قصة حياة أول طيارة مغربية الشهيدة ثريا الشاوي

ajialpress11 مارس 2013
قصة حياة أول طيارة مغربية الشهيدة ثريا الشاوي

ديوان أصدقاء المغرب

« أيتها الأخوات المغربيات ارفعن رؤوسكن عاليا، لأن منكن ثريا الشاوي ».

 

-1-

مقدمة

هنا قصة امرأة مغربية استثنائية، إسمها ثرياالشاوي..

 ولمن لا يعرف ثريا الشاوي، فإنها كانت وعدا مغربيا جميلا، ومثالا

مشرفا للمرأة المغربية، كونها كانت أول طيارة مغربية في زمن كانت حتى

الطيارات الأروبيات والأمريكيات واليابانيات قليلات جدا، بل تعد على رؤوس

أصابع اليد الواحدة. هي عنوان اعتزاز لكل مغربي، وإذ نستعيد ذاكرتها اليوم

فإنما نستعيد جوانب مشرقة من ذاكرة المغاربة الجماعية. ورغم أنها قتلت في

أول سنة للإستقلال، في واحدة من أبشع الجرائم السياسية في المغرب، فإنها

بقيت خالدة، وطوى النسيان قتلتها. إننا سوف نرافق قصة حياتها، كما صدرت في

كتاب جديد للأستاذ عبد الحق المريني مدير التشريفات والأوسمة، أصدرته

مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث، بعد أن كان يعتقد أنه وثيقة ضاعت

إلى الأبد، كون الطبعة الأولى للكتاب صدرت سنة 1956، باسم مستعار لشاب

مغربي وطني طموح، هو الأستاذ عبد الحق المريني.. هي قصة أخرى لعنوان من

عناوين الشرف في هذه البلاد، نسعد أن نقدمها للناس وللأجيال الجديدة..

 

الكتاب الذي نقدمه هنا، له قصة.. وصاحبته، لوحدها قصة قائمة الذات.. لأنها

واحدة من علامات الشرف في المغرب، ولأنها أيضا واحدة من العناوين عن الفرص

التي أضاعها المغرب والمغاربة في كسب أسباب التقدم والرقي والنماء.. كان

الكثيرون يعتبرون الكتاب قد فقد وضاع، لأنه صدر أول ما صدر سنة 1956، وكان

قد صدر باسم مستعار لشاب مغربي طموح، ووطني أصيل، سيصبح في ما بعد واحدا

من كبار مسؤولي الدولة المغربية، ولايزال.. وقوته آتية من أنه الكتاب

التوثيقي الوحيد المتوفر عن صاحبته، بتفاصيل غاية في الأهمية، وبوثائق

تعتبر اليوم مرجعا هائلا في ذاكرة التاريخ المغربي الحديث. وحين نقدمه

اليوم، فلأنه شهادة عن مرحلة، منحتنا مؤسسة الزرقطوني للثقافة والأبحاث،

من خلال إعادة إصدارها له في حلة جديدة، منقحة ومزيدة، وفي طباعة رفيعة

وجد احترافية، أن نستعيد من خلاله ذاكرة امرأة استثنائية في تاريخ المغرب

الحديث، لم تنل حقها بما يكفي من الوفاء والتقدير والتمثل لما ترمز إليه

من قوة انطلاق، وما كانت تعد به من أمل لصالح المرأة المغربية..

المرأة تلك، هي الشهيدة ثريا الشاوي، أول طيارة مغربية. والكتاب هو سيرة

حياتها وتبعات اغتيالها بالدارالبيضاء يوم 1 مارس 1965 بالدارالبيضاء، من

قبل عصابة أحمد الطويل الشهيرة، التي كانت أشبه بمافيا بالمغرب كله، نفذت

العديد من عمليات الخطف والقتل والسرقة، مباشرة بعد حصول المغرب على

استقلاله. لكن، الجميل الذي سنفاجئ به في مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة

