أجيال بريس
د. عبدالنبي بورزيكي*
عمل المغرب بعد حصوله على الإستقلال، بموجب ميثاق 2 مارس 1956، على الانخراط المتدرّج في المنظومة الرأسمالية الغربية اقتصاديا وسياسيا[1]. وذلك على خلاف مجموعة من الدول الإفريقية والعربية، التي أعلنت بمجرد استقلالها عن رغبتها في أجرأة البناء الإشتراكي للدولة، القائم على الإقتصاد الموجّه و نظام الحزب الواحد الحاكم.
ونتيجة للعلاقات الاقتصادية والتجارية التي ظلت سائدة بين المغرب وفرنسا: البلد المستعمر ظلت الضفة الشمالية للمتوسط: أوروبا بمثابة المجال الجيوسياسي المتميز، الذي يبحث فيه المغرب دوما عن فرص تنمية اقتصاده الوطني وتطويره.
وتعود أولى العلاقات الاقتصادية بين المغرب والمجموعة الاقتصادية الأوروبية إلى تاريخ 31 مارس 1969[2] قبل أن يتم توقيع اتفاق التعاون لسنة 1976 ثم اتفاق الملائمة في سنة 1988، وكذا اتفاق الشراكة لسنة 1996 عقب إنطلاق مسلسل برشلونة الأورومتوسطي ثم سياسة حسن الجوار لعام 2004..[3].
وإذا كان الاتحاد الأوروبي قد رفض سنة 1987 طلب الراحل الملك الحسن الثاني إنظمام المغرب إليه[4] تبعا لمجموعة من المبررات[5]، التي تحكّمت في صياغة معظمها متطلبات اللحظة السياسية الإقليمية والدولية السائدة آنذاك، فإنّ تصاعد حدّة التهديدات الأمنية، وتعاظم الحاجة الإستراتيجية المتزايدة لتأمين العمق الاستراتيجي لأوروبا من ناحية الجنوب، فرض على القادة الأوروبيين إعادة النظر بشكل جدي وحازم في طبيعة العلاقات السائدة بين القارة العجوز والمغرب، باتجاه تعزيز تحالفها بجارها الجنوبي، نظرا لموقعه الجيوستراتيجي المتميز في شمال إفريقيا، حيت سارع الإتحاد في القمة السابعة لمجلس الشراكة بين الإتحاد الأوروبي والمغرب إلى منح هذا الأخير إمتياز «الوضع المتقدم» (Statut Avancé)،[6] بهدف ضمان استمرار المغرب في تزويد أوروبا بالأمن والإستقرار بداية وللإعراب عن تقدير القادة الأوروبيين لنوعية الإصلاحات التي قام بها المغرب، قصد تأهيل نسيجه السياسي والإقتصادي، حتى يتوافق مع الإشتراطات الأوربية الجديدة.
إن اندلاع الثورة في أكثر من دولة عربية وتطور الحراك الديمقراطي العربي نحو مراحل جدَ متقدمة. فظلا عن دور التنسيق المغربي – الأوربي والأمريكي – العربي في انجاح تلك الثورات، ولاسيما فيما يخص الثورة الليبية. وكذا قدرة النسق السياسي المغربي على احتواء تبعات ذلك على استقرار وضعه السياسي الداخلي[7] – على الأقل في المرحلة السياسية الراهنة –، رفع من جديد من مكانة المغرب في أعين الأوربيين، باعتباره جارا جنوبيا لابدَ منه، للحفاظ على مقومات الاستراتيجية الأوربية إزاء الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء.
فما هو مفهوم «الوضع المتقدم»؟. وآية إمكانيات يتيحها للاقتصاد الوطني؟. و آية معيقات تواجهه؟.
ماهية «الوضع المتقدم»؟
تعدَ سياسة «الوضع المتقدم» عموما أحد الاستراتيجيات الاقتصادية، التي تلجأ إليها التكتلات الاقتصادية المعاصرة، للتعبير عن طبيعة المعاملة الإقتصادية التفضيلية، التي تودّ منحها لدولة غير طرف ضمن التكتل، تبعا لإجراءات معينة. وذلك خدمة لمصالح مخصوصة.
وقد وصف رئيس المفوضية الأوروبية السيد «رومانو برودي» (Romano Prodi) سياسة «الوضع المتقدم» بكونها « كل شيء ما عدا المؤسسات ». ترى ما المقصود بذلك؟.
