المحددات الموضوعية لدور مصر في الوطن العربي

ajialpress13 أغسطس 2012
المحددات الموضوعية لدور مصر في الوطن العربي

      

د. عصمت سيف الدولة

(١) مدخل ادوار ومصالح :

١- لكل صاحب مصلحة رأي في دور مصر في العالم العربي . الدور الذى أدته أو الدور

الذي تؤديه أو الدور الذي عليھا أن تؤديه أو الدور الذي اينبغى عليھا اداؤه . ويحاول كل

قادر دفع مصر أو جرھا  الى حيث يرى تحقيقا لمصلحته . البعض اتفاقا ، والبعض نفاقا ،

والبعض تثبيطا ، والبعض توريطا ، والبعض حبا ، والبعض حربا يجري كل ھذا فى

عصر قصرت فيه المسافات بين اقطار العالم ، وامتدت فيه المصالح حتى أصبحت عالمية

، واصبحت الحصانة  دون التأثر بما يحدث في اطراف اارض أو الكف عن التأثير فيه

مستحيا أو يكاد أن يكون مستحيا . ويجرى كل ھذا في ظل قوتين عالميتين متصارعتين

على اقتسام اارض عنوة أو وفاقا . ويجري كل ھذا في العالم العربي الذي تمزق دوا،

وسلب أرضا ، وتحول الى ساحة صراع بين المصالح والقوى العشائرية والطائفية

والشعوبية وااقليمية والصھيونية والدولية ، وھو صراع بارد حينا ، ملتھب حينا آخر لكنه

في كل حين مسلط على العقل العربي يحاول بالكلمات    والنظريات واافكار وااداب

والفنون ، بكل اغراء وبكل اغواء ، أن يصوغه فكرا ليسخره فعا ، ليؤدي عنه طوعا ما

تقصر عن ادائه وسائل ااكراه . ومن بين مايصوغونه افكار متباينة  عن دور مصر فى

العالم العربى .       

في ھذا الواقع المعاصر تسند الى مصر أدوار متعددة بقدر تعدد القوى ، مختلفة بقدر

اختاف البواعث، متناقضة بقدر تناقض  المصالح ، مترددة فيما بين أقطاب اتلتقي : فيما

بين الحلم والعلم . فيما بين الممكن والمستحيل . فيما بين الماضي والمستقبل. وايصح في

الواقع أو في العقل اسناد كل تلك اادوار معا الى مصر الواحدة في زمان واحد .   كما

ايجدي ، وقد ايكون ممكنا . تتبع اادوار التي قامت بھا مصر في العالم العربي مضمونا

وتقييما لنستخلص منھا معيارا واحدا للتقييم اذ لكل زمان أحكام . وكل دور في زمانه كان

حصيلة مؤثرات ذاتية وموضوعية ، محلية وعربية ودولية ايجوز تقييم مضمونه خارج

اطارھا ، وھي بعد أكثر وأخفى من أن تحصى وتعرف. ثم انه  اذا صح ان التاريخ ايعيد

نفسه وان ثمة جديدا تحت الشمس كل يوم وان كل شئ مؤثر  ومتأثر متحرك متغير ابدا ،

وھو عندنا صحيح . فان قياس المستقبل  على الماضي خطأ منھجي غير موثوق النتائج ،

ذلك انه يلغي دور البشر صناع المستقبل .ونحن نعتقد انه من العبث أن يدور حديث حول

دور أدته مصر في العالم العربي  لمجرد محاكمته اا أن يكون المتحدثون مؤرخين ولسنا

منھم . انما المجدى أن يدور الحديث  حول دور أو أدوار أدتھا مصر في العالم العربي٢

كمصدر خبرة تاريخية  قد تساعد على معرفة أو توقع الدور أو اادوار التي تؤديھا مصر

في المستقبل . اذ المستقبل وحده ھو المجال المفتوح ارادة اانسان .      

كل ھذا ايعني أن مصر قد اختارت كل اادوار التي اسندت اليھا في الماضي ، أو انھا

ستختار ماتشاء من ادوار تؤديھا في المستقبل ، أو حتى انھا قادرة على اداء كل اادوار التي

تختارھا . ليست مصر أم الدنيا كما نحب أن نسميھا مجازا عن تقديرنا الكبير لھا ، بل مصر

جزء بسيط من ھذه الدنيا المليئة باامصار واادوار التي كثيرا ما ألغت دور مصر أو حدت

من مجاله أو حملت مصر على أداء أدوار فأدتھا مرغمة .   لھذا كله انعتذر للذين يتوقعون

أن يكون موضوع ھذا الحديث ذلك الدور الذي اسند الى مصر في العشر سنوات ااخيرة

واسبابه وأبطاله وآثاره التي ھزت العالم العربي ھزا واشاعت فيه اضطرابا مزلزا  أدى

الى انھيار مفاھيم ونظم وقوى كانت تعتبر من الثوابت التي اتنھار ، ومزق أواصر  كان

يظن انھا اتنفصم . ا. لن نتحدث عن ھذا  الدور أو عن أي دور غيره  اا في نطاق

محاولة اكتشاف المحددات الواقعية الموضوعية الثابته نسبيا لدور مصر في العالم  العربي . 

فعلى ضوء ھذه المحددات وحدھا ـ ان وجدت ـ تمكن معرفة ااجابات الصحيحة على كثير

من ااسئلة  التي تشغل العقل العربي عن دور مصر في العالم العربي . لماذا أدت ھذا الدور

أو ذاك في الماضي ؟ . وماھو الدور المتوقع ان تؤديه في المستقبل؟. ولماذا يتغير دور

مصر في العالم العربي  تغيرا حادا من حين الى حين ؟ ماھو الدور الذي ينبغي لھا أن

تؤديه؟.  وماھو الدور الذي تستطيع اداءه ؟ وماھو الدور الذي اينبغي لھا اداؤوه ولو

استطاعت ؟ ثم أين ومتى وكيف ولماذا يكون دور مصر في العالم العربى ؟ .. الى آخره ..    

فلنبحث عن تلك المحددات . فى تاريخ مصر أوا ..  

