانتقال الذي يتم من مرحلة الى اخرى هو عملية نفي للمرحلة السابقة ، لكنه نفي ديالكتيكي ( نفي جدلي ) : ان ظاهرة التحول من نمط الانتاج الاقطاعي لنمط الانتاج الرأسمالي هي عملية نفي ديالكتيكي ، لان التغيرات التي راحت تتكرس ببروز النمط التجاري وتراكم الرأسمال التجاري وبداية الصناعة ، راح يحول معه النمط تدريجيا لصالح الانتاج الرأسمالي ضد النمط الانتاجي الاقطاعي : انه وهو يهيمن – اي نمط الرأسمالي – يقوم بعملية نفي للنمط السابق وهو الاقطاعي . وما ان يدخل المجتمع النمط الراسمالي حتى يتحول شكل الظاهرة التي هي التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية هنا ويسود الشكل الانتاجي الرأسمالي ، الا ان هذا لا يمنع ان نجد على ضفافه نمط انتاج اقطاعي هو من مخلفات اسلوب الانتاج السابق ، لكنه لا يمثل ظاهرة مهيمنة .
لماذا نقول نفي جدلي ؟؟
نقول نفي جدلي لان الحالة المهيمنة السابقة تتحول تالى ضد سلبي في شكل الظاهرة الجديد ، والضد الايجابي في الظاهرة السابقة ، صار حالة مهيمنة وولد ضد ايجابي جديد من رحم شكل الظاهرة الجديدة .
لنحاول تطبيق ذلك على النمط الذي اخترناه .
حسب المخطط ( أ-) اقطاع (ب)- رأسمالية (جـ) – شيوعية
كل منها يحتوي ( لو اردنا تبسيط الاضداد ) :
1 – ضد سلبي 2- حالة مهيمنة 3- ضد ايجابي
الحلقات كما في الترتيب السابق من خلال النقائض التي في داخلها :
أ – (1) شكل انتاجي عبودي (2) طبقة ارستقراطية تملك الارض الزراعية المنتجة (3) ولادة الصناعة
ب – (1) بقايا طبقة ارستقراطية تملك مساحات ارض واسعة (2) طبقة برجوازية تملك رأس المال الصناعي المنتج الرئيسي (3) خميرة ثورية بروليتاريا ونقابات مناضلة .
ج _ (2) الملكية العامة لوسائل الانتاج .
لاحظ التحولات التي تحدث بالانتقال من حركة لاخرى ، كلما كان التوجه تطوريا من حلقة لاخرى خرج النقيض السلبي الذي يشد للخلف اي يختفي من الوجود تماما ، الحالة المهيمنة في الحلقة الاولى تصبح ضد سلبي في الثانية ، والضد الايجابي في الحلقة الاولى يصبح حالة مهيمنة في الحلقة الثانية ومن طبيعته هوينتج ضده الايجابي ، وهكذا دواليك . هذا طبعا تبسيط شديد للمسألة لكنه يعطي تصورا اوليا .
يركز انجلز على قانون نفي النفي في رده على روهنج من خلال الامثلة الطبيعية ربما من اوضحها ما سرده في عالم الحشرات عن الفراش :
ان عملية خروج الشرنقة من البويضة هي عملية نفي لمرحلة البويضة ثم تبدأ مرحلة تراكم كلي جديدة الى ان تنضج الفراشة جنسيا وتصبح مؤهلة للتزاوج فيتم التزاوج لتضع البيض وتموت نافية النفي .
وهكذا فعملية التطور هي سلسلة لا متناهية من نفي النفي ، الذي ليس رجوعا للوراء وانما نفي ايجابي ، لان اتجاه المحصلة له دوما للامام واعلى اي اتجاه تطوري