في إطار تطوير سياسة الشراكة والجوار (2004) التي اختار الإتحاد الأوروبي نهجها مع جواره المتوسطي كما سلف، قرّر في الثالث عشر من أكتوبر 2008 إثر اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ منح المغرب صفة «الوضع المتقدم»، بهدف تعزيز العلاقات السياسية والإقتصادية لهذا الأخير بالحظيرة الأوروبية، إذ أجمعت الدول (27)- بإيعاز من فرنسا التي كانت تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد آنذاك- على إسناد المغرب ميزة تفضيلية اقتصاديا، اصطلح على تسميتها كما سلف بـ «الوضع المتقدم».
ويذكر أن حصول المغرب على هذه الميزة ما كان ليتحقق لولا سنوات من المفاوضات الطويلة والشاقة، التي قادتها الدبلوماسية المغربية منذ سنة 1987 أي سنة تقدم الملك الراحل الحسن الثاني بطلب الإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي[8] مثلما سبق، مرورا بالزيارة التي قام بها خلفه الملك محمد السادس إلى فرنسا في سنة 2000، والتي طالب من خلالها الأوروبيين بضرورة تطوير الموقع الإقتصادي التفاوضي للمغرب ضمن التكتل الأوروبي إلى حدود أكتوبر 2008.
ويمثل «الوضع المتقدم» صيغة أكثر من الشراكة وأقل من الإنضمام، وهو يشمل – حسب التحليلات الأوروبية نفسها- « فكرة توسيع دائرة العلاقة بين الإتحاد الأوروبي والمغرب، بحيث تشمل مجمل الأنشطة باستثناء العضوية في المؤسسات التقريرية والتنفيذية للاتحاد، وهو ما يعني تقوية العلاقات البينية الإقتصادية والتجارية لتشمل كل القطاعات والمنتجات ذات الصلة، والتعاون في مجال السياسة الخارجية، ولاسيما الموضوعات التي تحضى باهتمام خاص بين الجانبين من قبيل الأمن بمفهومه الواسع وحركات الهجرة القانونية وغير الشرعية والمخدرات وتبيض الأموال والإرهاب وما يرتبط به من عمليات عنف وتهديد للأمن والإستقرار»[9].
ويذهب البعض إلى القول أنّ الوضع المتقدم سوف يجعل المغرب قادرا على المشاركة في بعض الوكالات الأوروبية المتخصصة مثل المرصد الأوروبي للمخدرات والوكالة الأوروبية للأمن (الأوروبول)، دون إغفال القمم الثنائية، التي دشنها مؤتمر غرناطة المنعقد في 6 و7 مارس 2010 لتقييم حصيلة العلاقات الثنائية بين الإتحاد الأوروبي والمغرب.
وفعلا فقد شارك المغرب عقب إنتهاء المؤتمر المذكور في القمة المقاولاتية الأولى، التي اعتبرها رئيس الحكومة الإسبانية الإشتراكي السابق «خوسي لويس رودريغيز سابا ثيرو» بمثابة مدخل لمقاربة قضايا إشكالية أخرى تتجاوز المسائل الاقتصادية على حدّ تعبيره، إذ صرّح قائلا: «..إنني مقتنع بمزايا تحالفنا وبكون هذه المزايا تتجاوز إلى حدّ كبير المصالح الإقتصادية والتجارية»[10]. فهل يعتبر المغرب حقيقة أول بلد يحصل على صفة «الوضع المتقدم» بين الدول المتوسطية؟.
إنّ مسارعة البعض، في نوع من المزايدة العاطفية، غير العقلانية وغير المستندة على أساس، إلى اعتبار المغرب أول بلد في مجموع دول جنوب المتوسط يحضى بصفة «الوضع المتقدم» متجاوزا بذلك دولة مثل إسرائيل، أو حتى أوكرانيا أوأيسلندا، يعتبر غير صحيح؛ فإسرائيل تعتبر من الدول المتوسطية، التي تحضى برعاية تجارية واقتصادية بحكم الواقع حتى من دون الحاجة إلى توقيع أي اتفاق، وإن كان حصول المغرب على تلك الصفة قد يفتح شهيتها، بمعية باقي الدول المتوسطية إلى الحذو حذو المغرب، بغية تأمين امتيازاتها بشكل قانوني متفق عليه صراحة بين الأطراف، أي بين الإتحاد الأوربي وباقي دول البحر الأبيض المتوسط.