(٢) المحدد الجغرافي عن الماضي ااقليمي :  

   ٢- قبل  أن توجد أية دولة فيما يسمى اان العالم العربي ، بل قبل أن توجد الدول جميعا

كانت مصر موقعا جغرافيا يسمى مصراييم . وكانت فيما بين الخليج والمحيط بمثابة واحة

كبيرة من اارض الخصبة  ذات المناخ المعتدل  يجري فيھا  الجزء الشمالي من النيل بدون

عوائق او مساقط موفرا لھا أكبر قدر من انتظام اسباب الري والزراعة والنقل والمواصات

. تطل على بحرين عند ملتقى قارتين  فكانت ، مثل كثير من أودية اانھار ولكن بدرجة

أفضل، موطنا نموذجيا  للحياة المستقرة على يسر النماء الزراعي والبناء الحضاري والتبادل

التجاري مع ماحولھا من أقاليم .  فكانت بھذا كله ذات قوة جذب ھائلة للجماعات القبلية

الجائلة فيما يليھا شرقا وغربا وجنوبا تغزوھا أو تحاول أن تغزوھا ا لتنھبھا ثم ترتد عنھا

كشأن الغزاة في العصور القبلية بل لتستولي عليھا وتستقر فيھا .   حينما غزتھا الجماعات

القبلية الوافدة من الشرق بقيادة من اطلق عليھم المصريون اسم " الملوك ااجانب" او "حقا

خاسوت" الذي حرف في اللغة ااغريقية الى" ھكسوس" ، عام ١٦٧٥ قبل المياد استولوا

عليھا واستقروا بھا قرنا ( حتى عام ١٥٦٧ قبل المياد) وكانت منھم أسرتان حاكمتان ھما

ااسرة الخامسة عشرة وااسرة السادسة عشرة    وثاث عشرة ملكا فرعونا أولھم ششى

وآخرھم ابيبى الثالث.   حينما غزتھا الجماعات القبلية الوافدة من الغرب من نسل يويو واوا

الليبى عام ١٩٥٠ قبل المياد  استولوا عليھا  واستقروا فيھا قرنين ( حتى عام ٧٣٠ قبل٣

المياد)    وكانت منھم اسرتان حاكمتان ھما ااسرة الثانية والعشرون وااسرة الثالثة

والعشرون وأربع عشرة ملكا فرعونا أولھم شاشانق ااول وآخرھم اوسركون الرابع..    

وحينما غزتھا الجماعات القبلية الوافدة من الجنوب عام ٧٥١  قبل المياد استولوا عليھا

واستقروا فيھا قرنا (  حتى عام ٦٥٦ قبل المياد)  وكانت منھم اسرة حاكمة ھي ااسرة

الخامسة والعشرون وخمسة ملوك فراعنه : بغنجى وشاباكا وشيتاكا وطھرقا وتانون أمانى .     

وحينما غزتھا التجمعات القبلية الوافدة من فارس تحت قيادة قمبيز عام ٥٢٥ قبل المياد

استولوا عليھا واستقروا فيھا اكثر من قرن ( حتى عام ٤٠٤ قبل المياد) وكانت منھم أسرة

حاكمة ھي ااسرة السابعة والعشرين وخمسة ملوك فراعنة أولھم قمبيز وآخرھم دارا الثاني. 

وبعد أن طردتھم ثورة قادھا الفرعون آمون حر لم يلبثوا حتى عادوا اليھا قبل أن يمضي

نصف قرن فغزوھا عام ٣٤١ قبل المياد واستولوا عليھا واستقروا فيھا قرنا آخر ( حتى

عام ٢٣٢ قبل المياد ) وكانت منھم اسرة حاكمة ھي ااسرة الحادية والثاثون وثاثة ملوك

فراعنة اولھم ارتخشاشا الثالث وآخرھم دارا الثالث .    ثم جاء البطالمة فاستقروا فيھا ثاثة

قرون ، ثم الرومان فاستقروا فيھا أربعة قرون ، ثم البيزنطيون فاستقروا فيھا نحو قرنين

ونصف ثم العرب  عام ٦٤٠ ميادية فاستقروا فيھا وتعربت جملة ولم تزل .  

   ٣- وھكذا فرضت جغرافية اقليم مصر   على مصر مفھوما مصريا أمن مصر .أمن

وجودھا وحدودھا وأمن مباداتھا ومواصاتھا . مؤداه : بما أن مصر ـ جغرافيا ـ ذات قوة

جذب للغزاة من ناحية ، وبما أنھا توفر لمن يغزوھا أسباب ااستقرار فيھا . من ناحية ثانية ،

فان المواقع المناسبة للدفاع عن مصر تقع خارج حدودھا الجغرافية  في جميع ااتجاھات

شرقا وغربا وجنوبا وشماا .  أو بصيغة أخرى ان خطوط الدفاع عن مصر    تقع فيما

يجاورھا من أقاليم بعيدا عن حدودھا . فيمكن القول أن جغرافية أقليم مصر  ومايحيط بھا

من أقاليم  قد فرضت على مصر أن تقوم فيما يحيط بھا بدور دفاعي عن ذاتھا .               

٤- ويكاد تاريخ مصر الفرعونية أن يكون تأريخا لھذا الدور . وأغلب ماعنى ملوك مصر

الفراعنة بتسجيله حفرا على جدران المعابد ھو قصص خروجھم الى جميع   ااتجاھات،

لمواجھة التجمعات القبلية التي تجھز نفسھا  لغزو مصر، وضربھا ضربات وقائية مبكرة

قبل أن تقترب منھا .   أما فى الشمال فنقرأ على جدران معبد الكرنك أنه بعد أن استطاع