والأبحاث، ليس فقط التمكن من الحصول على تلك الوثيقة التاريخية الهامة،

بما تتضمنه من معلومات ووثائق ناذرة، بل أن نكتشف أن الشاب الذي جمعها

ونشرها باسم مستعار حينذاك، ليس سوى الأستاذ الفاضل، عبد الحق المريني،

مدير التشريفات الملكية منذ سنوات، المعروف بنزوعه الثقافية الأصيلة،

وأيضا بعمق تكوينه الأكاديمي، وبمحبته للفكر والأدب المغربيين في كافة

أبعادهما ومدارسهما. فكان أن جددنا الإتصال به، لنطرح عليه فكرة إعادة

إصدار وثيقته النادرة تلك، فكان الأمر مفاجئة حقيقية له، لأن ذلك إنما

يترجم أن العمل الخير لا يضيع، حتى وإن علاه غبار الزمن، وأن تمة أياد

لابد أن تأتي ذات يوم، كي تنفض الغبار العابر، العالق ذاك بالذاكرة. كانت

البداية بإحياء المؤسسة لذكرى الشهيدة المغربية، التي من خلالها تم تكريم

المرأة المغربية المقاومة، حيث تداعى للقاء عدد من الأسماء من عائلة أول

طيارة مغربية، وكذا العديد من الشخصيات المغربية. ثم أعدنا طبع نسخة جديدة

من الكتاب، لم تدفع إلى مطابع النجاح الجديدة بالدارالبيضاء، إلا بعد أن

أعاد الأستاذ عبد الحق المريني الإطلاع عليها، وتدخل في العديد من

التفاصيل، وأعطى موافقته النهائية بالنشر. فكان أن طبع الكتاب ونزل إلى

الأسواق يوم 18 يونيو 2009، الذي يصادف اليوم الوطني للمقاومة، المخلد

ليوم استشهاد بطل المقاومة المغربية ورمزها الشهيد محمد الزرقطوني.

الحقيقة، أن قصة ثريا الشاوي، قصة مثيرة وغنية على أكثر من صعيد. لأنها

ترجمان لما كانت تعد به المرأة المغربية من أدوار في بدايات الإستقلال

المغربي، من الإستعمارين الفرنسي والإسباني، وكذا من مكبلات التخلف

والتأخر التاريخي للأمة المغربية. ذلك أن مطلب الإستقلال لم يكن مشروعا

وطنيا مغربيا لاستعادة الحرية والأرض والسيادة وعودة الشرعية السياسية

ممثلة في الملك الوطني محمد الخامس رحمه الله وعائلته الصغيرة من المنفى،

بل إنها كانت أيضا مشروعا لإنهاض الذات المغربية، واستعادة التصالح مع

حركية التاريخ من خلال الإصطفاف في صف أسباب التقدم والنماء. وفي صلب تلك

الإستعادة وذلك الإصطفاف، أن يتحرر الفرد المغربي من التخلف المكبل

لطاقاته. أي أنه في صلبها كان الإنسان، تلك الثروة المغربية الهائلة التي

لا تقدر بثمن. وثريا الشاوي بهذا المعنى، كانت وعدا ومثالا، لما يمثله

المغربي والمغربية آنذاك من طاقة هائلة للإنطلاق من أجل ربح الزمن الضائع

واستحقاق التقدم. وهي بذلك تشبه العديد من النساء المغربيات، اللواتي ولجن

وظائف لم يكن ليتخيل أحد 20 سنة فقط قبل 1955، أن المرأة المغربية سوف

تلجها.

إننا حين نستعيد تفاصيل حياتها، وتفاصيل المأساة التي خلقتها الجريمة

الكبرى التي أوقفت مسار حياة فتاة مغربية مفعمة بالطاقة والحيوية، وأصيلة

في روحها الوطنية العالية، وفي وعيها السياسي والقومي، إنما نريد أيضا، أن

نصالح المغاربة ( إناثا وذكورا ) مع واحدة من مثل القيم النبيلة في

ذاكرتهم. أن يتمثلوها ليس كلحظة لضياع فرصة للتقدم والشرف، بل أساسا كمثال

لما تصنعه الإرادة الواعية الصادقة في الشباب المغربي الساعي للبناء. وأن

في هذه البلاد الكثير من الطاقات الخيرة، التي لا تضيع أعمالها مهما صغرت،

في أثر الذاكرة. هي أساسا لحظة للأمل، في بحر مفتوح لليأس ( وربما للتيئيس

) في بلادنا. وهي أيضا مناسبة للتأكيد أن المعركة كانت ولاتزال مفتوحة بين

الجهل والتخلف وبين حلم التقدم والنماء، في بلادنا.