فأية إمكانيات سوف يتيحها هذا الإتفاق لتطوير النسيج الاقتصادي المغربي؟.
المغرب وسياسة «الوضع المتقدم»: الإمكانيات المتاحة.
إذا كان مؤتمر برشلونة لسنة 1995، باعتباره منطلقا للسياسة الأوروبية الجديدة في مجال الشراكة الأورمتوسطية، مرورا بسياسة حسن الجوار، قد أبانا عن صعوبات كثيرة في سبيل أجرأة اتفاق الشراكة بشكل فاعل وصحيح بعد مرور أكثر من عقد من الزمن[11] على توقيعه، فإن تجاوز تبعات تلك الإخفاقات يظل ضروريا للسير قُدما في تطبيق سياسة «الوضع المتقدم»، حتى لا تتم إعادة إنتاج نفس الأوضاع والنتائج. فأية سبل يمكن اعتمادها في ذلك؟.
إنّ نجاح الاقتصاد المغربي في الإستفادة من سياسة «الوضع المتقدم»، يتوقف على حسن تدبيره لعلاقاته مع المنظومة الأوروبية في الكثير من المسائل الخلافية مثل ملف حقوق الإنسان، الهجرة غير الشرعية، التطرف ومحاربة المخدرات..، والتي ترتهن في الكثير من جوانبها للظرفيات السياسية الإقليمية والدولية أكثر من إرتهانها إلى علاقات الجوار والمواثيق الناظمة لها. وذلك تبعا لتأثيرات العولمة والخاصية عبر الوطنية، التي تحكم تلك الظواهر على الصعيد الكوني.
بداية تنبغي الإشارة إلى ضرورة حضور الإرادة السياسية التامة لدى الطرفين بهدف تفعيل الاتفاق، ولاسيما بالنسبة للطرف الأوروبي الأقوى. وذلك وفق منظور إستراتيجي، يتجاوز معطيات الحاجات الظرفية المتغيرة والمتحوَلة باستمرار، لصالح شراكة دائمة تتولى تأمين إستقرار وتنمية الحوض المتوسطي، بما يخدم مصالح كلا الطرفين. ومن ثمّ نبد الإستناد إلى الحسابات والمصالح الضيقة والظرفية لكل طرف على حدة؛ فالتعاون السياسي الإرادي وحده الكفيل بحفظ مصالح كل الأطراف كما سلف، بما يتبع ذلك من دمقرطة لسياسة التعاون الدولي، التي يبدو أنّها توظف إيديولوجيا واستراتيجيا لخدمة مصالح الجانب الأقوى في معادلة ميزان القوى الدولي.
و إذا كانت الطبقة العلمانية بالمغرب تراهن على أن نجاح التيار الاسلامي المعتدل، ممثلا في حزب العدالة والتنمية، في ترأس الحكومة، ( وهو ما حصل فعلا بعد تشريعيات نونبر 2011 التي تساوقت مع تداعيات رياح الربيع العربي على المغرب )، سوف يؤثر في مسار علاقة المغرب بأوربا، فيبدو أن العكس هو الذي حصل، إذ إن التصريح الحكومي الذي تقدم به رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران أمام مجلسي البرلمان تضمن، بما لايدع مجالا للشك، أهمية تعزيز التعاون الإستراتيجي للمغرب مع جاره الأوربي[12]. وهو بذلك لم يخرج عن منطق الاستمرارية ولم يشكل استثناءا في مسار التصاريح الحكومية التي سبقته، على الأقل مند تصريح حكومة التناوب التوافقي بزعامة عبدالرحمان اليوسفي لـ 14 مارس 1998.
