.
فرانسين لوسيي
ترجمة : يوسف العزوزي.
فتح التقدم الذي عرفه علم النفس العصبي للأطفال الطريق أمام المتدخلين في الوسط المدرسي و حفز الأخصائيين النفسيين بالمدارس les psychologues scolaires على التكوين في مستجداته، ما دفع عدة برامج جامعية في علم النفس إلى إدراج مواد ذات علاقة بهذا التطور العلمي . و ما حدا بمن لم يدرسوا هذه المواد بالبحث عن تكوينات موازية استجابة للحاجيات التي تفرزها الصعوبات المدرسية التي يواجهها التلاميذ الذين يُحالون عليهم.
صعوبات التعلم و اضطرابات التعلم:
تأتي أهمية هذا الموضوع من قيمة نسبة الصعوبات المدرسية المرتبطة بالإشكاليات العصبية أو العصبية النمائية التي تصل إلى حوالي ما بين 10% و 15%من التلاميذ في سن التمدرس Obrzut et Boliek 1991.
و بالعودة إلى حدتها نميز بين صعوبات التعلم و اضطرابات التعلم، إذ نصادف الصعوبات بوتيرة اكثر شيوعا، و عادة ما تكون عابرة، و هي نتيجة لأسباب متعددة العوامل. و في الواقع إن كانت الصعوبة منبثقة من قوام عصبي هش substrat neurologique fragile ، أو اختلال وظيفي يمكن للوسط المدرسي أن يساهم في تفاقم المشكل بعدم معرفته للظاهرة، و اعتماده على المقاربات الاعتيادية نفسها التي تُنتهج مع عموم التلاميذ في معالجة تعثراتهم.
أما الاضطراب فتستمر خاصياته و ديمومته التي ترافق الطفل على امتداد زمن تمدرسه، و يكون له انعكاسات حتى في مرحلة رشده.
مع استثناء الاضطرابات الناتجة عن قصور ذهني Dificience intellectuelle ، و قد يكون الاضطراب كامنا في أسباب نورولوجية (كالصرع أو الشلل الدماغية..) و ينتج عنه خلل في الوظائف التنفيذية أو اضطرابات نورو-نمائية مكتسبة (تعقيدات فترة ما حول الولادة، أو اعتلال عصبي أو ورم دماغي…) و هذا ما يمكن أن يستتبعه خسارة في الوظائف التنفيذية الحالية، و حتى الأكثر تطورا منها.
اضطرابات التعلم المحددة ( الأداتية.. Instrumentaux) :
نتحذث عن اضطراب اللغة dysphasie و اضطراب القراءة dyslexie و اضطراب الكتابة dysorthographie ،و اضطراب الحساب dyscalculie ، و و اضطراب التنسيق الحركي أو البصري الحركي dyspraxie ، و اضطراب الانتباه déficit attentionnel… نتحدث إذن عن اضطرابات أداتية مقابل troubles instrimentaux اضطرابات منطق التفكير troubles de raisonnement.
هذه المشاكل الخاصة ليست دائما سهلة التحديد في السياق المدرسي، و قد تكون النقط المتدنية أو الفشل الدراسي هي المؤشرات الأولى للصعوبات المدرسية، لكن الوسط التعليمي قد يعتبر ذلك كسلا أو نضجا غير مكتمل للطفل، أو يمكن أن يُحمل المسؤولية للأسرة في عدم مواكبتها لطفلها أو أن مرونة الأستاذ غير كافية مع التلميذ؛ ففي المدرسة إما نشجع التلميذ. أو نوبخه ،و إما نضغط عليه في المنزل أو نغير الأستاذ في السنة الموالية… و رغم كل ذلك يواصل التلميذ الحصول على نقط “كارثية”.
متى يجب أن نقلق؟
بعض الأطفال يتعلمون بشكل فوضوي، إذ ما يعتقدون أنهم تعلموه بالأمس لا يسترجعونه في الغد. و قد يحصل التلميذ على نقطة جيدة، و لكنه يفشل في التقييم النصف دوري، و كأنه يعمل فوق أسنان منشار. كما يستغرق تلاميذ آخرون وقتا أطول في الانطلاق. و قد يكفي في بعض الأحيان تدخل قصير لأخصائي التربية العلاجية Orthopédagogie لإطلاق التعلمات. لكن عندما يستمر الفشل رغم مجهود البنيات المدرسية الموجودة لهذا الغرض (التربية العلاجية، علم النفس ، تقويم النطق، التربية الخاصة..) آنذاك يجب أن نقلق.