بالتالي. إذا كان لتركيا أن تفخر إلى اليوم بابنتها « صبيحة »، التي كانت

أول طيارة في بلاد الأناضول، التي عاشت واستفادت بلادها منها، خاصة في

مجال التربية والقيم، ومعنى إشراك المرأة التركية في صناعة الغد المشترك

للأتراك.. وإذا كانت لمصر ابنتها « لطيفة النادي »، التي ظلت مفخرة لأبناء

النيل، خاصة في زمن الناصرية، وشكلت مثالا لانخراط المرأة المصرية في

معمدان إعادة بناء مصر الجديدة، وتوسيع هامش الطبقة المتوسطة بها، قبل أن

يتراجع المشروع المصري على كافة الأصعدة، الذي خلق لنا اليوم واقعا مأزوما

يؤدي المصريون كلهم ثمنه غاليا في أسباب التقدم والنماء.. فإن للمغرب

ابنته « ثريا الشاوي »، ذلك الوعد المغربي الجميل الذي اغتالته يد آثمة،

ومن خلال تلك الجريمة البشعة، الجبانة، المجانية، اغتالت حلم بلد بكامله

في لحظة جيل مغربي حي وناهض.

في هذه الحلقات، سوف نرافق مسار حياة ثريا الشاوي، من الميلاد حتى الوفاة.

سوف نرافقها وهي في المدارس الإبتدائية، ثم الثانوية، ثم في مدرسة الطيران

بتيط مليل بضواحي الدارالبيضاء. سوف نرافق قصة علاقتها الهائلة بوالدها،

الذي كان له الفضل أن تكون ما كانت. سوف نقف عند قصص مرضها بمرض خطير في

الرئة. سوف نقف عند علاقتها بالملك الوطني الراحل محمد الخامس وبالأميرات

من بناته، وبولي العهد آنذاك، الملك الراحل الحسن الثاني وشقيقه الراحل

الأمير مولاي عبد الله. سوف نقف عند علاقتها بباقي الطيارين عبر العالم (

خاصة النساء منهن ) والرسائل التي وصلتها منهن وكذا من الأمير محمد بن عبد

الكريم الخطابي ومن كبار شخصيات الدولة المغربية. سوف وسوف،، نقف أساسا

عند حياة امرأة مغربية، تستحق أن تحكى وأن يفتخر بها. لأنها من نوع

التجارب الحياتية، التي تجعل الواحد منا لا يتردد في أن يقول لنساء

المغرب: « أيتها الأخوات، ارفعن رؤوسكن عاليا، لأن منكن ثريا الشاوي »..

 

-2-

لمادا سحب عبد الحق المريني اسمه من الطبعة من الكتاب؟!

ولدت الشهيدة ثريا الشاوي، يوم 14 دجنبر 1937. ولو قيض لها أن تعيش، وأن

يمنحها القدر أن تحيا في مغرب الإستقلال، لكانت اليوم في الثاني والسبعين

من عمرها. لكن جريمة مجموعة أحمد الطويل، كان لها رأي آخر، حيث حرمت

المغرب من واحدة من أهم أطره الوطنية الواعدة. وكما ورد في كتاب الأستاذ

عبد الحق المريني، فإنها قد ولدت بالتحديد على الساعة السادسة وعشر دقائق

بحومة القلقليين القديمة بمدينة فاس. مضيفا بلغة أدبية شفيفة، للشاب الذي

كانه سنة 1956، تاريخ صدور الطبعة الأولى من الكتاب الوثيقة: « ظلت ثريا

تنقل بعض خطوات الطفولة، تحرسها مواكب الحنان، وترعاها عيون الرعاية، من

أبوين كريمين. وما إن خلعت على جسمها الغض ثوب السنة السادسة من عمرها،

حتى أخدت دلائل النجابة المبكرة تبدو عليها، وطفقت عليها أمارات الذكاء

الوقاد تتجلى منبئة بمستقبل زاهر، وحياة ستكون مسرحا لجلائل الأعمال. وقد

امتازت أيام طفولتها بأوصاف من الغرائب بمكان، كالزهد في جميع مسائل اللهو

وأسباب التسلية، والهيام المفرط بالألعاب الميكانيكية الصغيرة، كالطائرات

وغيرها»..