الفرعون أحمس ااول ( ١٥٧٠ـ ١٥٤٦ قبل المياد ) طرد الھكسوس من مصر طردھم من

جزيرة كريت وأراد أن يكرم جدته الملكة " اعح حوتب " للدور العظيم الذي قامت به في

تعبئة الجيوش وتحريضھا على القتال فيسميھا ملكة كريت ونقرأ على جدران معبد الرمسيوم

في ااقصر ماأمر بحفره الفرعون رمسيس الثاني (١٩٩٠ـ ١٢٢٣ قبل المياد) ثبتا للباد

التابعة لمصر فنجد من بينھا قبرص وكريت . أما في الغرب فمنذ بداية التاريخ المكتوب

تذكر ااثار أن فرعونا من ااسرة الثانية اسمه خع سخم أو حورس ، ايعرف احد تاريخ

حكمه، قد خرج من مصر لمقاتلة القبائل الليبية التي تھددھا . وتحكي بردية سنوھى مأساة

اغتيال الفرعون العظيم امنمحات ( ١٩٩١ ـ ١٩٦١ قبل المياد ) فتقول أن اعداءه تمكنوا

منه وقتلوه منتھزين فرصة غياب ابنه وولي عھده وقائد جيوشه سنوسرت . اذ كان قد أرسله

قائدا لحملة  للقضاء على التجمعات القبلية التي تجھز نفسھا لغزو مصر في قواعدھا في٤

ليبيا. وتحكي ااثار أن امنحوتب  ااول فرعون مصر( ١٥٤٦ ـ ١٥٢٦ قبل المياد ) قد

أرسل جيشا كبيرا  بقيادة أحمس ابانا الى ليبيا لتشتيت القبائل المتجمعة ھناك تستعد للسير

الى مصر . وعلى جدران معبد الكرنك يسجل الفرعون سيتى ااول ( ١٣٠٣ ـ ١٢٩٠ قبل

المياد ) قصة مثيرة عن خطر مزدوج المصدر من الشرق والغرب . فقد اجتاحت الشرق

قبائل ھندوـ اوربية  فھاجرت قبائلھا مطروده بحرا ولجأت الى شاطئ شمال افريقيا . فلما أن

تجمعوا ھناك تعرضوا لقوة جذب النماء والرخاء وااستقرار في مصر فاتجھوا اليھا فخرج

اليھم الفرعون سيتى ااول وطاردھم . وتشھد بقايا ااواني الفخارية التي اكتشفت في

الخرطوم وغرب السودان وفى قريتي البداري في صعيد مصر  (اسيوط) أن عاقة مصر

بالجنوب ترجع الى العصر النبوليتى  ( العصر الحجرى الحديث) أي الى ماقبل ٤٠٠٠ قبل

المياد . وعلى صخور جبل الشيخ سليمان  على مقربة من بوھن امام وادى حلفا نقرأ نبأ

وصول جيوش مصر بقيادة الفرعون انى الثاني من ملوك ااسرة ااولى لتأمين طرق

التجارة مع الجنوب. ويحكى لنا الرحالة الفرعون حر خوف  في تاريخ حياته المسطور على

واجھة قبره في اسوان  انه صاحب حملة  قادھا أبوه الى الجنوب وأنه قاد ھو نفسه ثاث

حمات متتالية بأمر من الفرعون بيبى ااول (٢٤٠٢ ـ ٢٣٧٧ قبل المياد ) وبينما ذھبت

الحمات الى باد لم يعرفھا أحد من قبل ـ كما قال ـ خصص الحملة الثالثة  التي تمت فى

عھد ويبى الثانى لنبأ عثوره على قزم حى واباغه  فرعون النبأ ويورد رسالة الفرعون اليه

أن " تعالى الى الشمال . تعالى سريعا الى القصر . واحضر معك ھذا القزم الذي جئت به

من أرض اارواح حيا سالما وفي صحة جيدة ليرقص لاله " . ولم يكن ذاك غريبا فقد كان

بى الثانى طفا . ولكن الفرعون الطفل قد أصبح فرعونا شابا فأدرك أن دور مصر  فى

الجنوب ليس لھوا ولعبا بااقزام بل مسألة حياة أو موت فمنه يجرى شريان حياة مصر  

(النيل ) فأرسل الى الجنوب  قائده بيبى نخت  ليؤدي دورا آخر ذكره القائد في سجل تاريخ

حياته المحفور فقال : " ارسلنى جالة مواي اؤدب باد ارثت فقمت بما جعل مواي يثني

ّ علي وقتلت منھم عددا كبيرا ، من بينھم أبناء الزعماء ورؤساء المحاربين وأحضرت منھم

أسرى الى القصر .  كان عددھم عظيما اني كنت شجاعا ومعي جيش كبير من الجنود

ااشداء " .      وحيث توجد كرمه فى السودان أسس امنمحات ااول ( ١٩٩١ـ ١٩٦٢ قبل

المياد ) مركزا للتجارة تحرسه قوة مرابطة  في حصن شيده في سمنه جنوبي الشال الثاني

ثم توالت الحصون فأصبحت سبع عشرة حصنا ترابط فيھا قوات تحرس النيل وتدافع عن

مصر عند خطوط على بعد مئات الكيلومترات من حدودھا ، ومع ذلك فليست العبرة بالسن

دائما فما أن تتعرض حصون مصر وخطوط تجارتھا في الجنوب لخطر ناشئ  حتى يخرج

الى حيث موقع الخطر الفرعون  الصغير امنحوتب ااول ( ١٥٤٦ ـ ١٥٢٦ قبل المياد ) 

ويعيد اامن الى مصر بمعارك ناجحة في السودان . أما الفرعون تحوتمس ااول ( ١٥٢٥ ـ

١٤٩٥ قبل المياد ) فقد مد حدود  حكمه الى السودان وعين حاكما له فرعونا أسماه اابن

الملكى لكوش وأصبح محرما على من ھم جنوب تلك الحدود عبورھا الى الشمال . وحينما

حاول امراء قبائل كوش تحدى تلك الحدود ھزموا واستقبل تحوتمس قادة جيوشه المنتصرة

وكرمھم فى اسوان . ثم تحوتمس الثالث ( ١٤٩٠ ـ ١٤٣٦ قبل المياد ) الذي قاد بنفسه

حملة الى السودان وبقى ھناك سبعة أشھر يقاتل القبائل  التي تھدد مصر وتجارتھا ولم يعھد٥

بذلك الى أحد من قواده بالرغم من أنه قد قارب السبعين من عمره . أما الفرعون امنحوتب

الثالث ( ١٤٣٦ ـ ١٤١١ قبل المياد ) فإن تمثاله في قرية النجعة على مقربة من شندي

شمال الخرطوم شاھد على أنه كان يدافع عن مصر .. الى.. آخرھم..        

