يوسف العزوزي.
كأي نموذج، يعتبر النموذج التربوي-النفسي تمثلا مُبسطا، موضحا، وظيفيا لنسق (أو نظام) مجموع مكونات في تفاعل يتوخى تحقيق هدف، كمجموع مكونات الأسرة أو مجموع مكونات القسم الدراسي أو مجموع مكونات منظمة أو مؤسسة… و النموذج بهذا المعنى سيرورة أو سلسلة من العمليات المتتالية التي تخدم هدفا Legendre 2005، كالعمليات المهنية أو التربوية أو النفسية.
سيتطرق هذا المقال إلى معالجة النموذج من زوايا مختلفة؛ أولا سيتم تقديم خطاطة “المجموع”بمساعدةمفردات التربية-النفسية الأصلية Gendreau 2001 و Renou2005 ، ووصفها من خلال مكوناتها التي سيتم توضيحها بشكل مستقل، ثانيا سيتم التطرق إلى إمكانيتين هما إمكانية الشخص (أي إمكانية التكيف Pad) و إمكانية التجريب المقترحة على الشخص( Pex) ، مما سيسمح بتقديم العناصر المعنية لتهيئة مستوى ملاءمة للشخص المعني بالتدخل
1نموذج بنية المجموع:
نموذج بنية المجموع يسمى كذلك نموذج التربية-النفسية و هو تمثل لواقع يصف وسط العيش بشكل شمولي في السياق الذي يعكس مبدأ”هنا و الآن” Gendreau 2001 p50 ،و تهدف أسباب تنزيله إلى مساعدة و توجيه أخصائي التربية-النفسية. تحقيقا لهذه الغاية يقدم النموذج مرجعية فعالة و قابلة للاستخدام متعلقة بمختلف المعارف و الخبرات و المهارات الحياتية و السلوكية في وضعيات مختلفة.
و يقوم نموذج بنية المجموع على باراديغم تفاعلات يكمن في تمثل عناصر في حالة تفاعل. علما بأن هذه الأخيرة هي مكونات وسط التفاعل التي تخلق أثناء تفاعلها السياقات المعنية بتدخل أخصائي التربية-النفسية. و تصبح التفاعلات المناسبة ثمرة لمعرفة هذه المكونات و فهم التفاعلات في بنية المجموع.
1-1خطاطة بنية المجموع:
كان Gendreau أول من قدم بنية مجموع النموذج سنة 1978 ثم أعاد فيها النظر بمعية متعاونين سنة 2001 و راجعها Renou سنة 2005. لتنتشر على نطاق أوسع بفضل زملاء Boscoville.
تتوزع مكونات بينية المجموع على محورين:
أ) محور عمودي: يوجد في أعلاه الشخص و في أسفله المربي-النفسي و تتوسطه الأهداف حيث التقاطع مع المحور الأفقي.
ب) المحور الأفقي : تتوسطه الأهداف التي تحيط بها دائرة تتوزع عليها المكونات الآتية: نسق المسؤولية، الزمن، القواعد و العمليات،الفضاء، وسائل التفاعل، موضوع التفاعل، البرنامج، نسق التقويم و العرفان.
2-1 المكونات و التفاعلات:
@ المكونات العلائقية و التفاعلات العلائقية:
تحدد المكونات العلائقية الموجودة مع المحور الأفقي الأشخاص المعنيين بحالة التفاعل في الوسط و السياق، و قد أضاف Gendreau مكونات (مجموعة الأزواج Pairs) سنة 2001. يؤشر ذلك إلى أن فاعلين آخرين يتمحورون حول الشخص في أوساط و سياقات أخرى من حياته.
و تجري التفاعلات بين الشخص و المربي من خلال مكون” الأهداف”التي تمثل الحضور المتبادل للفاعلين الساعين إلى إيجاد توازن تقديري.
@ المكونات المحورية و التفاعلات البنائية :
سبع مكونات تتمحور حول الأهداف هي 1المضمون2الفضاء3الزمن4وسائل التفاعل5القواعد و الإجراءات6نسق المسؤولية7نسق التقييم.
كما تتم الإشارة إلى التفاعلات البنائية للدلالة على أن الفاعلين هم أيضا في حالة تفاعل مع المكونات المدارية التي تكون الجانب البنيوي للنموذج، و تتواجد في مدار الأهداف، أي أنها قريبة بشكل يجعلها تحت تأثير الأهداف Limoges 2008p8 ، و تشكل مجموع المكونات المدارية المنظومة المحيطة بالشخص.
