نورالدين لشكر
على إثر الزيادة والنقصان في الساعة القانونية، كنت دوما أريد المشاركة بطرح إشكال يتعلق بهذا الموضوع، وبعيدا عن أي موقف سياسي، أود أن أشير على أن الموضوع فعلا يقتضي دراسة سوسيولوجية عميقة منفتحة على ماهو نفسي وبيولوجي وصحي …
فالحكومة تقول أنها اتخذت القرار"بصفة استعجالية لما له من إيجابيات في ما يتعلق بالاقتصاد الوطني، واقتصاد الطاقة وفقا لما تقتضيه المصلحة العليا"، وتقول "أننا اقتصدنا خلال هذه الأشهر في كلفة الطاقة بما يناهز 100 مليون درهم، واذخار، بالنسبة للاستثمار، ما يفوق ملياري درهم"، لكن! هل سبق وأن قامت الحكومة عبر مكتب من مكاتبها المتعددة بدراسات تهم المواطنين حول مدى حضور أي تأثير على المواطن ماديا أو نفسيا أو صحيا، فراحة المواطن الصحية و النفسية والاجتماعية والمادية هي التي من أجلها تنتخب الحكومات وتتنافس الأحزاب …
وبعيدا عن تلك المقابلات الصحفية التي تجريها القناة الأولى كعادتها لتبرير أي قرار مقدمة وجوها تهلل وتبارك، نود أن نسأل هل يتم الإنصات للقاع الإجتماعي الذي يشكل الأغلبية الساحقة في أي مجتمع لاتزال طريق التنمية فيه غير مسلوكة.
كم أود من كل وزير أو مسؤول مغربي أن يسأل "مول الحانوت" القريب منه، إن كان لايزال يسكن حيث كان، يسأل البقال وصاحب المحلبة، بناء، رصاص، نجار، لحام،… إنها الفئة الأكثر تذمرا من هذه الزيادة والنقصان، ناهيك عن جيش المتقاعدين والنساء ربات البيوت والموظفين الصغار … لماذا؟
ليس في هذا المقال ما يجيب قطعا عن هذا السؤال لكنه محاولة فقط للإسهام في نقل صدى أنين الفئة التي تعاني من هذه "الساعة" في صمت وتقول بصوت خافت "هاهما زادو ساعة ثاني، مصيبة هذي !"… هذا دون الحديث عن فئة عريضة لاتحرك عقارب ساعتها أصلا وهي غير مندمجة أصلا فيما تقرره الحكومات وماعلى القارئ إلا أن يلتفت إلى بيوت البسطاء ويطل على ساعات المساجد ليجد الجواب الصريح أننا غير معنيين بتلك الزيادة وأنها لاتعني إلا أصحاب القرار ! بل إن أغلب البسطاءء حين يسأل عن الساعة وتجيبه سرعان مايتبعه بسؤال "واش القديمة ولا الجديدة؟"..
من أكثر من يعاني من الساعة جيش البنائين الذين يشتغلون عند المقاولين دون وجود أي عقود للعمل، وبشكل ارتجالي سيكون على البناء الحضور لورشة العمل السابعة صباحا في كل الأحوال لكنه لن يغادر إلا عند المساء، وهذا المساء بعد أن كان مثلا في السادسة فإنه سينتظر قرب غروب الشمس في كل الأحوال وعادة النجارين واللحامين وجل الحرفيين، وهو مايؤشر إلى الاستغلال الذي يمارس على هذه الفئة التي زادت من "قيمة العمل" دون فائدة مادية تعود عليها، أما إن سألت البقالين ومن على شاكلتهم فمشكلتهم أكبر فبعد أن كانوا ينتظرون الساعة التاسعة ليلا أو العاشرة للإقفال فقد وجب عليهم الإنتظار حتى الساعة العاشرة أو الحادية عشر ليلا أو منتصف الليل (خاصة في فترة الصيف حيث جرت العادة انتظار آداء الناس صلاة العشاء التي تتأخر إلى العاشرة والنصف) ثم العودة صباحا مبكرا وهو ما يجعلهم في حالة توتر دائم جراء قلة النوم فقد أخذت منهم ساعتين من ليلهم دون يدروا…
