حاوره مدير وكالة نوتيتسيي جيوبوليتيكي السيد السيد إنريكو أولياري
ترجمة ياسين بلقاسم
21 سبتمبر 2013
في 25 يوليوز المنصرم، في تونس العاصمة، تم اغتيال زعيم الجبهة الشعبية محمد ابراهيمي، ذو 58 سنة، أحد رموز المعارضة للحكومة الإسلامية المعتدلة التي تقودها النهضة، النسخة التونسية للإخوان المسلمين.
تعرض إبراهيمي لأربعة عشرة طلقة نارية من طرف مجرمين قاتلين كانوا على متن دراجة نارية، قرب منزله بحي الغزالة أمام أعين عائلته ومنهم إبنته. جاء الاغتيال بعد أشهر قليلة، وفي ظروف مماثلة جدا، من تصفية لزعيم آخر للجبهة الشعبية نفسها، شكري بلعيد من المشهد السياسي.
صعب تحديد من كان وراء الجريمتين الشنيعتين. وإن كما يقوله البعض، كأحزاب الأغلبية أو كما تسعى إظهاره النهضة، يرجع إلى متطرفي التنظيمات السلفية الجد متطرفة مثل نشطاء أنصار الشريعة.
من الأكيد أن تونس اليوم تمر بتوترات سياسية وإجتماعية غير سابقة، نتيجة "ربيع عربي" لم يتحقق كليا بعد، أو حقيقة، كما يذهب الكثيرون، موجه في مسار سريع من طرف متطرفين، بطالة وأزمة إقتصادية، وهي قضايا حولت فرحة نهاية الديكتاتورية إلى خيبة أمل وعدم اليقين.
وهكذا، فإنه من الخطإ الانطلاق من شخص محمد إبراهيمي باعتبار فقط قضية الحادثة، كما فعلت مختلف وسائل الإعلام الغربية: محمد إبراهيمي كان رجل الشهامة في الدفاع بأفكاره الخاصة، وتكوينه السياسي والثقافي وقبوله للآخرين، تلك الشهامة التي انصهرت في شجاعة نموذجية لمن يقدم كل شيء بما في ذلك تقديم نفسه، إلى وطنه.
نوتيتسيي جيوبوليتيكي أرادت الحديث مع أخيه سعد ابراهيمي، المنشغل اليوم لأسباب العمل في الخارج، والمشارك بحيوية في الحياة السياسية التونسية والناطق الرسمي في إيطاليا للتيار الشعبي، حركة تنتمي مع أحد عشر حزب إلى الجبهة الشعبية التونسية.
كأول شيء أريد أن أسألكم هل "الربيع العربي" نفع تونس أم أنه فشل…؟
"إن المعارضة في تونس كانت حيوية في عهد بورقيبة، وإن كانت مقموعة. وكان على "الربيع العربي" أن يولد إذن، فولد جيدا. لم يتعلق الأمر باقتراح الشيوعية، الاشتراكية أو الاسلاموية بقدر ما كان الحث على ثلاثة مبادئ، على ثلاثة مطالب غير قابلة للتصرف للشعب: الحرية، بالخصوص التعبير، الديموقراطية والكرامة. لقد تم تحريفه من مساره من طرف تأثير الثورة الليبية والمصالح الأجنبية، للتذكير فقط أن فرنسا كانت تدعم بنعلي يوم 13 يناير (2011) بينما استدعت يوم 14 يناير اجتماعا للنهضة بلندن حيث كان راشد الغنوشي الرئيس الحالي للنهضة لاجئا. استعمل الحزب الدين، الإسلام، لأن الناس كانوا يعتقدون أنه من يستند إلى العقيدة قد لا يكون مفسدا، وهذا ماحصل. فازت النهضة إذن في الانتخابات، النتيجة التي اعترفنا بها جميعا، وذلك بالإعتماد على الإسلام. كان أخي يحكي لي أنه بينما كان يحمل إلى البرلمان السجادة للصلاة، أن 90 في المائة من برلمانيي النهضة لا يصلون أبدا. وبخصوص الانتخابات، شاهدت شخصيا في الخارج شراء الأصوات بشكل عام: الثمن في إيطاليا من 30 إلى 40 أورو للناخب وكما حدث أن البعض حمل الصندوق إلى المنزل. كيفما كان الحال، نحن تركنا أن تجري هكذا الأمور لأن نظام بنعلي سقط، ولأن مناضلي النهضة كانوا منظمين أكثر وفوق كل هذا كان هناك اتفاقا موقعا من طرف جميع القوات السياسية الذي حدد يوم 23 أكتوبر 2012 كآخر أجل لتقديم الدستور، والحكومة كانت ستستقيل وكانت ستكون هناك إنتخابات جديدة. وهي قضايا لم تتحقق".
