مفاهيم قاعة الموارد 3: “النوروتربية” /la Neuro éducation

يوسف العزوزي9 فبراير 2022
fbthdr
fbthdr

يوسف العزوزي: أستاذ مشرف على قاعة الموارد للتأهيل و الدعم بمديرية تازة

تستوجب مستجدات التربية الدامجة الدخول في علاقة دينامية مع الأستاذة و المربين و أولياء أمور التلاميذ و تصميم جسر تواصل بين الفاعل التربوي التعليمي والعلوم الاجتماعية و العلوم العصبية  المعرفية و مختلف المستجدات العلمية ذات الصلة.، مع النأي بالنفس عن محاولة إثبات علمية هذا المنهج أو ذاك لأن هذا الدور من اختصاص هيئات علمية متخصصة، فالأهم هو استثمار الفهم العلمي و الاكتشافات الحديثة في تطوير المنتوج البيداغوجي و تكييفه مع خصوصيات المتعلمين و البحث في ملاءمة وضعيات التعلم.
أنا لست متخصصا في العلوم العصبية و لكنني أستاذ مشرف على قاعة الموارد للتأهيل و الدعم ، مهمتي تنسيق العلاقة بين ما يتعلق بمهنة البيداغوجي التربوي (أستاذ التعلمات الأساس) و مهنة الطبيب و الأخصائيين و الأخصائيين النفسيين على اختلاف ابعادهم العلمية، و في هذا السياق تبرز الحاجة إلى مواكبة آخر الأبحاث و العلوم ذات الصلة (العلوم المعرفية، علم الاجتماع التربوي ،علم النفس ، العلوم العصبية، علم النفس العصبي، علم النفس السلوكي ، تحليل السلوك التطبيقي…..). 

النوروتربية” /la Neuro éducation

البيداغوجية فن يقوم على المعارف العلمية المُحَينَنة و التي يمكن أن تحيل إلى قدرات و اكراهات “الدماغ الذي يتعلم” من خلال استثمار علم النفس التجريبي لنمو الطفل و العلوم العصبية المعرفية و دورها في نجاعة الوضعيات التعليمية بالمقارنة مع وضعيات أخرى.
بالمقابل فإن الممارسة اليومية للبيداغوجيا في “مختبر المدرسة” يمكن أن تقدم أفكارا للتجريب، و بين الذهاب إلى المدرسة و الرجوع إلى المختبر الجامعي النظري تنشط دينامية البحث التي تضع التلميذ و دماغه في مركز اهتمامها، لتجعل من مدرسة التلاميذ مدرسة للأدمغة.
في هذا السياق يحتاج المدرسون  الممارسون في حقل التدريس إلى صقل تجاربهم بشكل يؤهلهم لأن يصبحوا فاعلين في هذا النشاط (جامعة/مدرسة) أو على الأقل الاستفادة من تكوين مستمر لتنمية معارفهم يواكب التطور العلمي.
العلوم العصبية المعرفية فرصة مواتية للرفع من جودة المنتوج المدرسي:
يوفر التقدم الذي تحرزه العلوم العصبية فرصا لمساءلة مهنة المدرس الذي يشتغل في حقل يتداخل فيه علم النفس المعرفي و علم نفس النمو و يعرف اكراهات يطرحها النظام التعليمي تتعلق بالبرامج و الأهداف و التراتب الإداري…
على ضوء ذلك يُثار النقاش حول الوضعية التعليمية و الغلاف الزمني و آليات التقييم و تكييف التعلمات حسب وثائر التعلم و المحتوى والدروس و التدبير التربوي للمؤسسات و هندسة تكوين المفتشين و مكوني الأطر و الآباء و التلاميذ لتشكيل بناءا منسجما.
و بدون المشاركة الفعلية للمدرسين في هذه الحركية لا يمكن إحراز أي تقدم لأن أدوارهم كممارسين تتموقع في عمق عملية تنزيل مستجدات المناهج البيداغوجية و الرفع من جودة التعلمات.
إذ يمكن في هذا السياق للمدرسين أن يقوموا بدور مساعد للأستاذ الجامعي الباحث من خلال إمداده بالتغدية الراجعة و يساعدونه على التأكد من فرضيات إشكالياته أثناء ممارستهم  وتجريبهم للطرائق الجديدة التي لا يمكن أن يتأتى تنزيلها بالمذكرات و التعليمات الفوقية بل من خلال مفاهيم علمية يعرفها و يشتغل بها و من خلالها.
العلوم العصبية المعرفية.. عن ماذا نتحدث.؟
تشتغل العلوم العصبية المعرفية في تخصص علمي و مجال بحث موضوعها تحديد و فهم أدوار الميكانيزمات العصبية المعنية بمختلف العمليات المعرفية ( الإدراك، اللغة، الذاكرة، المنطق، التعلمات، العاطفة الوظائف التنفيذية، الحركة….).
و قد أسهمت اكتشافات حوالي ثلاثين سنة الأخيرة في صقل فهمنا للمعرفة، و لوظيفة الدماغ و خلل وظيفته. و تتميز الإشكاليات التي تطرحها العلوم العصبية المعرفية و المناهج التي تحركها بتداخل الاختصاصات المرتبطة بها (علم النفس المعرفي الذي يدرس العمليات الذهنية المعنية بالأنشطة المعرفية) العلوم العصبية، العلوم الحاسوبية و الذكاء الاصطناعي. و تجمع العلوم المعرفية مجموع التخصصات التي تعالج اكتساب المعارف عند الإنسان و الحيوان.
تعتبر العلوم “النوروتربوية” تخصصا فرعيا للعلوم العصبية المعرفية و تتناول العلاقات مع علم النفس التربوي و التعلمات و النمو. و تتوخى فهم ووصف السيرورات السيكولوجية و الميكانيزمات العصبية المسؤولة عن التعلمات الأساسية ( القراءة، الكتابة، الحساب، المنطق، احترام الآخر.)، و يسمح هذا العلم الجديد للتعلمات ( العلوم العصبية البيداغوجية أو علم النفس البيداغوجي) للباحثين لفهم الميكانيزمات النورومعرفية المسؤولة عن القوانين العامة للتعلمات في الدماغ البشري.