أما عن الشرق فقد خرج الى الشرق قائدا منتصرا  وعائدا الملك الفرعون ساحورع من

ااسرة الخامسة ( ٢٥٥٣ـ ٢٥٣٩ قبل المياد ) وبيبى ااول من ااسرة السادسة ( ٢٤٠٢ ـ

٢٢٧٧ قبل المياد ) الذى طاردت قواته بقيادة البطل العسكري " ونى"  التجمعات القبلية ثم

دحرتھا عند جبال الكرمل . وامنمحات ااول( ١٩٩١ ـ ١٩٦١ قبل المياد )  من ااسرة

الثانية عشرة  الذي أراد أن يحصن حدود مصر الشرقية نھائيا فبنى على طول الحدود سورا

فرعونيا عظيما لم يصمد طويا فاضطر  أحد خلفائه سنوسرت الثالث  (١٨٧٩ـ١٨٤١ قبل

المياد ) أن يطھر كل شرقي البحر اابيض المتوسط وأن يترك ھناك فصائل مقاتلة تجوب

الشواطئ وتراقب الطرقات وتنذر مبكرا بأي غزو لمصر . وأحمس ( ١٥٧٠ـ ١٥٤٦ قبل

المياد ) يطرد الھكسوس من مصر ويتعلم من الجغرافيا  فيعلم أنھم لن يكونوا قد خرجوا من

مصر اا اذا خرجوا من فلسطين  فيخرجھم منھا . فتعلم الجغرافيا  فراعنة مصر أن ھذا

البعد ايكفى فيأتى تحوتمس  الثالث ( ١٤٩٠ـ ١٤٣٦ قبل المياد ) وما أن يصل اليه نبأ

وصول قوات قادش مدينة مجدو فى سورية حتى يعتبر  ذلك اعتداء على حدود أمن مصر

فيخرج اليھم ويقاتلھم ويدمرھم في مدينة نوخاخش  المجاورة لمكان حلب الحالية . ويواصل  

حماته دفاعا عن أمن مصر  التي بلغت ستة عشرة حملة مطاردة أوصلته الى الفرات . 

ويفكر ذاك الفرعون العبقرى فيما سيصنعه التاريخ بعده بعشرات القرون . أن التآخى مع

الجيران وليس  القھر ھو الذي يحفظ أمن مصر . فيجمع أبناء القبائل  التي قھرھا وأولياء  

العھود فيھا ويحملھم الى مصر ويحشدھم مع أبنائه فى قصوره    ويؤاخى بينھم ليتعلموا

جميعا أن أمن مصر ھو أمن جيرانھا وأنھا اتغزوھم اا مضطرة فان تحالفوا على التعاون

لرد المخاطر عنھم جميعا فھذا يكفى مصر أمنا . وقد عاد أولياء   العھود اخوة وأصبحوا

ملوكا وقادة وحالوا دون أن تكون مواطنھم مراكز تجمعات تھدد مصر فنعمت مصر بفترة

طويلة نسبيا من اامن والھدوء والرخاء والتقدم الحضارى الذي تجاوز أمور الدنيا الى امور

الدين فأنجبت أمنونحتب الرابع ( ١٣٧٠ـ ١٣٤٩ قبل المياد ) الذي أنھى عبادة آمون وأشاد

بعبادة آتون ( الشمس ) وحمل لقب اخناتون فكان أول الموحدين من فراعنة مصر .. وفى

عھده اكتمل مفھوم أمن مصر   فھو ادراك لمواطن الخطر عليھا فى مواقعه وليس عداء

لمواطني تلك المواقع . فحين تجمع على حدود مصر الشرقية جل مواطني سورية وفلسطين

يريدون دخولھا وتبين القائد الفرعوني (  حور محب )  أن جيوش مملكة خيتا قد غزت

ديارھم وطردتھم وطاردتھم  حتى حدود مصر فتح لھم الحدود  وآوتھم مصر وعقدت معھم

مايمكن أن يسمى معاھدة دفاع مشترك  فكونوا جيشا مشتركا خرج الى حيث مواقع الخطر

المشترك  وقضى على جيوش خيتا . فلما تحررت سورية وفلسطين أمنت مصر . وكانت

تجربة علمت الجميع مايمكن أن نسميه المصير المشترك  مدخرين تعبير وحدة المصير الى

مرحلة تاريخية احقة  . كذلك حين عادت جيوش مملكة خيتا الى ااستعداد لغزو مصر

وجمعت له من استوردھم قائدھم المسمى ( موتللى) من جند مرتزقة من سكان بحر ايجه

(اليونان ) وامارات آسيا الصغرى ( تركيا ) ، وخرج اليھم رمسيس الثانى (١٢٩٠ـ ١٢٢٣٦

قبل المياد )  كادت الدائرة تدور على جيش الفرعون المصرى وفر كثير من جنده وباتت

الھزيمة وشيكة وأصبح مصير مصر ذاتھا معلقا على نجدة من  الحلفاء ، تقدم لنجدتھا ألوف

من شباب فلسطين  مكونين تشكيا عسكريا يطلق عليه في ااثار اسم ثيارونا ويعنى فرقة

الشبيبة ، وناصروا رمسيس الثاني فانتصر وانقذت مصر وفلسطين وسورية معا . وحينما

بدأ الخطر ااشوري يدق أبواب سورية كرر المصريون والفلسطينيون التجربة الناجحة

فشكلوا جيشا مشتركا بقيادة الفرعون المصري " تف نخت " ( ٧٣٠ ـ ٧٢٠ قبل المياد ) 

وخرجوا معا في ھذه المرة للدفاع عن سوريا دفاعا عن فلسطين ومصر .. وحين انھزموا

استولى ااشوريون على سورية وفلسطين ومصر أيضا ..  