- هكذا ضمنت النهضة حكم البلاد في مرحلة إنتقالية جد معقدة…
أول حاجة أن الحكومة التي تقودها النهضة كانت منشغلة بتعويض السجناء السياسيين، تقريبا خاصة الذين ينتمون لنفس الحزب. تم طلب الأموال للجميع خاصة من قطر وسويسرا واليابان وهذا ما كنا نعارضه بقوة: كان يجب أن تستعمل القروض للنهوض بالإقتصاد والقضاء على البطالة. كان بإمكان الانتظار لمرحلة ثانية تعويض ضرر من أودع السجن بدون حق. قطر، بالخصوص، لم تتخلى عن طلب الأموال، لكنها طالبت بالمقابل ممتلكات عمومية من تونس. تم الحديث عن 200 هكتار للنخيل في المنطقة الصحراوية توزر، كما هو الحال لميناء راديس. في أقصى جنوب البلاد وفي نواحي برج الخضراء، تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بمشروع بناء قاعدة عسكرية، رسميا لمحاربة الاتجار في الأسلحة وأيضا خلق مع مرور الوقت دولة صغيرة مستقلة للشعوب الأمازيغية لتلك الزاوية المتاخمة لليبيا، تونس والجزائر. أكيد أن النهضة قد استعملت جزءا من تلك الأموال الواردة من الخارج لتمويل جمعيات اجتماعية القريبة منها، لتخلق هكذا كارتيل لمسانديها، وعمليا، شراء الدعم الشعبي. ولم تعارض على الأقل عندما اندلعت احتجاجات ضد الاتجار في الشباب المبعوثين إلى ليبيا للتدريب والذهاب إلى سوريا، الذين من أجلهم كان حزب الأغلبية يجني أموالا تصل إلى ألفين أورو للشخص. بما في ذلك تم إرسال المئات من الفتيات التونسيات إلى سوريا في عملية أطلق عليها "الجهاد الجنسي"، مقدمات أجسادهن للمناضلين الإسلاميين العاملين في النزاع ضد نظام بشار الأسد. يستنكر اليوم وزير الداخلية بن جدو في المجلس التأسيسي أن العديد منهن رجعن حاملات".
- ماهي المسؤوليات السياسية التي تحملونها للنهضة ولمن حكم البلاد إلى اليوم؟
"إن المشاكل أمام أعين الجميع: نسبة البطالة مرتفعة جدا، الاقتصاد في تقهقر، الحدود مفتوحة للإتجار في الأسلحة، المستوى الأمني في حدوده الدنيا التاريخية، البلدان الأجنبية كقطر تطاول أياديها على كل شيئ بما في ذلك البترول. ثم هناك نمو لسوق مزدهر لباعة متجولين الذين غالبا ما يمولون جهادييهم والإخوان المسلمين. الربح الوحيد لمابعد الثورة كان حرية الكلام، لكن هنا أيضا تم توقيف صحافيين الذين عبروا عن أرائهم ضد الحكومة. وحتى المليشيات الذين كانوا في الماضي تحت خدمة بنعلي أطلقوا اللحى والآن يوجدون رهن إشارة مباشرة للغنوشي وبالضبط فقد أوضح وزير الداخلية لطفي بنجدو أنه لم يفلح في حل هذه الجماعة المسلحة".
- لماذا تم إغتيال أخاكم محمد؟
"لأنه دافع عن الإسلام الحقيقي، وصرح جماهيريا وفي البرلمان كيف تستغل العقيدة من طرف سياسيي الأغلبية من أجل تخدير المجتمع. تم اغتياله لأنه كان بجانب الفقراء، الفلاحين، الطلبة وكان يدافع بإستماتة عن حقوق المرأة ومشاركتها الفعالة في المجتمع. في مركز تفكيره كان حاضرا مفهوم "المواطنة" التي يجب حمايتها بغض النظر عن العقيدة الدينية، من الانتماءات السياسية ومن التجربة الفردية. تم اغتياله فوق كل هذا لأنه فضح أكاذيب وزور النهضة، التي توجد منذ 1941ضمن دفتر الأداء للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى، اللتان يعملان دائما على خلق خصومات بين الديانات وبين العقائد".