ما يمكن أن تقدمه العلوم العصبية المعرفية للبيداغوجيا:
إن معرفة وظائف “دماغ المتعلم” و طرائق التعلمات ليس وليد اليوم، لكن التطورات المتسارعة للعلوم العصبية تفرض التحيين المستمر لهذه المعارف على ضوء الأبحاث العلمية و ذوبان جبل الجليد الذي كان يفصل العلوم العصبية المعرفية و العالم المدرسي. فمن يمكنه بعد الآن التقليل من أهمية الأبحاث حول الدماغ في نجاعة الممارسة التربوية؟.
لا… لم يكن كل شيء صحيحا من قبل.:

هل يمكن للمدرس أن يشرح بدقة ماذا ينتظره من التلميذ عندما يطالبه بالانتباه، أو يوضح كيف يمكن تنمية الانتباه، و هل يمكنه أن يميز بين الممارسات البيداغوجية التي تشتت الانتباه و بين تلك التي تساعد عليه؟. نفس الأسئلة يمكنها أن تمتد إلى الذاكرة والفهم ، هل يمكن للمدرس بناء استراتيجيات ناجعة للتذكير البعيد الأمد؟ هل هو مزود بالكفايات اللازمة لحل عقدة التلميذ المتعلقة بإعلانه  :”أنا لا أفهم هذا.. /لا أفهم أي شيء”.
و دون الادعاء بأن الأمر يتعلق بثورة في المدرسة فإن العلوم العصبية المعرفية للتعلمات تحمل معلومات مصادق عليها من طرف الهيئات العلمية الدولية حول وظيفة دماغ “المتعلم”، و تؤكد هذه المعطيات العلمية نجاعة بعض الممارسات البيداغوجية المستنتجة من تجارب فردية، موضحة سبب نجاح هذه التجارب. كما تسائل هذه المعطيات العلمية الممارسات التقليدية موضحة أهمية تجديد الممارسات البيداغوجية على ضوء مستجدات العلوم العصبية المعرفية.
تطوير الممارسات البيداغوجية الناجعة… الكرة في ملعب المدرسين:
ينتظر من العلوم العصبية المعرفية أن تساهم في تحسين المصير الدراسي للتلاميذ في وضعية الإعاقة، و أن ترفع عموما من نجاعة التمدرس من خلال توجيهم للحصول على تعليم أكثر ملاءمة و وسائل بيداغوجية مكيفة تسمح للتلاميذ من فهم أفضل.. الكرة إذن في ملعب المدرسين.

المجالات الكبرى للعلوم المعرفية للتعلم لكل التلاميذ:

يمثل التذكر مركز اهتمام العلوم المعرفية للتعلم، لأننا كائنات تتذكر و حياتنا مُبَنْيَنَة حول مكتسباتنا لأن حاضرنا و مستقبلنا رهين بذاكرتنا. كما أن التعلم نفسه يرتبط بالذاكرة، لأجل ذلك يرتكز العلم على دراسة الذاكرة و معرفة قواعدها و الطرائق البيداغوجية المكيفة. ومن أجل الفهم و تنمية كفايته يجب البحث في مفاتيح و هذا هدف كبير يهم المدرسين.

تتعدد إذن مسالك البحث و الدراسة لبلوغ النجاح الدراسي و الحياتي، و لرسم معالم هذه الطريق لا بد من التوفر على قدرات الانتباه لتحقيق الأهداف و الغايات المدرسية.

يجب اذن فهم آليات تطوير الانتباه بدءا من السنوات الأولى إلى سن الرشد دون إغفال أهمية تطوير قدرة الكبح و تنمية التفكير و التحكم في ردود الفعل و المشاعر، كما يجب الانكباب على تدبير حدود  ذاكرة العمل.
هذه بعض المحاور التي يجب على الأساتذة عموما و الأساتذة المشرفين على قاعات الموارد للتأهيل و الدعم الوعي بأهميتها في المسار الدراسي للتلاميذ عموما و التلاميذ الحاملين لاضطرابات التعلم على وجه الخصوصا

. La neuroscience cognitive dans la classe

ترجمة يوسف العزوزي بتصرف

مستجدات