المريزق المصطفى – مكناس –
سيدتي…
لازلت على عادتي القديمة، أفرغ ما في جعبتي بهذه المناسبة الغالية كي أجدد انتمائي لسلالتك الشريفة، من دون أن أجعل منك موضوع خطاب ايديولوجي أو نموذجا للتحليل أو قراءة في المنهج و الأدوات التي تتداخل و تتقاطع و تتطابق، و تطرحك كإشكالية جنسوية.
في هذه الذكرى الغالية، أريد فقط أن أستحضر انتمائي لحظيرتك من دون الإدلاء بأوراق الاعتماد و جواز السفر، و من دون شهادة حسن السيرة و السلوك، أو نسخة من سجلي العدلي، أو نسخة من شهادة رد الاعتبار، كتلك التي تسلمتها من قصر العدالة بفاس، بعد رجوعي من فرنسا (سنة 2007)، حين نطق القاضي بحكم "السماح برجوعي إلى حظيرة الوطن"!
سيدتي…
في هذه المحطة من تاريخك الكفاحي، لن أكلمك في موضوع نشوء و استمرار ظاهرة الخضوع و الهيمنة و تنظيم العمل الاجتماعي، و عدم تعادل علاقات القوى بينك و بين الرجل.
لن أحدثك عن استمرار السلطة العشائرية في زمنك هذا، و لا عن المقايضة و التملك، و لا عن علاقات الإنتاج و التكاثر، و لا عن الخصوبة و العلاقات الجنسية المتباينة، و لا عن التنظيم المنزلي العائلي، و لا عن مكانتك في المؤسسات الاجتماعية و السياسية، و لا عن دورك في المنظمات المجتمع المدني، و لا عن حضورك/و غيابك في الخطاب السياسي..
لن أكتب عن أوضاعك و مشاكلك و حاجياتك الخاصة في الميدان الصحي، و أساليب التوعية، و لن أذكرك بآلامك مع الحمل و الولادة و الوفيات المبكرة و غياب العناية بصحتك الاجتماعية.
كما لن أطرح مطالبك الخاصة انطلاقا من الوعي بخصوصياتك و ما أقرته اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدك.
فقط، اسمحي لي أن أعترف لك أني مشيت إلى جنبك طوال حياتي و لن أتحلى عنك و لن أنسى فضلك علينا جميعا. خاصة أيام كنت عاكفة على ترويض الفجائع، يوم كنت سامقة كأشجار الصنوبرلا تخافين زوار الفجر و سراق اللحظات الجميلة.
سيدتي…
نعم، هذه فرصة على درب الاستمرارية، لمطالبة الدولة بالمصادقة على جميع الاتفاقيات الدولية التي تقر بحقوقك ، و العمل على تجسيد المساواة الفعلية على أرض الواقع، و مراجعة جميع التشريعات التي تشكل خرقا لحقوقك ، و توفير وسائل و آليات حمايتك، و الاهتمام الثقافي بمسألتك، و القضاء كليا على الأمية في صفوفك، وفتح الإعلام في وجهك، و دعم أشكال استقلاليتك المادية و المعنوية.
قضايا متعددة، حولت مسارك و انتماءك الإطاراتي المنظم في نظام و تقسيمات حياتك اليومية. حيث عرفت بكل مشاكلنا اليومية، متطلعة لبناء مجتمع حداثي ديمقراطي، متجاوزة خطاب الطابع الأخلاقي، الإرشادي، المعتمد أساسا على مرجعية سلفية و نكوصية. خاصة و أن السنوات الأخيرة شهدت مرحلة متميزة في عمرنا الحركي و النضالي، كما شهدت ساحة الحراك الاجتماعي ولادتك من جديد على مستوى بلورة عناوين جديدة باتت تتصدر مطالبك العادلة و المشروعة.
سيدتي…
طبعا، لا حاجة للقول أن مشروعك الفكري هو مشروع الحرية، و أن الانهيارات و الخيبات، الداخلية منها و الخارجية، لن تهز عرشك و لن تقلعك من جدورك.. على العكس، إنها تزيدك يقينا من أن معظم شقائنا منبعه من يكفرك و من يمقتك و من يلوث ساحتك بالخرافة و جمود الحركة.
سيدتي…
ما أحوجني لسنوات صبرك و عنادك و مقاومتك الشامخة، حين كان عنف الفجرلا يزال ملفوفا بدياجير الظلام و الجهل..ما قبل الانبثاق.
كنت ساعتها أكتب لك رسائلي الخيالية أو المتصوفة مثلك، و كانت خطوطي أنقحها كلما نضجت عبادتي، حتى صارت الكتابة إليك وسيلتي للسفر في المدن المحرمة، و دوائر المربعات المسيجة، بكل أمل و عنفوان.
نعم، إن الأفكار في بساطتها ارتبطت بتطورنا جميعا، خاصة كلما ازداد وعينا الإنساني. و نحن على طريق "سقراط" نمضي لاكتشاف أفكارنا المتصلة بحقائق الوجود. إنها حلقة في سلسلة أفكارنا الإنسانية التي شكلت عقلنا البشري..حيث منذ طفولتنا البريئة و هي دائمة التغيير و التبدل.
و ها هي اليوم ممتدة، باقية، قد تذبل و تنطفئ، لكن انت تظلين ملتزمة بحاضرك، مناصرة لتطلعاتك، و قادرة على هدم الخوف و التخلف وكسر طوق الصمت من حولك.
سيدتي…
في الأخير، لابد أن أعترف لك بأن الحجج المذكورة في ثوابت أصولك ليست من اختراعي، و أنا بريء منها. و حتى مجرد الإشارة إليها لا يشرفني.
لك مودتي، و كل سنة و أنت سعيدة.