و من الضروري إدماج المكونات المدارية في الممارسة التربوية-النفسية، إذ يجب على الأخصائي دمجها كوصفات في إعداده المهني و تغذية تصوره المرجعي لبناء “المجموع” مستندا على ما قدمه Gendreau و Renou2005 لتحديد هذه المكونات. التي تشكل موضوع العمليات المهنية.
@ التفاعلات و العمليات المهنية:
تساهم معرفة و فهم مكونات بنية المجموع في إغناء معرفة الأخصائي و تشكل المرحلة الأولى لعمله لأنها تساعده على إعداد تدخله لمساعدة الشخص على إيجاد التوازن بين حاجاته و متطلبات محيطه.
و يساهم جانب من العمليات المهنية(اي الملاحظة و التقييم القبلي و التنظيم و التنشيط و الاستعمال و التقييم البعدي و التواصل) في تحديد تفاعلات بينية المجموع.
إن وضع المكونات في حالة تفاعل في حالة تفاعل من خلال العمليات المهنية يحرك بنية المجموع لوضع السؤال؛ ماذا ألاحظ ؟ لماذا أقيم قبليا؟ لماذا أخطط؟ أنظم؟ استعمل؟ أقيم بعديا؟ أتواصل؟
مثال:
ألاحظ التفاعل بين الشخص و مجموعة الأزواج pairs، أقيم قبليا التفاعلات بين المربي بدلالة مدة النشاط، أنشط وسائل التفاعل (تقنيات التدخل)
3-1 عن أي بنية مجموع نتحدث؟
عن أي بنية نتحدث”هنا و الآن” في وسط أو سياق أو وضعية خاصة؟ ماهي مهمة هذا الوسط؟ ما هي الحاجات الأساسية لهذا الوسط؟ ما هي الأهداف المتبعة؟ من هم الفاعلون المتفاعلون و المتدخلون لفائدة الاشخاص؟؟ما هو سبب تواجد الأخصائي التربوي-النفسي في هذا الوسط؟ من هم الأشخاص في وضعية صعوبة التكيف؟ كل هذه الأسئلة ضرورية لوضع تصور يساعد الأخصائي في مرافقته للأشخاص الذي يطلبون خدماته.
2 اللقاء بين إمكانيتين:
يقوم التدخل التربوي-النفسي على المشاركة في الإجراء بهدف التأثير على سيرورته و تمهيد اللقاء بين إمكانيتين :إمكانية تكيف الشخص موضوع التدخل(PAD) و الإمكانية التجريبية المقترحة من طرف أخصائي التربية-النفسية الذي يهندس سياق الوسط (PEX). كما يتم إرساء مجموعة من الروابط الموضحة لعلاقة المكونات في خطاطة بنية المجموع بين هذين الإمكانيتين في الوسط و السياق الذي يتفاعل فيه الفاعلون.
وقد سلط Gendreau 1978 الضوء على اللقاء بين الإمكانيتين و المفاهيم المتعلقة بمستوى الملاءمة و التوازن و اللاتوازن و إعادة التوازن مستلهما آرائه من نظرية بياجيه للتكيف، في سياق تفاعلات الفرد و محيطه.
1-2 إمكانية التكيف PAD :
يجب على أخصائي التربية-النفسية أن ينظر إلى الشخص في وضعية صعوبة التكيف بعيدا عن نقاط ضعفه أو سلوكات المفرطة التي غالبا ما تحجب قدراته و موارده، فبالنسبة للأخصائي فإن الشخص موضوع التدخل يمتلك إمكانية للتكيف يمكن تحيينها و دعمها في التدخل.
فلكل إنسان في حالة نمو خيارات و فرص يبحث من خلال استثمارها البحث عن التوازن، استجابة لحاجياته الأساسية بمختلف الوسائل.
يجب إذن على مربي التربية-النفسية أن يبحث على موارد هذا الشخص و يستعملها كرافعات لتدخله.
و يفرض الأخصائي وجوده عندما تكون الوسائل التي يستعملها الشخص غير قادرة على تحقيق التوازن المرضى بين حاجياته و متطلبات محيطه.
عند تحديد هذه الحاجيات يقود البحث عن ظروف الاستجابة لها إلى صياغة أهداف التعلمات و غايات تدخل أخصائي التربية – النفسية.
بعد هذه المرحلة يصبح هذا الأخير أمام بدءالمرافقة و إرساء وسائل دعم التعلمات و تحسن الشخص، كما هو موضح في المحور المركزي لبنية المجموع، إذ ينبغي أن تنطلق التفاعلات بين الشخص و الأخصائي من الملاحظة و الفهم اعتمادا على التقييم لتخطيط التدخل المبنى على تحديد الأهداف بدقة. و تحتل الحاجيات الأساسية مكانة مهمة في الإمكانات التكيفية PAD.
