قليلون من انتبهوا إلى أن إقالة أو استقالة وضاح خنفر من قيادة شبكة «الجزيرة»، وما تبعها من تأويلات متضاربة، لم تعد هي الحدث، بل صار الحدث هو الاهتمام الاستثنائي في وسائل الإعلام العربية والأوربية والأمريكية والإسرائيلية بهذه الاستقالة وماذا وراءها وماذا أمامها؟ إن قرار استبدال مدير بآخر يحدث مثله في آلاف الشبكات التلفزيونية حول العالم، لكنه لا يثير مثل هذه الزوبعة ولا يستقطب هذا الكم الهائل من الاهتمام والتعليق والتأويل وتضارب الآراء. ما حدث عقب خروج وضاح خنفر من مركز قيادة «علبة الكبريت»، وهو الاسم الذي أطلقه الرئيس المصري المخلوع على قناة «الجزيرة» لأنها تشعل النار في كل مكان بأعواد ثقابها، أكبر دليل على سلطة قناة «الجزيرة» عبر العالم، حتى إن البعض قال إنها العضو 24 في جامعة الدول العربية، الأكثر نشاطا وقوة ومشاكسة…
ليس مهما الآن أن نعرف لماذا ترك الشاب الفلسطيني مقعده في قناة امتلكت الحق الحصري لدخول أكثر من 100 مليون بيت عربي بلا استئذان، أكان السبب هو ما نشر في وثائق ويكيليكس من أن خنفر كانت له علاقات مريبة مع «CIA» وأنه سعى إلى إرضاء أمريكا في بعض التغطيات الإخبارية الأكثر حساسية، أو أن الأمر يتصل بترتيبات البيت القطري وما تقتضيه هذه العملية من استبدال للوجوه والمواقع. «الجزيرة»، ومهما كانت آراؤنا في خط تحريرها وأسلوب عملها وأجندة الدولة التي ترعاها، تتحدى اليوم عقل الإعلام العربي الرسمي الذي فشل في كل شيء، باستثناء مسألة واحدة نجح فيها وهي إحداث أكبر قطيعة بين المواطن العربي وتليفزيونات الحاكم…
أزعم أن فائض الاهتمام بـ«الجزيرة» وأخبارها في المغرب والعالم العربي يأتي من يأس الناس وإحباطهم من وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية في بلدانهم. في المغرب، تخسر مملكة العرايشي التليفزيونية كل سنة مئات آلاف المشاهدين المغاربة الذين يهاجرون بلا جوازات سفر إلى تليفزيونات الشرق والغرب، هربا من جحيم الدعاية البلهاء والرقابة على حق المغاربة في أن يروا أنفسهم وهمومهم وقضاياهم في التلفزة التي يمولونها من جيوبهم.
أحدث التقارير تقول إن قناة «الجزيرة» تكلف دولة قطر حوالي نصف مليار دولار كل سنة، وهذا رقم صغير جدا في بحر ما تصرفه الدول العربية على ما تسميه قنوات تلفزيونية دون أن تحقق أي تأثير أو هدف أو مصلحة، غير تسمين جيوب القائمين على هذه القنوات من مدراء مدرسة محمد سعيد الصحاف، ذكره الله بالخير، الذي ظل يهدد أمريكا بالانتحار على أسوار بغداد العظيمة ساعات قبل هروبه إلى الإمارات العربية، لينهار الجيش العراقي الذي كان نمرا من ورق حاول الصحاف ببلاغته وخياله المريض أن يزرع فيه الروح.
في المغرب، نصرف رقما قريبا من ميزانية قناة «الجزيرة» التي تشغل طاقما أصغر من الجيوش الموضوعة رهن إشارة العرايشي، والتي لا تحارب إلا على جبهة طرد المشاهدين المغاربة من أمام التلفزة. فحسب مؤسسة «ماروك متري»، وصلت نسبة مقاطعة المغاربة لقنوات القطب العمومي، السنة الماضية، إلى حوالي 60 في المائة، وهذه النسبة مرشحة للازدياد هذه السنة.
الدولة لوحدها تعطي العرايشي 200 مليار سنتيم كل سنة، ويربح من الإشهار مبلغا قريبا من هذا (أي حوالي 420 مليون دولار بفارق 30 مليون دولار عن ميزانية الجزيرة)، وتصرف الحكومة 23 مليار سنتيم على وكالة المغرب العربي للأنباء، وإذا أضفنا هذه الأرقام إلى ميزانية وزارة الاتصال وميزانية الملحقين الصحافيين في سفارات المغرب بالخارج سنصل إلى ميزانية أكبر من ميزانية «الجزيرة». أما إذا قارنا ما تقدمه الجزيرة من منتوج إعلامي وقدرة على التأثير بما تقدمه قنوات القطب العمومي فإن المقارنة تبعث على السخرية أكثر من أي شيء آخر.