- أنتم تضنون أيضا، فيما ذهب إليه وزير الداخلية، أنه يجب البحث عن مسؤولية إغتيال محمد في التيارات المتطرفة للجماعة السلفية؟
في الثانية صباحا من يوم 24 يوليوز، بمناسبة اجتماع بصفاقص، سبق لأخي أن قال أن عملنا السياسي صعب ومؤلم: من الأفضل لمن لا شجاعة له أن يفكر وينسحب. بنجدو يتهم السلفيين بالاغتيال من أجل تهدئة الساحة، لكن الأمور ليست كما يعتقد: يفعل ذلك فقط من أجل إنقاذ ماء وجه الحكومة".
- لكن الحكومة تقاوم السلفيين، مثلا في جبال الشعانبي، الغير البعيدة عن الحدود الجزائرية، وتم قتل العديد، كما هو الحال بمناسبة اقتحام المنازل….
"إن الذين لم يقتلوا (برفع الفاء وبفتح الحاء) تم نقلهم إلى السجن وبعد أيام قليلة أصبحوا أحرارا. وحتى المتهم رقم واحد في إغتيال أخي تمت مشاهدته يجول على بعد مائتي متر من منزله".
- احكوا لي عن أخيكم؟
"كان شخصا طيبا جدا، هادئا، قادر على صرف أجرته كاملة من أجل مساعدة الفقراء، لدرجة أنه أحيانا يترك أداء قروض المنزل. أتذكر مرة أنه هاتفني ليقول لي أنه بقي حاصلا في الطريق السيار بدون بنزين … وأكيد أننا عرفنا أنه كان في جيبه 50 دينار، وأنه ذهب لزيارة مريض في المستشفى. ومرورا أمام غرفة رآى شخصا غير معروف، مريضا، يعاني من حر شديد: فأعطى 50 دينار التي كانت في جيبه إلى إبن المريض ليشتري آلة التهوية، وإن كان بإمكانه شراء البنزين بتلك النقود. حقيقة أن المتهم بإغتياله قد تكون تمت إعانته من طرف عائلتي في الماضي، كالعديد من اللذين كانوا يختبؤون عندنا من القمع، أناس أعطونا بظهرانهم فيما بعد. قبل وفاة محمد بقليل، تحدثنا معه في الحزب لإقناعه بقبول حراسة شخصية لأنه استمرت وصول تهديدات بالموت: رفض لأنه كان يقول أن كيندي أيضا قتل رغم وجود ستين من الحرس الشخصي… أنا أكدت له أنه قد يترك أما، أنا، أرملة وخمسة أبناء يتامى، وحزب بدون قيادة. لكنه أجاب أن حياته في يد الله".
- لكن إحدى الإنتقادات المقدمة إلى المعارضة تشمل أن شخصيات كبلعيد وابراهيمي كانوا يظهرون كثيرا، كأنهم راية…
"يتعلق الأمر بزعيمين للحزب، برلمانيين أغتيلوا، اللذين لا نعرف بعد من هم القتلة. تم اغتيالهم لأسباب سياسية، وليس لأنهم لصوص أو مجرمين، ولهذا لنترك أن يصبحوا نموذجا للمجتمع… أحد من النهضة، أقصد وزير الممتلكات، قال هامسا أن محمد مات وربما كان سيموت أيضا في حادثة سير…".
- جزء من شمال إفريقيا والشرق الأوسط في اشتعال: بناءا على مستوى التوتر، هل تشعرون بأن يحدث نفس الشيئ في تونس؟
"أنا أضن أننا قريبون إلى حرب أهلية. العلامات كثيرة: يستمر ضبط الأسلحة في أي مكان؛ معروف وجود في جبل الشعانبي مخيم للتداريب؛ الحكومة عمليا محاصرة وهي ضد أغلبية الساكنة؛ الألعاب النارية في كل مكان، تقريبا لاستئناس أذن الناس بالانفجارات، التي قد تختلط هكذا مع طلقات السلاح".







