فتحي: اكتظاظ السجون نتيجة لانعدام حكامة جيدة

ajialpress10 سبتمبر 2012
فتحي: اكتظاظ السجون نتيجة لانعدام حكامة جيدة

الكارح ابو سالم –

استرسالا من هبة بريس في افراغ العلبة السوداء للقضاء من محتوياتها، وتسليط الاضواء على معيقات التغيير المنشود في كافة الجوانب المرتبطة به ، ورغبة في المساهمة في التنزيل الجيد للدستور الجديدالذي نتوخى منه ان يقلب الموازين الخاسرة رآسا عن عقب،استدعينا الاستاذ عادل فتحي نائب وكيل الملك عضو نادي قضاة المغرب لمساعدتنا على قراءة العلبة السوداء للاختصاص، حيث قال بهذا الصدد:

استنكر الجميع ظاهرة اكتظاظ السجون ودعوا إلى القضـاء عليها وعلى مسبباتها ، لكن عنـد الوقوف على تدخلات وآراء ومواقف من أدلوا بدلوهم في الموضوع يتبين أنهم وجهـوا بدون حق سهام اتهاماتهم للقضاء وحده واعتبروا الجهاز المسئول عن تكريس هذه الظاهرة ، أي ظاهرة اكتظاظ السجون رغم أن هذه الأخيرة تعد نتاج انعدام الحكامة الجيدة التي لن تتحقق في ظل عدم استقلال قضاة النيابة العامة خاصة وأنـه لم يتم التنصيص عل السيد وكيل العام لدى محكمة النقض ضمن أعضاء المجلـس الأعلى للأمـن ، و تم التنصيص بشكل ضمني على كون رئيس المجلس الأعلى للحسابات هو رئيس النيابة العامة الفعلي بشأن الجرائم التي تحدث اضطرابات اقتصادية وثقافية وسياسية والتي تشبه آثارها السلبية آثار جرائم الحروب وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وعلى رأسها استفحال مجموعة من الظواهر من قبيل ظاهرة اكتظاظ السجون نفسها وظاهرة العبودية العصرية …… إلخ

في ظل خلط الأوراق وإضعاف وتهميش النيابة العامة والتي انعكست سلبا على طريقة عملها حيث أضحى مبدأ وحدة النيابة العامة يختزل في وكيل الملك ، الوكيل العام ، وعلى ضوء ذلك وغيرها من الأسباب دأب الجميع وعلى رأسهم المساعدين للقضاء المباشرين والغير المباشرين إلى توجيه اتهامات لاذعة وحادة للسلطة القضائية واعتبروهم كما سبق القول المسؤول عن ظاهرة اكتظاظ السجون واعتمدوا في ذلك على مقاربات تبسيطية وسطحية يهدفون من ورائها إلى إبقاء الوضع القضائي وواقعه كما هو لأن في ذلك مصلحة لبعضهم من المفسدين والمتسلطين ضاربين عرض الحائط أمام العدالة يتم تطبيقها في العمق لفائدة الطبقة المسحوقة .

فبالنسبة للقضاء والقضاة فإن مساهمتهم في تفشي ظاهرة اكتظاظ السجون تكمن بالأساس في تقصيرهم في القيام بمهامهم القضائية نتيجة خلل تشريعي ودستوري . فالدستور الجديد ينص في بعض مقتضياته بشكل غير صريح على عدم استقلال قضاة النيابة العامة ويدعوهم في نفس الوقت إلى فضح وكشف جميع أنواع وأشكال وألوان تأثيرات وضغوطات وتحرشات التي يمكن أن يكونوا ضحية لها مما يشكل تناقضا مع مقتضيات دستورية أخرى والتي تمنع القضاة من ممارسة العمل السياسي والنقابي بالإضافة على أن الدستور السادس ينسجم جزئيا مع مقتضيات الفصل 1 من القانون الجنائي الذي ينص " الجريمة هي كل فعل من شأنـه أن يحدث اضطراب اجتماعي ، يقتضي زجره بعقوبات وتدابير وقائية " .

فالجرائم التي تحدث اضطرابات اجتماعية تبقى كما هو العادة تعد من اختصاص القضاء والتي لا يمكن القضاء عليها وعلى أسبابها وبالتالي الحد من اكتظاظ السجون إلا بعدم نهج سياسة عفا الله عما سلف والتي نهجتها الحكومات السابقة في ظل عدم استقلال تدل عدم استقرار القضاء وكرسها رئيس الحكومة الحالي بمعنى أن الجرائم التي تحدث اضطرابات اقتصادية وسياسية وثقافية لا زالت في العمق من اختصاص السلطة التنفيذية وفق الواقع العملي وما يزكي هـذه المقاربة كـون بعض عناصر الضابطة القضائية وعلى رأسهم رجال السلطة لا ينجزون أي محضر في الموضوع رغم اشتغـال بهـذا المجال و وقوفهم على الجرائم من هذا النوع خاصـة وأن كل المتورطين بشأنها موظفون سامـون وكبار أو أشخـاص محسوبين على بعض الأحزاب السياسيـة التي أضحى ينخرها الفساد وأن العقاب الذي لحقها يتجلى فقط لحـد الآن في كون جرائدها أصبحت حبيسة الأكشاك . وأن السياسـة الجنائية التي تعتمد بخصوص هـذا النوع من الجرائم تتمثل في مقولة كم من أمور قضيناها بتركها

فمتـى سيصبح القضاء ذات اختصاص شامل وعام بغض النظر عن الانتماء الوظيفي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي لمتورطين في بعض الجرائم وبغض النظر للتبعية لنوع الاضطرابات التي تحدثها وكما أن من شأن ذلك أن يساعد في التنزيل الديمقراطي وقيم الدستور الجديد .

