أجيال بريس
يوسف العزوزي/الوطنية
توفي الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي و في نفسه غصة عدم توحيد الفضاء المغاربي،و كأنه استشعر خطر مبدأ القطرية و الشوفينية و الحسابات الصغيرة جدا، لأنه كان رجلا عظيما كبيرا، عرف بذكائه الخارق و دهائه و حنكته كيف يدبر الصراع مع المستعمرين الفرنسي و الإسباني. لكن تاريخ الخطابي العظيم لا يمكن إلا أن يكون مشوها إذا اختزل في حلقة واحدة من حلقات مشروعه الكبير، لأن ثورته تتميزت باختلافها عن حركات المقاومة المسلحة(1949-1956) الساعية لإقامة دولة قطرية مستقلة على تراب ما كان يسمى المغرب الأقصى أو مراكش، عندما رسمت معالم أوسع من الدولة القطرية لأن تصوره كان يعانق الفضاء المغاربي و يرنو إلى العالمين العربي و الإسلامي، لأجل هذا فرضت راديكالية مشروع الخطابي على القوى الاستعمارية الاتحاد بين فرنسا و إسبانيا لمقاومته و بكل شراسة و بكل أنواع الأسلحة بما فيها الكيماوية.
لم يكن الخطابي يعلم أثناء تأسيسه لجيش تحرير المغرب العربي سنة 1947 أن نكوصا سيصيب مشروعه الكبير و يتقهقر به إلى مرحلة سابقة و محطة تكتيكية أساسية لمقاومة المستعمر، عندما أعلن عن قيام جمهورية ريفية (1921-1926) ، و لا يعلم أمير الريف أهداف من اختزلوا مقاصد مشروعه المغاربي العروبي الوحدوي في مخطط انفصالي عن الوطن ، لكن روحه المحلقة فوق سماء دمشق و بغداد و صنعاء و طرابلس و القاهرة من جهة نيويورك و موسكو و برلين و باريس و لندن و أمسطردام من جهة أخرى قد أدركت خطورة إحياء النعرات العرقية في تفتيت المجتمعات و تقسيمها ،عمل يخطط له خبثاء و ينفذه عملاء و يتبعهم أغبياء .
فبين خانات العمالة و الغباء و التنكر لروح الأمير الخطابي و مشروعه الوحدوي العروبي و الإسلامي بل و تشويهه أضع أولئك الذين يرفعون رايات الانفصال عوض راية الوطن، لأن الركوب على اجتزاء مرحلة من مراحل الزمن السياسي لعبد الكريم الخطابي سيفسح المجال أمام خبثاء و عملاء من طينة أخرى للركوب على مرحلة صداقة أمير الريف مع إسبانيا لرفع راية هذه الأخير فوق التراب المغربي. إذ بناءا على وثيقة من مؤلف ماريا روسا، و هي رسالة خاطب من خلالها الخطابي ملك إسبانيا بقوله: “سيدي ، أنا محمد بن عبد الكريم الخطابي من مواليد أجدير من قبيلة أيت ورياغل …بعد التعبير عن عظيم الاحترام يشرفني يا صاحب الجلالة أن أعرض عليكم مايلي: منذ ما يربو على ثلاثة سنوات و أنا أزاول مهنة التدريس بحماس منقطع النظير في سبيل نشر المعرفة في القبائل المجاورة و مساعدة إسباينة في ا المشروع الحضاري، كان لي عظيم الشرف بأن كرمت عدة مرات من طرف زارة الدولة الإسبانية بسبب غيرتي و تفاني في أداء هذه المهمة ، علاوة على هذا عبرت لأكثر من مرة عن مناصرتي للأمة الإسبانية، ليس من طرفي فقط و إنما من قبل والدي الذي كان دائما ينحاز إلى صف إسبانيا في القضايا التي تحصل حجرة النكور و ألبر المجاور..ففي سبيل هذه الأمة و خدمة لجلالتكم أبقاكم الله خدمة للصالح العام” .
و يتجاهل الخبثاء أن الخطابي أعلن حربا أسطورية على المستعمر اقتحمت من خلالها القوات الريفية المحور الحيوي لورغلة العليا الواقع على الحدود الفاصلة بين المنطقتين الخاضعتين لفرنسا و إسبانيا بالمغرب ووجدت نفسها وجها لوجه مع الفرنسيين، و كان الاصطدام حتميا بين الطرفين حسب ما أشار له عبد المجيد احساين الأستاذ الباحث بكلية الأداب بالمحمدية، مشيرا في مقال معنون بجمهورية محاند نعبد لكريم في العدد 28 من مجلة “زمان” إلى أن القوات الريفية ألحقت بالجيش الفرنسي بين ماي و يونيو 1925 هزائم نكراء أربكت قائدها و المقيم العام بالإيالة السلطانية، الماريشال ليوطي الذي أرغم على تقديم اسنقالته في شتنبر 1925 و كانت الحكومة الفرنسية قد وقعت اتفاقية تحالف عسكري مع إسبانيا، و سلمت قيادة العمليات العسكرية في الريف للمماريشال بيتان ,و أصبح الريف بذلك مسرحا لحرب من أكثر الحروب فظاعة في تاريخ المغرب المعاصر، تحالفت فيها إسبانيا و فرنسا الاستعماريتان ضد الجمهورية الريفية الفتية، و نظرا لأان الحرب لم تكن تجري بين طرفين متكافئين فقد أرغم الأمير على الاستسلام في ماي 1926، و بعد استسلامه نقل في شهر يونيو إلى فاس حيث مكث امدة ثلاثة أشهر نفي بعدها إلى جزيرة لاريينيون بالمحيط الهندي و ظل بها إلى شهر ماي 1947 حيث ستبدأ بالنسبة له مرحلة أخرى من النضال من }ل الحرية و الاستقلالال
الحرية و الاستقلال”.