2-2الإمكانية التجريبية PEX:
يفهم من إمكانية التجريب التي يقترحها الأخصائي و الوسط PEX مجموعة من شروط الاستجابة للحاجيات الأساسية للشخص. و يدخل عنصران في تكوين إمكانية التجريب؛ 1)ترتيب المكونات المحورية المخططة سلفا و المنظمة الواحدة تلو الأخرى. 2)مجموع التفاعلات بين الفاعلين و المكونات المحورية.
يتم التخطيط و التنظيم أولا خارج العمل،ثم بعد ذلك في الميدان وفق تفاعلات” هنا و الآن”، نتحدث إذن عن تعديل الأهداف و إعادة تنظيم بعض عناصر المكونات المدارية.
من الضروري إذن بناء التخطيط و التنظيم على المعرفة بملاحظة الشخص أثناء التفاعل في وسطه أو أوساط.
3مستوى الملاءمة:
يعكس مستوى الملاءمة مدى التوافق بين التجربة المقترحة و تقدم الشخص Gendreau 2001، و يتم تقديم هذا المفهوم في بنية المجموع بإضافة مثلثات تمثل رؤوسها 1الشخص2المكون المداري 3 الأهداف، و يصبح من الممكن اختيار سبع مثلثات بالتساؤل حول ما إذا كان المكون المداري مرتبط بالأهداف المسطرة للشخص PAD، و تشير الإجابة الإيجابية إلى وجود مستوى ملاءمة بين الحاجيات و الشخص و شروط الاستجابة للحاجيات المقدمة من طرف إمكانية التجريب PEX.
في حالة العكس يفترض اختبار الأهداف نفسه للبحث في ما إذا كانت مبنية على حاجيات غير ملائمة للشخص. و للوصول إلى مستوى الملاءمة يجب على الأخصائي تخطيط و تنظيم و تنشيط تعديل الفرق بين PADو PEX على أن يكون هذا الفرق ذي دلالة، يخلق لاتوازنا ديناميا دون أن يصبح كابحا، لأننا نستهدف خلق توازن لذى الشخص لتمكينه التدريجي من الاستجابة لحاجياته.
4التحدي المتدرج. :
يجب أن يُفهم التحدي باعتباره مُبدِئا لنشاط الشخص، و يمكن تعريفه بهذا المعنى كدعوة للتقدم من خلال التعلمات و الأفكار و السلوكات التي تسمح التفاعلات الفُضلى للشخص مع محيطه، إذ يدعو أخصائي التربية-النفسية الشخص من خلال (PEX) الإمكانيات التجريبية (المرتبطة بالأهداف) لمتابعة البحث عن التوازن المُرْضي. يتعلق الأمر بتحويل مشروع إلى تقدم (تطور تدريجي مستمر) قابل لأن يسمح بملاحظة الشخص لنفسه و و يسمح لمحيطه بملاحظته ، و تتضمن طرق صياغة المقترحات وسائل إرساء التفاعل الضروري لتغذية اللقاء بين PEX و PAD ، و يمكن إرساء هذا التفاعل من خلال خمسة وسائل.
1-4 مستوى المرافقة المناسب لوضعية الشخص:
يتطلب إرساء مستوى المرافقة المناسب التزام الشخص بالمشروع المقترح حسب الإمكانات التجريبية PEX، إذ يجب عليه التعبير عن موافقته. ما قد يشكل صعوبة في الحالات التي يتأثر في الشخص بمتغيرات محيطه، وبالتالي يجب الحرص على التزام الشخص و موافقته و انخراطه بشكل ملموس. هنا يأتي دور الأخصائي لتحفيز الشخص المعني بالأمر استنادا إلى معرفة كيف يعيش و يستوعب و يعرف و يفهم و يريد و يأمل و يحس.. لتحديد متى و أين يمكنه أن يعتمد على نفسه أو متى نحل محله لفترة لضمان أمنه أو تقدمه Limoges 1997.
إن التزام الشخص بالإمكانات التجريبية رهين بثلاثة ظواهر مرتبطة فيما بينها، إذ يجب عليه أن يعرف ماذا يحدث، و يفهم المشكل، و يُسند لنفسه دورا يلعبه. كما يجب أن يكون متحفزا، لأجل ذلك تفرض المرافقة التربوية-النفسية نفسها في أغلب الحالات .
و يفترض توجيه المرافقة ثلاثة استراتيجيات يمكن النظر إليها كأهداف عامة:1 حمل الشخص على تقبل المقترحات 2 الاستجابة للمقترحات 3 خلع قيمة على المقترحات تحفيزا على متابعتها.