كان حلم الطيران إذن حلم طفولة بعيدة، بالنسبة لثريا الشاوي. والطيران

حينها، بالنسبة لجيلها، الذي لم تفتنه بعد أسباب الدعة التكنولوجية

المتوفرة في ما بعد للأجيال المتلاحقة مغربيا، كان فرحا بلا ضفاف،، كان

حلما مغريا يغدي الخيال ويجعله يسافر في التحليق في سماوات العلا، التي

ليست فقط سماوات الله الواسعة، بل أيضا سماوات العلم والمعرفة وامتلاك

ناصية المعرفة التي تسمح للمغربي والمغربية أن تملك الأسباب للتمكن من

التكنولوجيا الحديثة، وضمنها الطيران. بالتالي، فإن أمل ركوب الطائرة

وقيادتها، كان تحديا، وكان رهانا للفوز وإتباث الذات، مما يترجم حاجة جيل

كامل من مغاربة ذلك الزمن في استحقاق أيامهم، واستحقاق أسباب التقدم. وقبل

أن نواصل رحلة حياة ثريا الشاوي في سنوات طفولتها الأولى، ودور والدها في

تربيتها تربية حديثة، عقلانية، متطورة، لنتوقف قليلا، عند التقديم الذي خص

به الأستاذ عبد الحق المريني الطبعة الثانية من كتابه « الشهيدة ثريا

الشاوي، أول طيارة بالمغرب الكبير »، الصادر عن منشورات مؤسسة محمد

الزرقطوني للثقافة والأبحاث، يوم 18 يونيو 2009، أن في ذلك التقديم بعض من

تفسير أسباب كتابته لذلك الكتاب منذ أكثر من 50 سنة.. لقد كتب يقول:

« هذه صفحات من حياة فقيدة الطيران الوطني المرحومة ثريا الشاوي.. صفحات

من تضحية في سبل الوطن.. صفحات من نهضة المرأة المغربية وانتصاراتها..

صفحات خلدتها الفقيدة، فيحق إخراجها للوجود.

إن ثريا كافحت وناضلت ودافعت عن حقوق وطنها المغصوبة، وفتحت في وجه الفتاة

المغربية باباً من أبواب تطورها وتقدمها. أرادت أن ترسم لها أروع الأمثلة

في التضحية والبسالة والإقدام، فطارت تحلق في سماء المغرب، أحبت أن تكون

ممن انتشل الفتاة [ المغربية ] من كبوتها، وأنقذها من وهدتها، فمثلت على

خشبات المسرح المغربي، وكتبت وخطبت في حفلات عيد العرش، وواصلت الخطى، حتى

صوبت نحوها يد أثيمة رصاصة في يوم من الأيام، التي عملت من أجلها، وناضلت

كأخواتها في سبيل تحقيقها، أيام استعادة الحرية والعزة والكرامة. فجعلت

منها تلك الرصاصة شهيدة من شهداء الوطن.

فإذا تخيل الذين أجرموا في حقها ـ بأي دافع كان ـ أنهم قتلوا ثريا، فإن

ثريا لم تمت ولن تموت أبداً، أو حطموا ركنا من أركان النهضة النسوية

بإطفاء شعلة من شعلها، وإخماد صوت من أصواتها، فإن فكرة ثريا حية خالدة

إلى الأبد.

فجاءت هذه الصفحات لتضم أعمال ثريا الخالدة، وتحرس وثائقها من أيدي

العفاف، وتصونها بين ثناياها من الاندثار والضياع، في طبعة جديدة من طبع

ونشر مؤسسة محمد الزرقطوني للثقافة والأبحاث وفقها الله».