و بناءا على ماسبق فإن إعلان الصداقة مع إسبنيا و إبداء الولاء لها و إعلان الجمهورية الريفية لم تكن سوى مرحلتين من مراحل تاريخ بنعبد الكريم الخطابي خدمة لمشروعه الكبير الذي حاول الولوج إليه من “المدرسة الوطنية” التي اعتمدها في برنامجه التعليمي الذي حرره سنة 1923 و الذي يرتكز أساسا على تعلم قواعد اللغة العربية باعتبارها وسيلة ضرورية لاكتساب المعرفة في مجالات التاريخ و الجغرافيا و الأدب مع تركيز المقرر الدراسي على دروس اللغة العربية.
و قد راهن الخطابي على فعالية المقاومة المسلحة و الريادة المحتملة لضباطه، و الدينامية الشعبية الوحدوية على قاعدة السلام و العروبة، هكذا أنشأ الخطابي في مصر و في ليبيا معسكرات للتدريب ةة دقق مع ضباطه في الجناح العسكري ل”لجنة تحرير المغرب العربي”التي كان يرأسها أخوه بصفة سرية الخطط الاستراتيجية و الميدانية للجيش المغاربي المزعوم إنشاؤه و تطويره نهاية أربعينيات القرن المنصرم.إلا أن التطورات الميدانية الفعلية ستسير في اتجاه قيام جيوش تحرير مستقلة بعضها عن بعض، و يستسارع التاريخ في المنطقة المغاربية منذ نهاية 1954 و بداية 1955 و سيدخل السياسيون المغاربة في لقاءات مع السلطات الفرنسية و ستقترح هذه الأخيرة صيغا للاشتراك في تدبير السلطة قد تؤدي إلى الاستقلال و سيعتبر الخطابي أن هذا المنحى مناف لميثاق”لجنة تحرير المغرب العربي”القائل بلا مفاوضات إلا بعد إعلان الاستقلال و لا استقلال إلا شاملا للأقطار الثلاثة ، و كان تخوفه الأكبر أن يكون الثمن السياسي الاستراتيجي لاستقلال تونس و المغرب هو بقاء الجزائر فرنسية، و هذه هي الخلفية السياسية لغضب الأمير الخطابي على الحبيب بورقيبة و على علال الفاسي.
إقليم تازة عموما و ساكنة أجدير و منطقة الريف على وجه الخصوص ، تستعيد في الثاني أكتوبر من كل سنة فصولا من تاريخها البطولي بانطلاق عمليات جيش التحرير بالشمال دفاعا عن المقدسات الدينية والوطنية وتحقيق الوحدة الترابية للمملكة ، فمثلث الموت الذي كان يشمل المناطق الممتدة بين بورد وأكنول وتيزي وسلي بقلب جبال الريف، لا زال يستحضر ما لاقته قوات السلطات العسكرية والأمنية الاستعمارية من مقاومة شرسة وما تكبدته من انتكاسات وضربات موجعة في عدة معارك بهذه المناطق و ذلك بعدما أقدمت سلطات الحماية يوم 20 غشت 1953 على الاعتداء على شرعية البلاد ومقدساتها بنفي جلالة المغفور له محمد الخامس والأسرة الملكية، فتفجر غضب شعبي عارم في جميع ربوع المملكة منها تازة “التي يسجل التاريخ مشاركتها الفعالة والوازنة في تأسيس فروع وخلايا المنظمات السرية التي قامت بعدد من العمليات الفدائية المتنوعة”.
و أطلق أبناء تازة يوم ثاني أكتوبر 1955 العمليات الأولى لهذا الجيش في الشمال بشنهم هجمات عنيفة على القوات الاستعمارية، محققين انتصارات ستبقى راسخة في أذهان قبائل الإقليم.
ووفاءا لروح المشروع الوحدوي المغربي المغاربي العربي الإسلامي للراحل بنعبد الكريم الخطابي ، و لدماء شهداء مثلث الموت بالريف و بناءا على تشبت التول و البرانس و غياتة و ريافة و بني وراين بالوحدة الترابية المغربية من طنجة إلى لكويرة تستنكر ساكنة إقليم تازة وضعها على خريطة “الجمهورية الريفية” المزعومة التي ترفعها الخلايا النائمة لمشروع الفتنة، لأن تازة التي أنجبت قيادات وطنية من طينة الجنرال بناني(رحمه الله) و عبد اللطيف الحموشي و الجنرال الكوش و الجنرال اليعقوبي و عبد المجيد بلماحي و عبد اللطيف الغساسي لا يمكن إلا أن تتصدى إلى كل ما يمس وحدة الوطن حتى و إن تعلق الأمر بأوهام في رؤوس مخدرة.