٥- نستطيع ، بدون خسارة كبيرة ، أن نسقط من حديثنا عن دور مصر في العالم العربي

قرون الحكم البطلمي والروماني والبيزنطي جميعا ، فخالھا جميعا الغي دور مصر

وأصبحت مجرد أداة تؤدي الدور الذي يختاره لھا من لھم السيطرة والحكم . ونصل الى

الفتح العربي عام ٦٤٠ ميادية ..  

  ٦-  لم يكن غريبا أن يتم الفتح العربي لمصر بسھولة . ذلك ان البيزنطيين لم يتعلموا من

الجغرافيا  ماتعلمه الفراعنة . فقد تم الفتح العربي لسورية عام ٦٣٦ ميادية . وھو اانذار

الذي ماكان أي فرعون مصري يسمعه حتى يعبئ قواته  ويخرج من مصر الى حيث  تتجمع

النذر لتؤدي مصر دور الدفاع عن ذاتھا في المواقع التي حددتھا الجغرافيا .  لم يفعل

البيزنطيون ھذا بل تحصنوا في بابليون جنوبي القاھرة وھم يسمعون نبأ دخول عمرو بن

العاص على رأس أربعة آاف  مقاتل اغير من العريش حتى الفرما ( شرق بورسعيد حاليا) 

حتى بلبيس لتدور أول معركة بينھم في عين شمس ضاحية القاھرة .. فطلب عمرو بن

العاص مددا . وبينما عاد البيزنطيون الى حصن بابليون اجتاح عمرو بن العاص  على

مرأى ومسمع منھم الدلتا  واخترقھا واستولى على الفيوم  ثم عاد شرقا فعبر النيل ليلتقي

بالمدد الذي جاء وحاصر البيزنطيين في حصنھم واستولى عليه  بعد سبعة أشھر قبل أن

يتوجه الى ااسكندرية العاصمة فيعود البيزنطيون الى الخطأ ذاته . خطأ  تصور امكان

الدفاع عن مصر من داخل مصر . أو رد الذين يتمكنون من دخولھا فعا . فيتحصنون في

ااسكندرية فيتركھم عمرو بن العاص محاصرين ويوجه قواته الى صعيد مصر فيفتحه . 

مات اامبراطور الغبي ھرقل عام ٦٤١ وااسكندرية محاصرة . وخلفه كونستانز الثاني

الذي تبين أنه قد تم الفتح العربي لمصر منذ أن تم الفتح العربي لسورية وسبق السيف العذل  

فطلب الصلح فأبرم معه عمرو بن العاص اتفاقا منحه به فرصة عام لانسحاب من

ااسكندرية . ولقد انسحب البيزنطيون في نھاية العام ( سبتمبر ٦٤٢ ) بعد أن حملوا معھم

مابقي بعد الذي أخرجوه في سنة الھدنة  ودخلھا العرب بدون قتال . مھلة العام ھذه تكذب

تكذيبا قاطعا ماقيل أن العرب قد حرقوا مكتبة ااسكندرية .  فالذين يحرقون عادة ھم

المنسحبون منھا وليس المتقدمون اليھا .  

   ٧- على أى حال ، من بداية الفتح العربي وعلى مدى ثاثين عاما فقط ، تؤدي مصر دور

نقطة اانطاق الى شمال افريقيا . أي حتى بنى عقبة بن نافع مدينة القيروان  لتصبح ھى

مركز التجمع وقاعدة اانطاق الى مايليھا غربا .  ٧

(٣) المحدد التاريخي التكوين القومي :  

٨-  ھنا يبدأ دور مصر في التطور فيتغير  نوعيا ابتداء من الفتح العربي . فبعد ستين سنة

فقط تصبح اللغة العربية لغة مصر . ابتداء من عام ٧٠٦ على وجه التحديد . ويدخل  الناس

في دين ﷲ أفواجا . ويعفى التاريخ مافرضته الجغرافيا  فلن تدافع عن ذاتھا بعد ذلك . لقد

أصبحت جزءا في موقع القلب من اامبراطورية العربية ااسامية . تحيط بھا أقطار بعدھا

أقطار تباعد بينھا وبين مسارح المعارك الضارية التي لم تنقطع على حدود اامبراطورية

شرقا وشماا وغربا .. وطالما كانت القيادة المركزية  في دمشق أو في بغداد  قادرة على

الدفاع عن حدود اامبراطورية التي انتقلت اليھا حدود مصر . كانت مصر   تؤدى دور

الشريك  في الدفاع عن الدولة  المشتركة . وقد بدأت  في اداء  ھذا الدور  منذ وقت مبكر

في أول معركة حربية  خاضھا  اسطول عربي  ضد البيزنطيين في عھد الخليفة عثمان بن

عفان   عام ٦٥٥ ميادية بقيادة عبد ﷲ بن سعد بن أبي السرح  المعروفة بمعركة ذات

الصواري البحرية . اا أنھا قامت أساسا  وعلى مدى قرون بدور المستقر اآمن الذي يجذب

اليه بناة الحضارة من الفقھاء والعلماء والصناع ، ودور القاعدة اآمنة   التي تعبأ فيھا

الجيوش وتبنى فيھا ااساطيل وتخزن فيھا اامدادات ، المؤھلة بھذا كله لتصبح عاصمة آمنة

للدولة العربية ااسامية .  وھو مافطن اليه الفاطميون حين انطلقوا من أقصى الغرب

يريدون الخافة فما أن بلغوا مصر حتى شيدوا القاھرة واتخذوھا عاصمة .

 وما اضطر اليه الخلفاء العباسيين بعد سقوط بغداد عام ١٢٥٨ فاتخذوا من مصر مقرا للرمز الباقي لوحدة

الدولة .  