في تفصيل آخر، من أجل فهم أسباب كتابة ذلك الكتاب، كان الزميل عبد الإله

التهاني، قد أجرى حوارا مطولا مع الأستاذ المريني منذ سنتين، نشر في حلقات

على صفحات جريدتنا، وكان من ضمن ما سأله عنه، قصة هذا الكتاب. وهو الجزء

الذي نقدمه هنا، لما يقدمه من إضاءة أخرى إضافية على الكتاب وفكرته. وكانت

تلك الحلقة قد نشرت تحت عنوان « كتاب المجهول عن أول طيارة مغربية [ ثريا

الشاوي ] »، وما ورد فيها من تفاصيل، هو ما جعلنا في مؤسسة محمد الزرقطوني

للثقافة والأبحاث، رفقة الأخ عبد الكريم الزرقطوني، نجل الشهيد محمد

الزرقطوني، والكاتب العام للمؤسسة، نقرر البحث عن تلك الوثيقة التاريخية

الهامة، التي توفقت المؤسسة في الحصول عليها وإعادة طباعتها بعد تنقيحها

وموافقة الأستاذ المريني عليها كاملة.. لنقرأ الجزء الخاص من ذلك الحوار:

« ٭ أعود بكم إلى فترة شبابكم، حين قادكم الولع بالطيران، إلى الانخراط في

نادي الطيران المغربي بالرباط ، لأسألكم بالمناسبة عن المرحومة ثريا

الشاوي أول طيارة مغربية، خاصة وأنكم كتبتم عنها ؟

أول مرة أتعرف فيها شيئا عن الطيارة المغربية ثريا الشاوي ، كان يوم

تحليقها بطائرتها ذات المحرك الواحد ، فوق موكب المغفور له محمد الخامس من

مطار الرباط سلا ،يوم عودته من منفاه السحيق إلى وطنه العزيز سنة 1955 ،

حيث كانت تحلق على علو منخفض ، وتلقي من طيارتها بأوراق ملونة للمشاركة من

الجو، في الترحيب بالعودة الميمونة لبطل الكفاح محمد الخامس رحمه الله.

ومرت الأيام فسمعنا باغتيال هذه الطيارة المغربية ،التي كانت عضوا بنادي

الطيران بمنطقة «طيت مليل» ناحية الدارالبيضاء ، لأسباب بقيت غامضة وقتئذ

، حيث كان مقتلها بتاريخ فاتح مارس 1956. وشكل هذا الحدث وقتئد ، صدمة

للمغاربة المعجبين بها ، وهم في غمرة فرحتهم بالإستقلال والحرية. وكان

والدها المرحوم عبد الواحد الشاوي، وهو بالمناسبة من المؤلفين المسرحيين

الأوائل ، قد أعلن بعد الحادث الأليم عن تنظيم ذكرى أربعينية لتأبين

الفقيدة ثريا الشاوي ، طالبا من المعجبين بها أن يشاركوا بمساهماتهم في

هذا التأبين، وباعتباري واحدا من هؤلاء المعجبين بشجاعة ثريا الشاوي ، كنت

من أول الذين أخبروا والدها بتلبية الدعوة. وساهمت يوم التأبين بكلمة نالت

إعجاب والدها وأسرتها، وتأثروا لها غاية التأثر . وبالمناسبة أشير إلى أن

حفل التأبين، نظم بقاعة سينما فوكس بالدارالبيضاء ، التي كانت بحق معلمة

معمارية تم هدمها على غرار مبنى مقهى «كاليري لافاييت» ومبنى فندق أنفا ،

ثم مقر المسرح البلدي ، وهي المعالم التي لقيت نفس المصير في فترتي

السبعينات والثمانينات.

٭ لكن يبدو أن الأمور تطورت فيما بعد بينكما ، باتجاه إنجاز كتاب توثيقي حول حياة طيارة المغرب الأولى؟

هذا صحيح ، إذ لم تمر إلا بضعة أيام عن حفل التأبين ، حتى كاتبني

المرحوم عبدالواحد الشاوي ،طالبا مني أن أساعده على إعداد كتاب حول فلذة

كبده ثريا الشاوي .

