يوسف العزوزي
كاتب صحفي مغربي
عجبت لقوم يتابعون بأم العين قتل السوريين للسوريين أنفسهم بأنفسهم و لا زالو يرددون ما يصنعه مطبخ الجزيرة القطري الذي تحول من مبدأ الرأي و الرأي الآخر إلى إعلام حربي، رأس حربة في الهجوم على النظام السوري.
عجبت لعقول قوم يعلمون أن مصير سوريا تحدده المصالح الأمريكية و الروسية و لا زالو يتحدثون عن ثورة شعب، ضاعت مكونات حضارته بين مشروع صهيوني و آخر فارسي.
عجبت لقوم يسمون حركات تونس ومصر و ليبيا المدعومة من الغرب إعلاميا و سياسيا و ماليا و عسكريا ثورات، و كأن هؤلاء يجهلون مسمياتهم أو يجهلون الغرب.
ظهر جليا في حادث اختطاف الجنود المصريين عجز الجيش المصري عن التعامل عسكريا لإنقاد أفراده و اتضح أن ما سمي بالثورة لم تأت لمصر بسيادتها التي كان يتهم المخلوع” حسني مبارك” بأنه يبيعها لإسرائيل، هاته الأخيرة التي ارتاحت بشكل نهائي من صواريخ حماس بعد “الثورة”، كما بدى الغموض واضحا جراء أزمة الحكم في تونس لأن المحرك لما يقع هناك خارج هنالك، زد أن انتشار الأسلحة بين أيدي المتشددين في ليبيا وفق خرائط جغرافية قبلية، يدفع إلى التفكير في الأسوء في القادم من الأيام، ما يفسح المجال أمام فرنسا و إيطاليا لاستغلال الثروات النفطية الليبية لعشرات السنين حسب ما تمليه العقود التفضيلية التي و قعها حلفاؤهم “الثوار”.
و كـأني بعلاقية الوحش الليبيرالي تخاطب العرب قائلة:” أيها الأغبياء ثوروا على بعضكم البعض، و أضعفوا دولكم و أنهكوها اقتصاديا و سياسيا و عسكريا”. و تأمر الجزيرة و اليوتوب و العربية و غيرها ” أكثروا من زرع الحقد و العداوة و البغضاء بين الأغبياء، انفثوا السموم التي يستحيل ترياقها عبر السنين، ركزوا على كل أنواع التفرقة العرقية و القبلية و الدينية و المذهبية و العقائدية بين العربان.”، فأنا لست بحاجة إلى التضحية بدماء جنودي الطاهرة…، فقط باستعمال الإعلام و السلاح يمكنني أن أثير النعرات بينهم و أثير انفعالاتهم لدفع الأخ لاقتلاع قلب أخيه من بين أضلاعه و التلذذ بأكله…، هكذا يسهل السيطرة عليهم و على مستقبلهم.
من جهة أخرى، طبيعي أن يشرع نصف من أسموا أنفسهم بالثوار في جل هذه البلدان في الاستعداد لإسقاط النصف الآخر، لأن المشروع الإديولوجي لكليهما قائم على إلغاء الآخر(شيوعي و إسلامي) ، لكن من غير الطبيعي أن ننتقل بدولة من حالة إلى أخرى بحركة تحمل في طياتها أسباب التفجير و التصادم قبل التفكير المسبق في مآل هذه الحركة من خلال إرساء مشروع فكري و سياسي و اقتصادي و ثقافي منسجم واضح المعالم. و بالتالي يبدو أن الدكتور محمد عابد الجابري كان محقا في توصيف العقل العربي أثناء دراسته لبنيته، بالغير العلمي القائم على العاطفة و الانفعال .
فالسلوك الذي يقود شعوبا إلى مصير غير محسوب علميا و عمليا لا يمكن وصفه إلا بالغباء، و الحاصل أن ما سمي بالربيع العربي هو في واقع الحال “ربيع غباء عربي”.
أقام ماكس فيبر نماذج أربعة للفعل الإنساني هي:
الفعل التقايدي: الذي يستند الفاعل من خلاله على العادات و التقاليد لرسم غاياته و أهدافه.
الفعل الانفعالي : و هو و ليد مثيرات آنية (إحراق البوعزيزي لنفسه مثلا) يجيب عنها الفاعل بطريقة مباشرة و ارتجالية.
الفعل المعياري: لا يهتم فاعله بالنتيجة بقدر اهتمامه ببلوغ القيمة التي تحكمه.
الفعل العقلاني الغائي: يقيم الفاعل من خلاله علاقة موضوعية بين الوسائل و الغايات التي تنتهي به إلى أداء الكفاية الأمثل و تحمل الكلفة الأقل، و الفعل العقلاني يتطلب تخطيطا مسبقا و استقراءا للنتائج و من ثم توقعا لكل أفعال الآخر بتمظهراته.
و لعل ما نتابعه اليوم يضع السلوك العربي في خانة الفعل التقليدي و الانفعالي و المعياري و يرقى بالفعل الغربي إلى العقلانية الغائية.
و كأن التاريخ يعيد نفسه، فالثورة العربية الكبرى التي قام بها الشريف حسين حاكم مكة ضد الدولة العثمانية في يونيو عام 1916 بدعم من بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى. وتمكن أفراد القبائل الذين انضموا إلى الحركة من تفجير خط سكة قطارات الحجاز بمساعدة ضابط المخابرات البريطاني لورنس، ومنعوا وصول الدعم التركي إلى الحجاز، وطردوا الجيش التركي من مكة والمدينة والطائف وجدة وينبع والعقبة ومعان ودمشق وأخيرا حلب في عام 1919.
و كانت مبادئ الثورة العربية آنذاك قد وضعت بالاتفاق ما بين الحسين بن علي وقادة الجمعيات العربية في سوريا والعراق في اتفاق شفهي غايته استقلال العرب وإنشاء دولة عربية واحدة، وقد وعدت الحكومة البريطانية العرب من خلال مراسلات حسين مكماهون (1915) بالاعتراف باستقلال العرب مقابل اشتراكهم في الحرب إلى جانب الحلفاء ضد الأتراك.
لكن في الوقت نفسه كانت اتفاقية سايكس بيكو سازانوف (عام 1916)، تؤسس لتفاهم سري بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من الإمبراطورية الروسية على اقتسام الهلال العربي الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الامبراطورية العثمانية، المسيطرة على هذه المنطقة.
و تم الوصول إلى هذه الاتفاقية بين نوفمبر من عام 1915 ومايو من عام 1916 بمفاوضات سرية بين الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس، وكانت على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارات خارجية فرنسا وبريطانيا وروسيا القيصرية بموجبها تم تقسيم الهلال الخصيب ، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال سوريا ولبنان ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي و بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي .
إن من يريد أن يثور عليه أن “يقرأ” ويعرف و يؤسس لبناء أسرة بذوات عارفة و منتجة. إن من يريد أن يثور عليه أن يشتغل من أجل دفع دولته لرفع ميزانية البحث العلمي، لفسح الطريق أما ثورة علمية و اقتصادية و سياسية و عمرانية و في البنية التحتية، عندئذ سننتج أجيالا متمكنة من الوسائل المعرفية لتفرق بشكل دقيق بين الثور و الثورة.