2-4التعلمات المقترحة:
يستوجب اقتراح التعلمات على الشخص دعوته لاكتساب معارف و الربط فيما بينها ووضعها في سياق يمكنه من الفهم التدريجي للظواهر و ذلك من أجل بدء عملية التكيف (تغيير السلوك) و يجب التركيز هنا على الأفعال التي تحدد التعلمات المقترحة، لأن اختيار الأفعال المناسبة لوضعية الشخص وسيلة لتدريج التحديات لدى يجب إعداد صنافة من الأهداف الإجرائية للتعلم أو المهارات المصاغة بدقة Foucault1997، و ترتبط الصنافات بعدة مجالات، لكن ما يهمنا منها في موضوع التكيف ثلاثة و هي 1صنافة العواطف 2صنافة معرفية 3 صنافة سلوكية.
@ تعلمات المجال العاطفي :
يتعلق الأمر بالتعلمات المرتبطة بتطوير المواقف الملائمة، و تفيد هذه الصنافة بأن كل متعلم يمر من مراحل وفق ترتيب زمني و تسلسل محدد.
إن تعريف المراحل Legendre 2005 (اي الاستقبال، الاستجابة، التثمين، التنظيم، التوصيف..) حيث يوجد الشخص يمنح مؤشرات لأخصائي التربية-النفسية فيما يتعلق بمستوى المرافقة الذي يجب أن يوليه للشخص أخدا بعين الاعتبار إمكانياته التكيفية” العاطفية”. فهل يتصرف بدل الشخص؟ أو من أجله؟ و هل يتصرف معه؟ أو يراقبه و هو يتصرف؟.
يجب أولا الاخد بهين الاعتبار تعلمات المجال العاطفي أثناء لقاء الإمكانيات التكيفية و الإمكانيات التجريبية للتحكم في التوجه التدريجي المقترح على الشخص.
@ تعلمات المجال المعرفي :
يتعلق الأمر بالتعلمات المتدرجة المرتبطة باكتساب معارف و سيرورات ذهنية. وتحيل الصنافة المعرفية إلى لوغاريثمات المراحل الضرورية الآتية؛ المعرفة و الفهم و التحليل و التركيب و التقييم legendre2005.
@ تعلمات المجال السلوكي:
يتم استهداف السلوكات الجديدة وفق تطور الإمكانات التكيفية العاطفية و المعرفية للشخص، فكلما تمكن هذا الأخير من فهم الوضعيات ومن الوعي بدوره و تحمل بعض المسؤولية التي تمكنه من الانتقال إلى المرحلة الموالية.
و تتم التعلمات العاطفية و المعرفية وفق تصور أخصائي التربية-النفسية بهدف توفير شروط الاستجابة للحاجيات التي تقوده إلى تغيير سلوكاته بهدف التكييف المنشود، فكل تفاعل علائقي هو تواصل يؤثر على السلوك warzlawick1972 p16.
4-3 مواضيع التعلمات :
يفضل صياغة مواضيع التعلمات المقترحة باعتماد أفعال إجرائية (أن يكون الشخص قادرا على +الفعل). يتعلق الأمر بأسلوب لغوي يمنح الأخصائي صياغة بنية تحمل تحديا. يستلهم هذا الأسلوب تصوره من “الصنافات” كصنافة “بلوم ” لتحويل الصيغة إلى مجالات عاطفية و معرفية و سلوكية.
4-4 ظروف التعلمات:
بعد اقتراح التعلم و صياغته يجب تحديد ظروفة متى؟ الزمان، أين؟ المكان، و مع من؟. و يستوجب تدريج التحدي توسيع دائرة الشروط التي يتم من خلالها التعلم.
5-4استراتيجيات تدخل أخصائي التربية-النفسية :
تحدد استراتيجيات تدخل الأخصائي بتدقيق ما يجب فعله لدعم الشخص في تعلماته العاطفية و المعرفية و السلوكية، إذ يجب على التجربة التي يقترحها إبداع سياق و تنشيط الوسط سعيا إلى منحه مستوى الملاءمة بين حاجاته و شروط الاستجابة للإمكانيات التجريبية.
خاتمة:
لا تمثل عناصر هذا المقال كل الوصفات، لكنها تقدم الضرورية منها لممارسة التربية-النفسية. مثلما يمثل الإبداع و المهارة و الخيال الوصفة الضرورية لممارسة أي حرفة إبداعية، لكن يجب على أخصائي التربية-النفسية أن يبقى دائم السؤال حول نجاعة وصفاته متفحصا لطرقه بانتباه و حذر.