فاستجبت له وشرعنا في التعاون معا لإخراج هذا الكتاب إلى الوجود ، حيث كنت

أتنقل بين الرباط والدارالبيضاء مدة سنة، إلى أن اكتمل مشروع الكتاب تحت

عنوان : « ثريا الشاوي أول طيارة بالمغرب العربي» غير أنه خلال عملية

الطبع وقع بيننا خلاف بسبب تشبث المرحوم عبدالواحد الشاوي بنشر صورة

للفقيدة ثريا الشاوي ضمن الكتاب، اعتبرت أنها غير مناسبة، لأنها بمثابة

إعلان تجاري مباشر لمنتوج معين، وبالتالي عارضت نشرها ، بينما تشبث هو

برأيه . وحتى لا أعرقل ذلك المشروع التوثيقي عن ثريا الشاوي، لم يكن أمامي

من حل آخر ،سوى أن أقوم بسحب اسمي من الكتاب، حيث ظهر باسم إحدى صديقات

الفقيدة، عن مطبعة دار الكتاب بالدارالبيضاء. وكانت هذه أول تجربة لي مع

ميدان التأليف وعالم الطباعة والنشر، عرفت فيها المحن والشدائد التي

يلاقيها كل مقبل على هذا الميدان».

 

-3-

يوم طارت ثريا وعمرها ثلاث سنوات!!

يستطيع المرء تخيل واقع جيل، من خلال تفاصيل واقع طفلة، في مدينة فاس في

نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات من القرن الماضي ( أصبحنا نقول القرن

الماضي، وقد كان قريبا منا عشنا جزء من تفاصيله!!.. إذ في مكان ما كما لو

أننا مغربيا، على المستوى السوسيو- نفسي، لم نخرج بعد من ذلك القرن ولم

نؤمن بعد أننا دخلنا قرنا جديدا، نصنعه ويصنعنا مغربيا!! ). المهم، نستطيع

تخيل واقع جيل، من خلال واقع طفلة إسمها ثريا الشاوي. لقد كانت فاس بحكم

التراكم التاريخي، مرجلا يغلي بالحركة والفعل، وكانت تمة ملامح ثقافة

سلوكية عمومية، تكاد تشكل المرجعية الكبرى للمغرب في مجال تجريب التمدن،

إلى جانب جاراتها الكبرى مثل مراكش، سلا، تطوان وطنجة. وفي خضم هذه

الحركية المدينية المغربية الخاصة، كان الواقع يوفر لطفلة صغيرة أن تعيش

أسباب التمدن التي لم تكن لتتوفر للغالبية العظمى من أقرانها من أطفال

المغرب. كانت لها الإمكانية للحصول على لعب ولولوج المدارس العمومية وكذا

للرعاية الطبية الحديثة. ولعل ما سنتوقف عنده اليوم من تفاصيل يقدمها لنا

الأستاذ عبد الحق المريني، من خلال كتابه – الوثيقة، حول حياة الشهيدة

المغربية ثريا الشاوي، أول طيارة مغربية، التي اغتالتها يد جبانة من أفراد

عصابة أحمد الطويل يوم فاتح مارس 1956 بالدارالبيضاء، وأمام أعين والدتها

التي كانت تطل على ابنتها من نافذة شقتهم بأحد أهم شوارع المدينة، يغري

بالتأمل في تفاصيل ذلك الواقع الذي عاشته تلك الطفولة المغربية المدينية،

وشكل التربية السلوكية لذلك الجيل من المغاربة. لنواصل الرحلة مع الأستاذ

المريني، ولنقرأ معه، بأسلوبه الأدبي الشفيف، حيث كتب يقول

« في السنة الثانية من حياتها، أراد أبوها أن لا يضيع ذكاءها ونبوغها فصنع

لها الحروف الهجائية العربية من مادة العاج، فحفظتها عن ظهر قلب في قليل

من الزمن. وكلما أخفى عنها حرفا من الحروف ليختبرها، إلا وقامت وصاحت: يا

ويلاه، «أين الجيم ديالي» أو «أين الشين ديالي». وكلما فقدت حرفاً، إلا

وقامت مذعورة تبحث عن الحرف المغصوب، حتى استظهرت الحروف الهجائية، وهي لا

تتجاوز السنتين ونصف. وفي السنة الثالثة من عمرها، أصيبت بمرض «العواقة»