و ممَا لا شكَ فيه أنّ المغرب (في ظل غياب احصائيات رسمية راهنة) سوف يجد أمامه فضاءا رحبا لإنعاش إقتصاده الوطني، لاسيما مع دخول اتفاق التبادل الحر بين المغرب والإتحاد الأوربي (2012) حيز التنفيذ. كما أن تعجيل الأوروبيين بالتصديق على اتفاقية تحرير المنتجات الفلاحية، الذي يقضي بإلغاء 55 % من الرسوم الجمركية الخاصة بالمنتجات الزراعية الواردة من المغرب، سوف يمنح مكاسب اقتصادية ومالية مهمة للمقاولين المغاربة، الذين ظلوا يعانون إلى عهد قريب من المنافسة الشديدة للمقاولين الإسبان، بل والإتلاف المتعمّد لمنتجاتهم عقب كل أزمة تعرفها العلاقات المغربية – الإسبانية.
وفعلا؛ فقد ساعد «الوضع المتقدم» في الإفراج عن الإتفاق الجديد الموقع بين المغرب والإتحاد الأوربي في 14أكتوبر2009 من أجل تحرير المنتجات الفلاحية ومنتجات الصناعة الغذائية والمنتجات السمكية للطرفين. فضلا عن الرفع من حصة الصادرات الفلاحية المغربية إلى 22% مقارنة بالحصص المعمول بها قبل هذا الإتفاق.
ويرى بعض الباحثين الاقتصاديين أن هذا الإتفاق الجديد، وتبعا لمشاريع المغرب الأخضر ومخطط «هاليوتيس» للصيد البحري، سيمكن العرض التصديري للمغرب من توسيع هامش تحرير المنتجات الفلاحية في حدود 67% و منتجات الصناعة الغذائية بنسبة 98% و100% فيما يخص منتجات الصيد البحري في غضون العشر سنوات القادمة.
كما تشير التقديرات إلى أنّ المغرب سوف يجني بمجرد دخول الإتفاق حيز التنفيذ مليار و700 مليون درهم في الجانب الضريبي و700 مليون درهم في الجانب المتعلق بالشروط التفضيلية الممنوحة للصادرات المغربية، والتي ستستفيد منتجاتها الفلاحية من تحرير كلي بداية من دخول الإتفاق السالف حيز التنفيذ، باستثناء ستة أنواع من المنتجات ذات الحساسية القصوى للمنتوج الفلاحي الأوربي من بينها الطماطم، التوت، الخيار، الثوم والسكر[13].
بيد أنه في مقابل إشادة الأوساط الرسمية بالتعاون، ذهب قطاع واسع من المجتمع المدني عبر الوطني المشتغل على الملف من قبيل الشبكة المغربية- الأورومتوسطية للمنظمات غير الحكومية إلى غير ذلك؛ ففي تقريرها السنوي حول «تتبع العلاقات المغربية -الأوروبية»، ركزّت الشبكة انتقاداتها حول التباطؤ الذي يشهده المغرب في ميدان الإصلاحات السياسية والاقتصادية والحقوقية المطلوبة[14]، مؤكدة أن الأمر الذي يشغل بال الرأي العام، خارج هذه التقديرات الاقتصادية، التي لايفهم فيها المواطن المغربي البسيط شيئا، هو طبيعة الأثر العملي الذي سوف يتركه ذلك الاتفاق على حياته اليومية، سواء أكان مستهلكا، عاملا بمقاولة أو مجرد مياوم ؟.
ولعل ذلك هو ما يتطلب التفعيل الحقيقي للجنة المشتركة، التي تشتغل على ملفات دعم المجالات الاجتماعية والهيكلية وحقوق الإنسان. لاسيما و أن المغرب يحتل صفة «الشريك من أجل الديمقراطية» في مجلس أوروبا، الذي له صفة استشارية داخل الاتحاد الأوروبي.
ويذكر أن علاقة المغرب بأوربا في اطار سياسة الوضع المتقدم لاتقتصر على الجوانب الاقتصادية، بل تشمل باقي الجوانب المتعدَدة الأبعاد: الاجتماعية، الانسانية و السياسية منها مثل بؤر التوثر الاقليمي والعالمي.
معيقات تطبيق اتفاق «الوضع المتقدم».
تنتصب مجموعة من المعيقات التي قد تحول دون الإستفادة التامة والشاملة للمغرب من سياسة «الوضع المتقدم» منها ما يتصل بالوضعية السياسية الإنتقالية(Etape Transitoire) التي يحياها المغرب على المستوى الداخلي، ومنها ما يرتبط بعلاقة المغرب بجواره الإقليمي العربي– الإسلامي، الأفريقي والأورومتوسطي، الأمر الذي يُحتم على صانعي القرار، إقرار حكامة سياسية واقتصادية، ليس على المستوى الداخلي فقط، بل أيضا على صعيد السياسة الخارجية[15]؛ فذلك يبدو وحده الكفيل بضمان ثقة الأوروبيين وإستمرارهم في دعم المغرب سياسيا، وتقديم المساعدات اللازمة للنهوض بمسلسل التنمية الوطنية.