 أما حين تضعف السلطة المركزية فقد  كانت مصر تعود  الى دورھا الدفاعي ولكن بصيغة صنعتھا الجغرافيا والتاريخ معا . فھي لم تقم بالدفاع منفردة عن ذاتھا ، منفردة

أبدا ، بل موحدة القوة مع أكثر من قطر عربي آخر  ومع سورية على الدوام . وقد بدأ ھذا

الدور حينما غلب الترك الخافة العباسية على أمرھا .فلما أن بلغ ھوان  الخلفاء العباسيين  

أنه فيما بين عام ٨٤٧ و عام ٨٧٠ عين قادة الجيوش خمسة خلفاء قتلوا منھم أربعة : 

المتوكل والمستعين    والمعتز والمھتدي ومات خامسھم (  المنتصر )  بعد ستة أشھر من

وايته يقال مسموما ، استشعر أحمد بن طولون حاكم مصر الخطر  فتجاھل الخليفة  المعتمد

ووحد مصر وسورية عام ٨٧٧ ، وحين تسقط ااسرة الطولونية  تعود مصر وسورية الى

سلطة الخافة ولكن موحدتين عام ٩٠٥  ، وفيما عدا سنوات من اانفصال نتيجة انتقال

الواية من حاكم الى حاكم  تبقى مصر وسورية موحدتين نحو ستة قرون ونصف قرن أى

من عام ٨٧٧ حتى الغزو العثماني عام ١٥١٧ . وينضم الحجاز واليمن الى ھذه الوحدة

تحت قيادة محمد بن طنج ااخشيد من عام ٩٢٥ حتى عام ٩٦٩ ثم ينضم المغرب العربي

الى مصر  والشام والحجاز واليمن حين تصبح القاھرة عاصمة الخافة الفاطمية  ابتداء من

عام ٩٦٩ حتى عام ١١٧١ أي لمدة قرنين ، ويسقط حكم ااسرة الفاطمية وتعود ااسرة

العباسية الى واية الخافة على كل تلك ااقطار موحدة ابتداء من حكم صاح الدين . وفى

حكم صاح الدين ومن بعده مايستحق اانتباه .   

      أننا نحن العرب نحب أن نتذكر فنذكر صاح الدين البطل العربي  الذي ايھزم . أولى

بنا أن نعرف لماذا انتصر  ولماذا انھزم وماھو دور مصر في الحالتين . ونحن نعرف أن٨

سورية قد انفصلت عن مصر على أثر وفاة السلطان نور الدين محمود . ولقد حاول صاح

الدين حاكم مصر ، بمصر وحدھا، أن يتحدى الصليبيين    مرتين    فانھزم في المرتين . 

ااولى عام ١١٧١   والثانية عام ١١٧٣ . ھزمه أقل ملوك الصليبيين شأنا  حاكم امارة

مونت﷼  الصليبية . وقد أدرك صاح الدين أسباب الھزيمة  فأدرك أسباب النصر فظل

يجھز للنصر أسبابه أربعة عشر سنة . انطلق أوا  الى دمشق وھناك ھزم الملك الصالح

بالقرب من حماة يوم ١٣ ابريل ١١٧٥ وصفى قاع الحشاشين  الطائفية المتناثرة في سورية

وأعادھا الى الوحدة . بعد ھذا ، وليس قبله ، استطاع أن يتحدى الصليبيين  في معركة حطين

بجيش عربي  شاركت فيه مصر وقاده حاكمھا صاح الدين وليس بجيش مصري ولو كان

بقيادة صاح الدين . فحرر القدس يوم ٢ اكتوبر ١١٨٧ . ومن بعد صاح الدين يقود قطز

حاكم مصر جيشا عربيا يھزم المغول في معركة عين جالوت في سبتمبر ١٢٦١ . وتصبح

القاھرة ابتداء من العام الثاني ولمدة ثاثة قرون مقر  الخافة وعاصمة الدولة بعد أن سقطت

بغداد عام ١٢٥٨ . وتؤدي مصر بكفاءة دور القاعدة والقائدة في تحرير  الوطن العربي من

بقايا اامارات الصليبية . فيحرر الجيش العربي بقيادة  الظاھر بيبرس  الكرك وقيسارية

وأرسوف وصفد ويافا وأنطاكيا . ويحرر الجيش العربي بقيدة قاوون الاذقية   وطرابلس .

و يحرر الجيش العربي بقيادة خليل بن قاوون عكا وصور وحيفا وبيروت فينتھي

ااغتصاب الصليبي عام ١٢٩١ ..  

٩-  كل ھذا يستحق اانتباه انه مؤشر على ماكان التاريخ يصنعه بمصر منذ الفتح العربي . 

لقد دخلت مصر بالفتح العربي طورا جديدا من تاريخھا الطويل فخلقت من جديد . بدأ ھذا

الخلق التاريخي العظيم جنينا في مجتمع المدينة بعد ھجرة الرسول  عليه الصاة والسام . 

وفي مجتمع المدينة نبتت بذرة اامة العربية . تحولت القبائل الى شعب . وتحول ااعراب

الى عرب . واختصوا دون غيرھم  بمدينتھم فأصبحت لھم وطنا . وأنشأوا فيھا دولتھم . أول

حاكم محمد بن عبد ﷲ . وأول دستور الصحيفة التي أقامت نظاما عاما للعاقات الخارجية

والداخلية ملزما لكل المواطنين فيھا مسلمين وغير مسلمين على أساس وحدة الدفاع عن

الوطن الواحد.  

ثم انطلق العرب بااسام الى مايجاورھم فالتقوا واختلطوا بمجتمعات كانت قد تجاوزت

الطور القبلي . واستقرت شعوبا  متجاورة ولكن السيطرة الفارسية والرومانية عليھا جميعا

قرون عدة كانت قد أوقفت نموھا فلم تتحول الى امم متجاورة .  الحميريون في جنوب

الجزيرة العربية تحت السيطرة    الحبشية ثم الفارسية منذ عام ٥٧٥ ميادية حتى ظھور

ااسام . الغساسنة  فى الجزء الشمالى الغربى ومايحيط بتدمر فى سورية تحت السيطرة

البيزنطية  منذ القرن الثالث الميادى حتى ظھور ااسام . القبائل العربية من بنى لخم في

الجزء الشمالي الشرقي من الجزيرة فيما كان يعرف باسم العراق العربي  تحت السيطرة

الفارسية . كل الشعوب فيما بقي من سورية وفلسطين ثم مصر غربا حتى شاطئ المحيط

ااطلسى مستقرة متجاورة على اارض عبيدا فيه بمعنى الكلمة للرومان منذ قرون عديدة .  