ولمن يرى في الأمر مبالغة في الحسابات سأطرح عليه الفئة الأخرى التي تعاني في صمت وهم العمال الليليون الذي الذين كانوا يأخذون قسطا من الراحة مساءا بعد العشاء (بعد التاسعة) ثم يقوموا لأعمالهم قبل منتصف الليل (الحادية عشر ) حيث كانت فترة ساعتين تكفي شيئا ما للاستعداد لليل شاق لكن زيادة ساعة أخدت منهم ساعة من راحتهم مما جعلهم لاينامون الساعة المتبقية مخافة الاستسلام أو تكسير مزاجهم والدخول في حالة نفسية ذهنية صعبة لايعرفها إلا المشتغلون ليلا …
والحقيقة أن أصحاب القرار لو التفتوا لهذه الفئة لكان خيرا لهم على الاقل انتخابيا بدل حمل هم فئة قليلة مخملية مرتبطة اعمالها ورؤوس اموالها بأوروبا، ولو سألنا كم هو عدد الفئة المرتبطة أعمالها بالجهات الغربية في المغرب لوجدنا العدد لايتجاوز الألف أو الالفين شخص وهي نخبة يعلم الجميع أنها لاتستيقظ إلا متأخرة ووقت ماتشاء بدون منبه، ولو كانت الحكومة تستطيع أن تتذ قرارا شعبيا لألزمت هذه الفئة دون غيرها بالقدوم إلى مؤسساتها العمومية السابعة صباحا أو السادسة ولم لا الخامسة لم لا ؟ تصلي الفجر وتبدأ أعمالها …هه أليست تشرف على أموال الشعب وتتاجر بها ؟
أما إذا التفتنا إلى طفولتنا التي تتمدرس والتي وجب عليها دوما أن تستيقظ ساعة قبل وقتها المعتاد سيؤكد لنا المختصون كم هي الآثار النفسية والصحية على الطفل الذي أصبح يمارس عليه عنفا رمزيا قد يتطور إلى مادي إن هو لم يستيقظ باكرا باكرا.. والذي ما إن يعود مساءا وتجتمع العائلة وينظر في واجباته المنزلية حتى تعلن هذه الساعة الملعونة عن العاشرة او الحادية عشر ليلا مما يجعله مجبرا على النوم لكي يقوم باكرا…
حقيقة أخرى تتعلق بالمسألة الطاقية حيث يعجب الملاحظ كيف أن الحكومة لم تجد سبيلا لاقتصاد الطاقة إلا بإزعاج المواطن بدل السعي جهدا لتوفير وسائل الراحة له أو على الأقل "تعطيه التيقار"، فيمكن للمكتب الوطني للماء والكهرباء أن يسجل كم من المؤسسات والشوارع الخالية التي تبقى الاضواء فيها بدون أي فائدة تذكر ناهيك عن غياب أي خلايا تفكير أو جلب حلول موجودة بدول اخرى فمثلا كم رأينا من دول جعلت من مصابيح الشوارع تشتغل بالطاقة الشمسية خاصة أنها لاتضيء إلا ليلا فهي تعبئ بطاريتها نهارا وتضيء ليلا، ناهيك على أن المغرب يريد ان يكون رائدا في الطاقات البديلة أو المتجددة … تصوروا معي كم سيوفر المغرب من الطاقة ويوفر من الدراهم على المواطن في فاتورته الشهرية حين يخف الضغط على الإنتاج الوطني من استهلاك الطاقة بسبب الشوارع التي لاحصر لها…
تبدو الزيادات في المحروقات شيء مادي ملموس وواضح بالنسبة للفئات والنقابات المحتجة والمتضررة، بيد أن غياب دراسات علمية يمكن أن تخرج بالنتائج التي أشرنا إليها ستجعل بعض هذه الفئات والنقابات تلتفت إلى الساعة "الزايدة والناقصة " على أنها من اكثر مايستنزف قدرات المواطن البسيط ويجعله دائما في حالة متوترة "مامسالي لتاحاجة باغي غير ينعس".
ولربما هذه هي مصلحة البلاد العليا!..