وممَالاشكَ فيه أن من بين المسائل التي تظل مثار خلاف في العلاقات المغربية- الأوربية، والتي قد تؤثر على مسلسل تنفيذ سياسة «الوضع المتقدم» نذكر:
- تباطؤ مسلسل الإصلاحات الداخلية.
غالبا ما يتخذ الأوربيون سمة التباطؤ، التي تطبع مسلسل الإصلاحات السياسية والاقتصادية الداخلية للمغرب ذريعة للتملص من أجرأة الإلتزامات الملقاة على عاتقهم إزاء المغرب؛ فمنذ توقيع اتفاق الشراكة لسنة 1995 ما فتئت الأوساط الأوربية، سواء الرسمية منها، أو المدنية تنتقد أداء المغرب على الصعيد الحقوقي، لاسيما فيما يخص إنتهاكات حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وعلى رأسها تلك الناتجة عن تبعات الإنفجارات الأليمة لـ 16ماي 2003 بالدار البيضاء. وكذا الملاحقات والمحاكمات التي تخضع لها الصحافة المستقلة.
بيد أنّه بالرغم من التعثر الذي تعرفه البلاد في هذا المجال، فممّا لاشك فيه أن المغرب أفلح إلى حدّ ما، في تلافي تبعات ذلك، سواء عبر إقراره لآلية العدالة الانتقالية عبر هيئة الإنصاف والمصالحة، (والتي اعتبرت حالة فريدة في العالم العربي بشهادة الأوروبيين أنفسهم)، أو عبر الإصلاحات السياسية والاقتصادية والقضائية الهادفة إلى تأمين تدفق الإستثمارات الأجنبية، لاسيما الأوربية منها والاستجابة للشروط الأوربية التي تنص عليها الوثيقة المرجعية لـ«لوضع المتقدم». هذا فضلا عن إقراره لدستور فاتح يوليوز وخطاب مارس 2011 قبله، الذي يبدو أنه مكن البلاد من استكمال أشواط الإصلاح من دون تبعات خطيرة كما عاشت ذلك باقي بلدان الربيع الديمقراطي العربي.
ب- الهجرة غير الشرعية.
إن اختلاف المقاربات في الدعوة إلى معالجة معضلة الهجرة غير الشرعية بين الأوروبيين والمغرب قد يعرقل سلاسة التعاون بين الجانبين؛ ففي الوقت الذي ظل المغرب يطلب فيه من الإتحاد ضرورة التوقف عن معاملته مجرد شرطي، أو دركي لحماية الجنوب الأوروبي من أفواح المهاجرين الأفارقة، واعتماد مقاربة مندمجة، تولي الأهمية القصوى للجوانب الاجتماعية والاقتصادية في معالجة المشكل، إستمر الإتحاد يفضل الجانب الأمني المحض في مقاربة الظاهرة من خلال تعزيز دورياته على الحدود الإسبانية لإلقاء القبض على المهاجرين المتسللين ثم إعادتهم إلى بلدانهم ليعاودوا الكرّة من جديد وهكذا دواليك…
إن توافق الطرفين حول طرق ووسائل معالجة معضلة الهجرة، (باعتبار المغرب طرف أصليا معنيا بها لكونه بلد عبور (Transit)بامتياز)، وتحديد المسؤوليات بشكل قانوني وواضح بين الطرفين، يعدّ ضروريا لمعالجة المشكل (طبعا بمعية الدول المصدّرة للهجرة) والحيلولة دون استمراره كعامل لتعكير صفو العلاقات المغربية-الأوربية. ومن ثمّ التأثير سلبا على اتفاق «الوضع المتقدم».
ج- المخدرات.