..   فجاء الفتح العربى ااسامى ليحررھم جميعا ويرفع عنھم قيود العبودية أوا ثم يلغى

الحدود فيما بينھم ثانيا . ثم يقدم لھم لغة مشتركة ثالث

ا . ثم يعرض عليھم عقيدة أرقى من ً٩

عقائدھم رابعا . ثم ينظم حياتھم طبق لقواعد عامة واحدة ( الشريعة ااسامية ) خامسا  . ثم

يتركھم قرونا في حماية دولته ضد أي تھديد خارجي فيتفاعلون تفاعا حرا فيما بينھم ، ومع

اارض المشتركة قرونا متصلون بدون حدود أو سدود أو قيود على حرية اانتقال

والمتاجرة والعمل    والتعليم والتعلم سادسا .  ثم يشركھم معا في الدفاع عن حدود الدولة

المشتركة وفي الجھاد من أجل العقيدة المشتركة حتى اذا ما اشتركت أربعة أجيال متعاقبة

منھم في الدفاع ضد الغزو الصليبي الذي استمر قرنا بعد خمسة قرون من الحياة المشتركة . 

كان الشعب قد أصبح واحدا واصبح الوطن واحدا ، وارتفع بناء الحضارة الواحدة ، وتاھت

اانساب ، واندثرت المواطن ااولى وانتشر البشر على اتساع الوطن    الواحد فاصبحوا

جميعا أمة عربية واحدة . ولم تعد مصر جارة للعالم العربي ، وا حليفة في الدفاع ضد

الخطر المشترك ، وا شريكا في مصلحة عابرة ، بل أصبحت جزءا من اامة العربية  التي

صنعھا التاريخ ولم يصنعھا أحد على عينه.  

١٠- اامة العربية وجود موضوعي غير متوقف وجودا أو عدما على ارادة أحد ، فمصر

جزء من اامة العربية بدون توقف على ارادة أحد من مصر أو من غير مصر . كما أن

العربي عربي ولو كره ذلك .  ھكذا تعلمنا من اساتذتنا الرواد .  ثم أضفنا أن مجرد ھذا

الوجود القومي دليل موضوعي غير قابل للنقض على أن ثمة روابط وأسبابا موضوعية ، قد

نعرفھا وقد انعرفھا ، توحد مصير اامة بحيث يكون من العبث  الفاشل أن يحاول أي

عربي أو جماعة عربية أو قطر عربي أن يفلت بمصيره الخاص  من مصير امته سيفشل

حتما    ولو في المدى الطويل .  روابط وأسباب موضوعية قد نعرفھا اذا درسنا تاريخنا

وواقعنا لنكشفھا ا لنختلقھا . فاذا لم ندرس فاننا نكتشفھا ـ بسھولة ـ فى خاصتھا الحضارية

. في ذلك الشعور باانتماء القومي الى اامة العربية الذي مايزال يحدد مواقف عشرات

المايين من العرب البسطاء الذين لم تتح لھم فرص التعليم والدراسة . ثم أننا نكتشفھا كل

يوم من مواقف غيرنا منا . فنحن عندھم عرب بصرف النظر عن اقطارنا سواء كانوا أعداء

لنا أم حلفاء وأصدقاء ، وسواء أعجب ھذا اانتماء أحدا  منا أم لم يعجبه .   

    لقد كنا نقول ھذا ونردده ونبشر به وندافع عنه على مدى نحو ربع قرن في كتب منشورة  

ابتداء من عام ١٩٦٥ . وماكان يجرؤ على انكاره اا القليل يوم أن كانت مصر تؤدي دورھا

المتميز  كقاعدة  وقائدة ورائدة تحت راية عبد الناصر . ومن فوق قمة النصر في مثل ھذا

الشھر منذ ربع قرن وعام أي في فبراير ١٩٥٨ لم ينسب عبد الناصر النصر الى مصر بل

نسبه الى اامة العربية . سئل عما يتوقع أن يحدث للعرب لو أنه مات  فقال لسائله (( ھل

تظن أننى أنا الذي خلقت القومية العربية ؟.. أبدا . ان اامة العربية ھي التي خلقتني . لست

أنا الذي اثيرھا بل ھي التي تحملني . انھا قوة ھائلة ولست أنا اا أداتھا . ولو لم أكن موجودا

أوجدت واحدا ، عشرة ، ألفا غيري يحلون محلي . ان القومية العربية ايمثلھا رجل واحد

أو مجموعة من الرجال ،  انھا اتتوقف على جمال عبد الناصر وا على الذين يعملون معه

.انھا قوة كامنة في مايين العرب الذين يحمل كل منھم شعلة القومية . انھا تيار جارف ،

واتستطيع أية قوة في العالم ولن تستطيع تحطيمھا طالما احتفظت بالثقة في ذاتھا )).    نعم

. طالما احتفظت بالثقة في ذاتھا . ھكذا قال جمال عبد الناصر رحمه ﷲ ..   ولكن كثيرين١٠

كانوا ايثقون في القومية العربية بالرغم مما كان يقول أكثر حكام العرب في التاريخ تجربة  

وأغناھم خبرة بدور مصر في العالم العربي .  بل كانوا يرجعون اانتماء    تحت الراية

المنتصرة الى جاذبية النصر ذاته  بدون أن يتوقفوا للرد على السؤال : ولماذا ايلتقي العرب

تحت راية منتصرة  اا أن تكون  راية عربية ،  ومن حولھم أمم كثيرة انتصرت فلم يلتقوا

تحت رايتھا ؟.  على أى حال لقد قدم التاريخ الدليل الحاسم على وحدة المصير من الردة

فالقطيعة فالعزلة  فالعداء بين مصر السادات  والعالم العربي فما الذي جرى ؟.   