بعض الاضطرابات يسهل معرفتها مقارنة مع أخرى، فالأطفال الذين يعانون من اضطراب اللغة التعبيرية أو أولئك الذي يعانون من فرط الحركة أسهل في الرصد من غيرهم، يستفيدون من حصص في التأهيل أو المعالج بالأدوية كخيار ثانوي بديل.
فيما تتطلب بعض الإشكاليات فحصا معمقا بحثا عن اضطراب فهم اللغة أو قصور الانتباه دون فرط الحركة، أو اضطراب القراءة عند طفل يُظهر ذكاء واضحا. كما يمكن للقصور أن يمر في صمت لمدة طويلة دون كشفه ،ما يؤدي بالطفل إلى الانزلاق في دوامة سوء تقدير الذات اعتقادا منه بأنه كسول أو قليل الذكاء، و هذا ما يضفي طابع الاستعجال على الاستشارة المتخصصة. و يتوفر الأخصائي النفسي-عصبي على مهارة إجراء تشخيص إضطراب التعلم من خلال ترسانة من الاختبارات و من خلال ملاحظات للطفل أثناء إجابته.
ما العمل عندما يتم إنجاز التشخيص؟
مهما كنا على معرفة ببعض استراتيجيات معالجة الاضطرابات المحددة و صعوبة التعلم تبقى دائما مقاربة الخصوصية و التفرد “حالة بِحالة” أساسية ،مع إشراك كل الفاعلين المدرسيين و أولياء الأمور بالإضافة إلى التلميذ المعنى بالأمر.
و رغم ذلك قد يتضح بأن الاستراتيجية المعتمدة لم تعطي ثمارها لذى يجب إجراء تقييمات منتظمة للتأكد من نجاعة التدخل.. و إذا لم يتحقق ذلك يجب تعديل هذه الاستراتيجية.
و إذا بقي المشكل الناتج عن الاضطراب رغم كل الاستراتيجيات و الحلول المقترحة، يجب في بعض الحالات إقناع الطفل أو أولياء أمره بتوديع ” faire le deuil ” القدرة أو الكفاية التي لم ينجح في تمنيتها، و التفكير في ميكانيزمات تعويضية من أجل التصدي للصعوبة دون السقوط في فخ إعلان الاستسلام، و تحقيقا لهذا الهدف الأساسي يجب الاستمرار في دعم التلميذ في وضعية الصعوبة على امتداد مساره الدراسي بالتشجيع و التحفيز، لتجديد طاقته و ثقته و تقديره لذاته.
الأخصائي النفسي عصبي و الوسط المدرسي:
إن ما يهم أخصائي علم النفس العصبي في الوسط المدرسي هو السيرورات المعرفية التي يستعملها التلميذ للولوج إلى التعلمات. و عادة ما تتعدد هذه السيرورات بالنسبة للأطفال ، اما بالنسبة للأطفال ذوي اضطرابات التعلمات المحددة dys فغالبا ما نجد بعض هذه السيرورات أو كلها مرتهنة، و قد نفترض أن بعضها سليم.
و مع الأسف فإن الفشل المتكرر قد يكون نتيجة للجهل بوجود سيرورات معرفية مصابة أو سليمة، أو بسبب تأويل مجانب للصواب لهذه السيرورات. في هذا السياق يتجلى دور le neuropsychologue في التحديد الواضح للسير رات المعرفية المعنية بالصعوبة من أجل توجيه التدخل الجيد لأخصائي التربية العلاجية بطرق فعالة و ملائمة و دعما لتدخل المدرسين و أولياء الأمور. فضلا عن ذلك يجب على le neurppsychologue رسم ملمح شامل يضم نقاط قوة و نقاط ضعف التلميذ حتى يتسنى للإباء تحديد انتظاراتهم بواقعية و الانخراط بفاعلية في هذا التدخل التأهيلي.