كعادة الأطفال [ مرض « العواقة » في الذاكرة الجماعية للمغاربة، هو مرض

يصيب الجهاز التنفسي للأطفال، سببه طبيا نوع من أنفلوانزا الطيور كان

شائعا جدا في كل الشمال الإفريقي. ولغياب اللقاحات والأدوية المضادة لهذا

الفيروس، فإنه كان يجرف العديد من الأطفال والكبار سنويا – المحرر الصحفي

– ]. فضاق أبوها ذرعاً بهذا الداء الذي يقلق راحة فلذة كبده، فأشار الطبيب

على والدها بأن أحسن دواء لداء «العواقة»، هو ركوب الطائرة مدة من الأيام

في الصباح الباكر. لكن الحالة كانت حالة حرب، والإنسانية كانت في صراع

مستمر. فالحرب (39- 44) كانت قائمة على قدم وساق [ المقصود هنا، هي الحرب

العالمية الثانية. وكانت الأجواء المغربية جزء من تلك الحرب، على اعتبار

بناء الحلفاء لقواعد عسكرية ومطارات عسكرية كبرى بالمغرب مثل القواعد

العسكرية بالقنيطرة والنواصر وآسفي – المحرر الصحفي – ]، وإن ركوب الطائرة

يعد مخاطرة من المخاطرات، فالروح ليست آمنة وهي على ظهر البسيطة، فكيف بها

إذا حلقت في عنان السماء؟.. رغم هذا كله، اتصل أبوها بأحد الضباط الطيارين

بمكناس، واستعطفه، فنفذ الرغبة. وما إن انتهت مدة ركوب الطفلة الطائرة حتى

حصل الشفاء وارتفع الداء، لكن الصغيرة بليت بحب الطائرة وبركوبها. فقد

حققت بغيتها وركبت الطائرة، بعد أن لعبت بها ولكن حبها للطائرة ما ازداد

إلا قوة».

هنا في الواقع، تأسيسا على التفاصيل التي يقدمها لنا الأستاذ المريني،

يلعب القدر لعبته، ذلك أن الطفلة ثريا الشاوي، عاشت لذة التحليق ( وهي لذة

حقيقية بالنسبة لكل من يجرب ركوب الطائرة )، بالشكل الفاتن الذي يحدث مع

عقل الطفل الصغير. أي أن الأثر يترسخ في الذهن إلى الأبد ولا يمحي. ويصبح

الحلم، هو البحث عن الأسباب لتكرار تلك اللذة وذلك الركوب في الهواء،

والرؤية إلى العالم والبسيطة من فوق. لقد قاد المرض الصغيرة ثريا الشاوي

إلى أن تصبح ما أصبحته، سيدة الطيران الأولى في تاريخ المغرب على الإطلاق.