يعد ملف المخدرات والعصابات الإجرامية عبر الوطنية المنظمة التي تتولى ترويجها من المشاكل التي تطفو من حين لآخر فوق سطح العلاقات المغربية-الأوروبية، مع ما يرافقها من تراشق للإتهامات المتبادلة بين المسؤولين من الضفتين. بيد أنه غالبا ما كان يتم إلقاء اللوم كاملا على المغرب باعتباره بلدا مصدرا لها. وبالرغم من المساعدات الأروبية الممنوحة، ظلت مجهودات الدولة لإقرار نظام الزراعات البديلة في المناطق الشمالية المنتجة للقنب الهندي جدّ متعثرة، نظرا لتشبث السكان المحليين بعاداتهم الزراعية التي تدر عليهم مداخيل هامة تفوق بكثير كل ما يمكن أن يدرّه عليهم أي منتوج آخر بديل.
د- «الإرهاب».
منذ تفجيرات 11 شتنبر/ أيلول 2001، أضحى المغرب يحتل دورا مهما في الإستراتيجية الأمريكية والأوروبية الهادفة إلى محاربة الإرهاب، لاسيما مع تحول الجماعة السلفية للدعوة والقتال بالجزائر إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، واستهدافها للسياح الأوربيين بمنطقة الساحل والصحراء .
يبد أنّ ما يلاحظ على هذا الموضوع، هو قلة الخلافات الناشئة حوله بين الطرفين إن لم يكن انعدامها؛ فالمغرب المستهدف بدوره بآفة التطرف ما فتئ يتولى دور الحليف الإستراتيجي المتميز للأوروبيين في محاصرة التطرف وحماية الحدود الجنوبية لأوروبا على الأقل في الوقت الراهن، الأمر الذي سوف يوفّر له فرصة كبيرة لتعزيز حضوضه في الإستفادة من اتفاق «الوضع المتقدم».
كما أن التطورات الأخيرة الحاصلة في اقليم «أزواد» وسيطرة تنظيم القاعدة وجماعة أنصار الشريعة على مساحة شاسعة في شمال مالي، سوف يرفع من حظوظ المغرب في الاستراتيجية الأوربية والأممية، لتطويق تهديدات العنف السياسي المتزايد في منطقة الساحل والصحراء، لاسيما في ظل التداخل الذي أصبحت تعيشه القضية الأزوادية مع مشكل الصحراء. وذلك بعد لجوء الجماعات الجهادية هناك إلى تجنيد عدد من شباب جبهة البوليساريو، لمواجهة التدخل الأممي والأفريقي (CEDAO) المحتمل ضدها في حال فشل الوساطة البوركنابية.
هـ- قضية الصحراء.
لازالت قضية الصحراء تنتصب كعقبة كأداء في الحياة السياسية المغربية، سواء على المستوى الداخلي، أو على صعيد الدبلوماسية والسياسية الخارجية. ولأكثر من مرة وجد المغرب نفسه في وضعية دفاع عن قضيته إزاء الوسط الأوروبي سواء الرسمي منه، أو المدني، لاسيما بالنسبة لإسبانيا التي يتواجد فيها ممثلو جبهة «البوليساريو» بكثافة، دون إغفال باقي الدول مثل بلجيكا، بل وحتى فرنسا: الحليف التقليدي للمغرب، الأمر الذي كان ينتج عنه توثر متزايد في العلاقات المغربية – الأوروبية.
يبد أن طرح المغرب لمبادرة الحكم الذاتي كحل سياسي واقعي وعقلاني، قابل للتطبيق والأجرأة بشهادة المنتظم الأممي والعديد من القوى الكبرى، عزّز بصفة كبرى موقعه على الساحة الدولية وفتح أمامه إمكانيات كبيرة لاستثمار تلك الشهادة في سبيل تطوير علاقاته الإقليمية والدولية لاسيما مع الجانب الأوروبي.
ز- قضية سبتة، مليلية والجزر.
لأكثر من مرة كانت قضية سبتة ومليلية والجزر سببا مباشرا ورئيسيا في توتر العلاقات المغربية– الإسبانية وعلى أكثر من صعيد، إذ لم تفلح دعوات المغرب المتتالية للطرف الإسباني بحل المشكل سلميا، سواء عبر لجنة ابن رشد[16]، أو من خلال العلاقات الثنائية الرسمية.
ولعل المشكل الأكثر حدّة في علاقات المغرب بإسبانيا خلال الألفية الجديدة إرتبط بمشكل جزيرة ليلى، الذي إندلع في صيف 2002،[17] والذي كاد أن يؤدي إلى نزاع مفتوح في منطقة المتوسط لولا تدخل الوساطة الأمريكية لحل المشكل.