ففي نفس السياق فإن القضاة المكلفين بتطبيق العقوبات بدوهم لا يتوفرون على صلاحيات كبيرة وإمكانيات هائلة تسمح لهم بتتبع ملفات السجناء ونوعية العقوبات التأديبية التي تمسهم حتى يتسنى له المساهمة في عملية إدماج وتأهيل السجناء وبالتالي الحد من ظاهرة اكتظاظ السجون التي تظل ظاهرة قديمة وأن الحديث عنها هو الجديد وما يزكي هذا الطرح الالتفاف فقط للتقارير التي أنجزت من طرف القضاة في الموضوع والتي لا تخلو من الإشارة إلى هذه الظاهرة وغيرها ولم يقفوا عند هذا الحد بل تتضمن التقارير أيضا مخلفات هذه الظـاهرة لأنه للأسف الشديد يبقى ما ورد بصلب هذه التقارير حبر على ورق وصرخة في واد .

فاتهام القضاة بالمساهمة عبر أحكامهم في تفشي ظاهرة اكتظاظ السجون وبالأساس نـوع من التأثير والضغط عليهم بخرق سافر للصلاحيات والسلطات التي يتمتعون بها والتي تتمثل في سلطتهم التقديرية وإعمال قناعتهم وكيفية تطبيق قواعد تفريد العقوبة . وحري بهؤلاء المتطاولين على السلطة القضائية بتوجيه سهام نقدهم إلى الحكومات المتعاقبة والتي أثبتت سياسته فشلها الذريع في هذا الإطار .

أما بخصوص اعتماد أو عدم اعتماد العقوبات البديلة فإن القضاء المغربي يعتمد هذه الأخير في أغلب الأحكام بشكل مباشر " عقوبات حبسية موقوفة التنفيذ " وبشكل غير مباشر " إجراءات الحفـظ والضمانات وتدبير المراقبة القضائية" وا فالقضاء يساهم بالتالي من موقعه وفي نطاق عدم المساس باستقلاليته في الحد من ظاهرة اكتظاظ السجون خاصة وأنه لا يلح على وضع يديه على مجموعة من الجرائم التي تظل لحد الآن من جرائم الرقم الأسود . فالعمل بالعقوبات البديلة بشكل غير موضوعي وبشكل يهدف فقط إلى استنبات القوانين الأجنبية والتجارب والخبرات الأجنبية من شأنها أن تؤدي إلى نتائج معكوسة خاصة أن الأمر سيهم خرق بعض القيم والمبادئ الدستورية وعلى رأسها مبدأ المساواة ومبدأ المواطنة والمحاكمة العادلة خاصة إذا لم يتم استحضار كون العدالة يتم تطبيقها لفائدة الفقراء والضعفاء .

وللإشارة فإن تواجد عدد كبير من السجناء الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية فإن هذه المسألة لا تخص بالأساس وبشكل مباشر ظاهرة اكتظاظ السجون بل تهم ظاهرة الإفلات من العقاب وأن الأخذ بالشواهد الطبية في الموضوع خاصة في زمن تهاوت في القيم إلى الحضيض سيمكن بعض الفئات المحظوظة والمتسلطة والنافذة من توظيف الفساد الذي ينخر هذا المجال لتظليل العدالة الأمر الذي يدفع القضاة إلى أخذ الحيطة والحذر كلما تعلق الأمر بشخص يدعي كونه يعاني من اضطرابات عقلية ونفسية كالمعاينة مثلا للوقوف على مظهر وملامح المعني بالأمر ، علاوة على أن بعض الأطباء الاختصاصيين في الأمراض العقلية والنفسية يعتبرون عملاءهم بمثابة زبناء يدرون عليهم أرباحا ولا يعتبرونهم بمثابة مرضى بمعنى أن نشاطهم بالأساس تجاري وليس إنساني .

فالدولة والمجتمع والقضاء ملزمون بتكثيف الجهود و وضع مخططات وبرامج للقضاء على الجريمة ومسبباتها فلا ينبغي الوقوف فقط على أسباب الجريمـة بل الغـوص والإبحار في فهمها ومن جملتها مثلا : ظاهرة الهدر المدرسي.

وختاما فقد صدق إميل زولا عندما قال مهما أخرست الحقيقة ودفنتها تحت الأرض فسوف تنمو وتنبت وخير مثال على ذلك هيئة الإنصاف والمصالحة وتوصياتها التي يستنتج منها الدعوة إلى القطع بدون رجعة إلى تمييع الشهد القضائي والارتزاق بالقضاء والاتجار في القضاة.

مستجدات