عبد الرازق أحمد الشاعر أديب
بمجرد تبوئه عرش ألمانيا، كان أول شيء فعله أدولف هتلر أن تخلص من علمائها اليهود دون أن يلقي بالا لتبعات قراره على مستقبل البلاد. وكان مما قاله يومها: "إن لم يستطع العلم الاستغناء عن اليهود، علينا أن نستغني عن العلم بضع سنين،" لكن ألمانيا استطاعت أن تتجاوز محنة إنهاء خدمات نصف علماء الفيزياء دفعة واحدة، واستطاعت أن تقهر أمريكا في حربها الكونية بنصف رؤوس فيزيائييها. وكان من بين الفارين برؤوسهم العالم الفيزيائي الشهير ألبرت أينشتين الذي خلف وراءه نظريته الثورية عن النسبية في بلاد تورطت في عنصرية بغيضة لم تميز بين رأس ورأس. سنتها، انبرى مئة من علماء السلطان يسفهون نظرية الرجل في محاولة لزعزعة أركان عبقريته. وعقد سفهاء دار الندوة لقاء موسعا حضره لفيف من التابعين أولي الإربة من المغرضين واتفقوا على ضم شتات حقدهم في كتاب أسموه (مئة عالم ضد أينشتين). وحين نما الخبر إلى أذني العبقري اليهودي، قال في ثقة لحامل الخبر: "لو كنت مخطئا، لاكتفوا بعالم واحد." لكننا في بلاد تصر على أن الحشد غلبة، وأن الصواب مع الكثرة، رغم أننا نؤمن في أعماقنا أننا غثاء كغثاء السيل وأن كثرتنا لا تغني عنا من مكر العدو شيئا، وأننا كنا كثرة كاثرة يوم تعرت فتاة ألقت حنجرتها التي هتفت باسم الوطن ذات صحوة تحت حذاء غليظ، وتركناها تنزف دماء عفتها فوق وجه الوطن دون أن تتحرك عضلاتنا المفتولة أو شواربنا المتهدلة على جانبي ذقوننا الكثة. وكنا كثرة كاثرة يوم حنين إذ أعجبتنا كثرتنا فلم تغن عنا من الله شيئا. أم أننا نصر على أن نجمع في تلافيف أدمغتنا كالعادة الشيء بنقيضه في تحد صارخ لمنطق الأشياء ومسلماتها؟ يا سادة، لسنا في مضمار حرب رومانية تحشد لها الأذرع من كل حدب وتتساوى فيها الرؤوس تحت الخوذات. صحيح أن سد مأرب قد انهار وتدفقت المياه العطنة حول أنوفنا جميعا فأصابتنا برعب جرذاني مهين، إلا أنها لم تغمر جماجمنا بعد لتطمس فينا ما تبقى من حكمة وحس ومنطق ورجولة. لماذا نصر على إحصاء الأعداد والتباهي بقلة المعارضين ورفع السبابة والوسطى مع التفريج بينهما كأننا نصر على تسجيل فخرنا بإلقاء الوطن بحرا ونسفه في اليم نسفا. صحيح أن ألمانيا النازية قهرت أعداءها حين تخلصت من نصف عقولها وتقدمت نحو التاريخ رافعة شارة النصر، لكنها تدفع الآن ثمن عنجهية رجل نظر تحت قدميه فلم ير إلا بيادة بلون الرمال قادرة على السحق والمحق وتسوية الأعناق بالأوحال. تدفع ألمانيا الآن ثمن نازيتها لأن قائدها اغتر حين عد الشياه بكثرة نعاجه، ونظر في الرجال فلم ير فيهم إلا أذرعا وبنادق. قدم هتلر يومها نحو النصر، وتراجعت ألمانيا آلاف الفراسخ نحو هزيمة مستحقة أمام جارة نظرت تحت الخوذات وميزت بين الرؤوس. لسنا في صدد حرب أهلية يتباهي فيها فريق بكثرته ويستذل فيها فريق بضعفه وقلة حيلته. نحن اليوم بصدد بناء وطن يحتاج إلى كل خوذة ورأس. وطن لا يطرد رؤوسه ولا يقف فوق جماجم أبنائه رافعا شارة النصر. نحن في وطن مهزوم حتى النخاع بفضل عنجهية القلة وعُجب الكثرة، فلا قلتنا أدارت صراعا، ولا كثرتنا دفعت نكسة. حربنا الداخلية إذن هزيمة منكرة بغض النظر عن رافعي الأصابع وخافضي الرؤوس. لن ينال الله لحوم إخوة في الوطن اختلفوا ذات اجتهاد فيما اتفقت كثرتنا عليه. ولا يعني العدد شيئا في كتب التاريخ، فكم من فئة قليلة تمكنت من مقدرات العباد وقوتهم سنوات عجاف. لا نريد أن يهزم الوطن بانتصار فصيل على فصيل أو فئة على فئة، والحل أن يؤمّن المختلفون على رؤاهم كما أمن المصطفى ذات يوم أعرابيا جلفا على حقه حين تهور عليه عمر وأراد أن يقطف رأسه من بين كتفيه لأنه أساء الطلب. يجب أن يتوقف الحشد ويعود الجميع إلى صدر الوطن آمنا في سربه، وهنا يأتي دور الحاكم المسلم الذي آلى على نفسه أن يحقن الدماء ويعيد الأمن. فلن يكون هناك أمن طالما ظل الاحتقان الطائفي والفكري والمذهبي سيد الموقف. نحتاج إلى وقفة جادة يا سادة لأن اجتماع الناس ضد فصيل لا يعني أنه على باطل، وإن كان قد أساء الطلب، فعلى الكثرة أن تحسن الأداء.