ا أحد ينكر اان ماجرى ا في مصر وا في باقي العالم  العربي . حينما تكف مصر عن

أداء دور الجزء من اامة العربية تتقلص الى حد الشلل مقدرة بقية ااجزاء    عن أداء

أدوارھا فتتقلص الى حد الشلل مقدرة مصر ذاتھا على أن تؤدي  الدور الذي اختارته ، فتكاد

تنھار كل القوى في العالم العربي بما فيھا مصر . المسألة ـ اذن ـ ليست مسألة قيادة فذة

وقيادة شاذه . وامسألة انتصار أو انكسار ، بل ھناك تحت جلد العالم العربي شبكة من

الروابط الموضوعية التاريخية التي تقاوم تجزئة اامة الواحدة ، وتحافظ على وحدتھا ،

وتوحد مصيرھا ، وتعلم من ايريد أن يتعلم أن غاية شرود  الجزء من الكل الفشل والشلل

لاجزاء جميعا..  ؟؟  

–  في قلب ھذا الوجود القومي يعيش ثلث الشعب العربي في مصر ، وتختزن فيھا أنضج

عناصر الحضارة العربية    ااسامية في العلوم واآداب والفنون والخبرة المتراكمة  

اقتصاديا وسياسيا . وتتمتع بأكبر قدر من التجانس ااجتماعي بفضل احتضان اامة العربية

لھا وحمايتھا من آثار التخريب العشائري والطائفي الذي أحدثته ااعتداءات الشعوبية على

أطراف اامة العربية . فھى القاعدة اية تعبئة قومية . وھى القائدة اية مسيرة قومية . وھي

الرائدة اية نھضة قومية .وھي كما وصفھا بحق اأديب المؤرخ الفرنسي بنواميشان في

كتابه ( اازدھار العربي ) بأنھا "مخ العرب" ، الذي يتلقى من كل أعضاء الجسم ماتحسه

وتعانيه فيدرك ، ويوجه أعضاء الجسم  فتستجيب . أعجبني ھذا التشبيه أن المخ بدون

أعضاء  في جسم واحد قطعة من اللحم الرخو سريع التلف . كما أن ااعضاء في جسم واحد

تختل حركتھا وتطيش  وقد تھلك اذا مافقد المخ ملكة اادراك السليم أوغسله أحد من ثرائه

وحشاه فكرا غريبا على تكوين ااطراف .   ؟؟  

– ھكذا سيكون دور مصر في العالم العربي منذ صاح الدين حتى آواخر القرن التاسع عشر

. لن تتأثر كثيرا بتنازع اأسر على تولي الخافة . فقد بقيت تؤدى دورھا كجزء من اامة

العربية وواية الخافة لأسرة الفاطمية ثم العباسية ثم العثمانية .  انتھت واية الخلفاء

الفاطميين في مصر ظھر يوم جمعة .  سمع المصلون خطباء المساجد يدعون للخليفة

العباسي بدا من الخليفة الفاطمي بأمر من صاح الدين فانتھى اامر . وحين تولت  ااسرة

العثمانية الخافة بعد ھزيمة الجيش العربي في معركة مرج دابق يوم ١٢ اغسطس ١٥١٦

ودخول مصر في يناير ١٥١٧ وعزل الخليفة العباسي . لم يتغير شئ  في مصر . اكتفى

العثمانيون بأن يحصلوا على ربع حصيلة الضرائب ، وبأن يولوا الواة لجبايتھا .  وبعد

أربعة قرون لم يتركوا بھا أثرا سوى مسجدين مفرطين في تواضع العمارة أحدھما مسجد

السنانية في بواق الذي بناه سنان باشا عام ١٥٧١ وااخر مسجد أبو الدھب الذي أنشئ عام١١

١٧٧٤ .ثم أنھم فصلوا ادارة سورية عن ادارة مصر اول مرة بعد ستة قرون ونصف قرن

. ولكنھم  لم يستطيعوا أن يعزلوا مصر عن اامة العربية . ولم يقبل الشعب العربي في

مصر حتى الفواصل اادارية . فما أن يتولى اامر بھا حاكم قادر حتى يلغي تلك الفواصل

وينزع نزوعا يكاد يكون غريزيا الى الوحدة العربية وماھى اا استجابة لروابط موضوعية

تشد اامة الواحدة بعضھا الى بعض . ھكذا حاول أن يفعل على بك الكبير عام ١٧٦٨ . 

وھكذا حاول أن يفعل محمد على ابتداء من ١٨١٥ . وھكذا ستكون مصر مأوى ااحرار  

الھاربين اليھا من القھر الطوراني حينما يستولى الترك على الدولة فيحولونھا من دولة

مشتركة الى دولة مسيطرة فيأتى رد الفعل العربي متدرجا من الامركزية الى اانفصال

والوحدة .    

(٤)محددان لدور مصر : الواقع الدولي : ؟؟  

– وھكذا نستطيع أن نقول أنه بصرف النظر عن اآمال واآام ، عن الرغبات والمتغيرات ،

عن الحكام والمحكومين ثمة محددان موضوعيان ثابتان نسبيا لدور مصر في العالم العربي . 

أولھما محدد جغرافي اقليمي واآخر محدد تاريخي قومي . لقد تواليا عليھا تاريخيا . أسبقھما

المحدد الجغرافي ااقليمي . وھما متناقضان ، اذ يحـدد كل منھما لمصر دورا في العالم

العربي مختلف المدى والمضمون والبواعث وااسلوب وااداة . ولقد توقف  الدوران كاھما

عام ١٨٨٢ بااحتال البريطاني وأصبحت مصر واقعيا ـ ارسميا ـ اداة تؤدي بھا بريطانيا

الدور الذي تريده فى العالم العربي أو في تأمين مواصاتھا الى مستعمراتھا فيما يلي العالم

العربى شرقا . ؟؟  

–  ولكن اامر سيحسم بعد نھاية الحرب اأوروبية ااولى وتقسيم اامة العربية الى دول

بفعل ااستعمار ااوربي حسم بعد تمھيد طويل وبمراحل متتابعة . أسبقھا مرحلة اامتيازات

ااجنبية  التي حصلت عليھا الدول ااوروبية من ساطين بني عثمان . فرنسا عام ١٥