وفي كل الحالات النزاعية كان الإتحاد الأوروبي يتدخل سياسيا لدعم الطرف الإسباني بموجب التعاقدات التضامنية المبرمة بينه وبين إسبانيا على حساب المغرب، كما أن عددا من الفعاليات المدنية داخل المدينتين السليبتين ما فتئت تؤكد على الطابع الاسباني لسبتة ومليلية وتنفي أي حق تاريخي للمغرب عليهما، بل وتتجاوز ذلك إلى حدَ المطالبة بإلغاء الوضع المتقدم. الأمر الذي كان يؤثر على علاقة المغرب بالإتحاد. وبالتالي على المصالح الاقتصادية والسياسية للبلاد. ولعل تفادي المغرب مستقبلا لكل ذلك يفرض عليه سلوك التدبير العقلاني والمحسوب لعلاقاته الدبلوماسية بإسبانيا، طبعا دون التخلي عن التوابث المرتبطة بمطلب استكمال الوحدة الترابية وإسترجاع الثغور المحتلة.
ح- الصراع العربي– الإسرائيلي.
إن ترأس المؤسسة الملكية للجنة القدس مجسدة في شخص الملك محمد السادس الذي ورث رئاستها عن والده الملك الراحل الحسن الثاني[18]، جعل من المغرب طرفا عربيا معنيا بتسوية المشكل الفلسطيني؛ ففضلا عن الإلتزام التقليدي للمملكة إزاء قضايا الصراع العربي- الإسرائيلي، تطرح تلك الرئاسة أهمية الإنخراط العملي للمغرب في تسوية المشكل الفلسطيني.
ولاشك أن تطوير سياسة التقارب المغربي– الأوروبي، قد تدفع ضمنيا نحو إجراء تطبيع تدريجي مع الكيان الإسرائيلي عبر الوساطة الأوروبية، على الأقل على المستوى التجاري والاقتصادي. هذا إن لم يكن على المستوى السياسي وبشكل أكثر وضوحا، الأمر الذي سوف يؤثر حتما على علاقات المغرب بمحيطه العربي والإسلامي، لاسيما وأن المغرب يعد طرفا أساسيا داخل مشروع الإتحاد من أجل المتوسط، (الذي تعد إسرائيل طرفا فيه)، الأمر الذي قد يشكل عامل ضغط ومساومة عليه.
وإذا افترضنا جدلا أن المغرب سوف يفلح في تجاوز كل هذه الصعاب وينجح في الإستفادة القصوى من سياسة «الوضع المتقدم». هل يعدّ ذلك مبررا للإستنكاف عن تحريك سياسة التضامن الاقتصادي الإقليمي: المغاربي والعربي–الإسلامي؟. وهل يمكن أن تكون صيغة «الوضع المتقدم» بديلا عن التكتل الاقتصادي الجهوي، لاسيما في ظل البيئة الاستراتيجية الجديدة التي تحياها المنطقة العربية ؟.
[1]– Nadia Kanbai, l’Ancrage du Maroc à l’Europe : quel impact sur le développement politique Marocain ?., thèse de Doctorat en droit public, FSJES, Fès 2003, pp.7-8.
[2] – Sidi Mohamed Rigar, “ l’impact du partenariat Euro-Marocaine sur le processus de reforme au Maroc”., Revue ADDAWLIYA,n° 2008, pp.76-77.
[3] – Ibid.
[4] – Maurice Flory, “ la demande d’adhésion du Maroc à la C.E.E ”.,A.A. N. paris 1987, pp. 705-709.
[5] – توزعت تلك المبررات بين ما هو جغرافي، ثقافي وديني.
[6] – كان الملك محمد السادس قد طالب بذلك الرئيس الفرنسي السابق «نيكولا ساركوزي» (Nicola Sorkozy) أثناء العشاء الذي نظمه على شرفه في القصر الملكي بمراكش على إثر الزيارة الرسمية التي قام بها للمغرب في 02 يناير2008.، أنظر:
Abdelatif Benmansour, “la Coopération de l’union européenne dans l’espace méditerranéen : quels atouts stratégiques pour le Maroc ?”., ADDAWLIYA , n: 5, Marrakech 2009, p.17.