مثلما أن قدرها الجميل قد قوض لها، أن يكون والدها هو عبد الواحد الشاوي،

رجل الفن والمسرح، والمثقف الواعي، الذي يحسن الدفاع عن مصلحة ابنته في أن

تكون ذات صحة وعافية. وهذا هو المعنى الذي قصدته فوق، أن تكون تلك الطفلة

ابنة ثقافة مدينية، لأنها لو كانت في ظروف أخرى، لطواها المرض والعوز

والفقر والإهمال والنسيان، ولربما كتب الله لها الموت بسبب ذلك المرض. مع

تسجيل معطى آخر له دلالته، يؤكد معنى أهمية السلوك المديني، في حياة

البشر، لأنه يمنح وعيا آخر في أسلوب التدبير، وفي كيفيات التعامل مع الزمن

وحسن استثماره، هو أن إسم العائلة نفسه يحيل على تجربة مدينية أخرى (

الشاوي ) هي مدينة الشاون. فالتجربة الأندلسية المدينية هنا فارقة ووازنة،

ووالد ثريا الشاوي، لم يكن يملك وعيا أدبيا ومسرحيا وتربويا وتدبيريا

حديثا، هكذا اعتباطا، فالرجل كان يصدر عن تجربة مدينية مغربية لها تراكم

في التجربة وفي حسن التدبير. بالتالي، فحين حرص على البحث عن كيفيات حمل

ابنته الصغيرة التي كان يراها تتعذب أمامه بسبب مرض « العواقة » المؤلم

والصعب واللعين، واتصاله بمدرب طيران توسله أن يساعده في تجريب وصفة

الطبيب ( لأن لا شئ كان مضمونا من قبل )، إنما يترجم أسلوبا آخر في

التربية كان متقدما جدا آنذاك في مغرب نهاية الثلاثينات من القرن العشرين.

وهذه التفاصيل مهمة من الناحية السوسيولوجية والتاريخية وفي مجال ذاكرة

التربية العمومية للمغاربة، يترجم في مكان ما معنى التحول في مسار المغرب

والمغاربة اجتماعيا وسلوكيا.

إن ركوب الصغيرة ثريا، الطائرة في مكناس، وهي في الثالثة من عمرها، كان

لحظة الميلاد الحقيقية للطيارة ثريا الشاوي، خاصة وأن نوع الطائرة التي

ركبتها هي من النوع الصغير، الذي لا يتجاوز عدد ركابه الأربعة، وبالتالي

فالرؤية تكون أجمل وأعمق وألذ. ( لقد قيض لي أن أركب هذا النوع من

الطائرات، من ذات المطار الذي تدربت فيه ثريا الشاوي، وهو مطار تيط مليل

بضواحي الدارالبيضاء، كانت واحدة منها مع الأخ والصديق الشاعر حسن نجمي،

حيث متعة اكتشاف الدارالبيضاء بتفاصيلها عن قرب، لا تضاهى ). لقد انطبعت

الفتنة بالطيران إلى الأبد في المخيلة الصغيرة لطفلة مغربية من حواري

مدينة فاس، قادمة من حي القلقليين، الذي رأت فيه النور يوم 14 دجنبر 1937.

خاصة وأن لحظة الطيران كانت في الصباح الباكر، مع الشفق، وبداية طلوع

الشمس، مما يعطي للحظة سحرا لا يضاهى. وأكيد أن الصغيرة ثريا، كانت تتأمل

بعينها الصغيرة، وبقلبها الذي ينبض فرحا ورهبة وخوفا، ربى هضاب مكناس

وفاس، وسهل سايس، وانسياب نهر سبو، وقمم جبال الأطلس المتوسط المجللة

بالثلج في الأفق الممتد شرقا، أكيد أنها كانت تتأمل ذلك بإحساس أنها في

الجنة. وبهذا المعنى، فإن ما كتبه الأستاذ عبد الحق المريني من تفاصيل بعد

رحلة الطيران تلك، في الحياة اليومية للطفلة ثريا الشاوي، إنما يترجم ذلك

كله: فقد كتب يقول: «اقتصرت على التسلية بألعوبتها المحبوبة، الطائرة

الصغيرة.. وكانت تستغرق مدة من الزمن في النظر الى أجنحتها، والتحقيق في

أجزائها، والتطلع إلى ما بداخلها، فهي لا تحب أن تلهو إلا مع طائرتها، حتى

كانت لها مجموعة تحتوي على خمس طائرات مختلفة. وعندما كانت تجلس على مائدة

الطعام، وما إن كانت تسمع صوت طائرة في الجو، حتى تنهض مدفوعة بتلهف

واشتياق، تاركة كل شيء، وتحلق بنظرها إلى السماء، كأنها تريد أن تطير أو

تحدث السائق. وعندما كانت تغيب الطائرة كانت ثريا ترجع عبوسة، وقد علت

جبينها كآبة، لأن الطائرة غابت عن عينيها، بعدما مرت مر الكرام. فكانت

تجلس وتصنع أخرى من الكاغيط وترميها في الهواء لعلها تقوم مقام الغائبة،

ولكن شتان ما بينهما».

-4-

يوم اعتقلها البوليس الفرنسي وعمرها 9 سنوات!!

بعد أن رأينا</