[7] – تمَ ذلك من خلال العديد من المبادرات، التي شهدتها الساحة السياسية المغربية مند خطاب مارس 2011 ، بل وحتى قبل ذلك مثل مشروع الحكم الذاتي في الصحراء، مشروع الجهوية المتقدمة، إقرار دستور جديد لـفاتح يوليوز 2011 ….
[8]–Maurice Flory, “ la demande d’adhésion du Maroc à la C.E.E ”., op.cit, pp. 705-709–
[9] – أمحمد مالكي، ” هل دعّمت قمة غرناطة «الوضع المقدم» للمغرب ؟ “.، أنظر الموقع الإلكتروني التالي:
www.jwan .com/page /oped/299888. (27.03.2010).
[10] – أنظر تعليق هيئة تحرير جريدة العلم على خطاب «ثاباثيرو» أمام القمة في عددها : (21608) لـ 21 من ربيع الأول1431 الموافق 8 مارس 2010، ص.3.
[11] – كشفت المنتديات الرسمية، التي احتفلت بمرور عقد على مسيرة برشلونة، على تواضع النتائج الاقتصادية والسياسة للشراكة ومحدوديتها، معتبرة أن مقدمات بناء المشروع لم تكن على درجة عالية من النضج والتكافؤ والتوازن، تسمح للشراكة بمراكمة إنجازات نوعية، كفيلة بتحسين شروط الشراكة وإسعافها للإندماج الإيجابي في الحركية التي فتحتها الشراكة الأورومتوسطية. ثم إن الإنتقال من الشراكة إلى ما سمي بـ«سياسة الجوار» طرح أكثر من تساؤل حول الخلفيات الناظمة له من جانب الأوروبيين أنفسهم.، أنظر:
أمحمد مالكي، ” هل دعمّت قمة غرناطة «الوضع المتقدم»…“.، مرجع سابق.
[12] – لاسيما وأن حزب العدالة والتنمية لم يحصل على الأغلبية، مما استدعى التحالف مع أطراف يسارية وليبرالية وأخرى محافظة..
[13] – نقلا عن جعفر بن موسى، ” حول الأداء الدبلوماسي المغربي“.، حالة المغرب (2009-2010)، كراسات إستراتيجية (6)، منشورات وجهة نظر، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص.189.
[14] – يذكر أن إتفاق «الوضع المتقدم» يطرح إلتزامات متبادلة بين المغرب والإتحاد الأوروبي، يتولى الإتحاد من خلالها تقديم مساعدات للمغرب، في مقابل تقدم هذا الأخير في حوار سياسي وإصلاحات هادفة لتقوية دعائم دولة الحق والقانون، ومباشرة إصلاحات إقتصادية واجتماعية هادفة إلى عصرنة الاقتصاد. دون إغفال ملائمة القوانين على مستويات التعاون القضائي في الشق المتعلق بالهجرة وتقوية التعاون في مجال الأمن الحدودي وتحديث البنيات التحتية للنقل والطاقة والتواصل.
[15] – عبدالنبي بورزيكي، السياسة الخارجية في منظور الأحزاب السياسية بالمغرب: محاولة في رصد ومقاربة التصورات والمواقف.، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية والإقتصادية والإجتماعية، فاس 2009.
[16]– Khachani (Mohamed ), “ la comite Averroès , un nouvelle acteur dans les relations internationales ” ., l’annuaire de la Méditerranée, GERM1999, p p.287-300.
نقلا عن الحسان بوقنطار، السياسة الخارجية للمغرب: الفاعلون والتفاعلات.، الطبعة الأولى، بابل للطباعة والنشر، الرباط 2002، ص.116.
[17] – حول دواعي وتداعيات المشكل، يمكن العودة إلى:
مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية CRSS))، التقرير الإستراتيجي للمغرب (2003-2005)، التقرير الثامن، عدد مزدوج، مطبعة النجاح الحديدة، الدار البيضاء، ص.63.
[18] – أحدثت لجنة القدس في سنة 1969 كهيئة منبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي، التي شهدت ميلادها على أرض المغرب، إثر الحريق الذي تعرض له بيت المقدس على يد الجماعات الصهيونية المتطرفة في فلسطين.
* المرحوم /باحث في العلاقات الدولية
فاس – المغرب







