محمد الأشهب
ليس صحيحاً أن المغرب كان استثناء في الربيع العربي. إنه يعيشه بطريقة مختلفة وهادئة، لا مكان فيها لغير صوت العقل والواقعية المتدرجة من ضفة إلى أخرى.
فالثورة يمكن أن تحدث من دون نصب مشانق الإعدام وإراقة الدماء. إنها صيرورة تتفاعل ضمنها الرغبة والقدرة بقدر أقل من التشنج والحماسة. والمغاربة كانوا على موعد مع ربيعهم الخاص الذي قلب الكثير من المفاهيم والمعادلات من دون أن يقلب الطاولة.
ثلاث محطات تعكس مظاهر عدة لتحولات تجرى من دون ضجة. في مقدمها أن البلاد استبقت العاصفة عبر إجراء انتخابات اشتراعية قبل موعدها في ضوء الدستور الجديد التي حتم ملاءمة الوضع السياسي لضرورات التغيير.
المحطة الثانية هي ما ترتب عن هذا المسار لجهة اكتساح الحزب الإسلامي «العدالة والتنمية» للشارع السياسي، ساعده في ذلك أنه أفاد من منظومة الإصلاح الدستوري، بالقدر الذي بدا أن اللباس الجديد وضع على مقاسه. والإسلاميون الذين لم يكونوا يعولون على أكثر من بضعة مناصب وزارية كانوا في مقدم من ذهلوا إزاء تلاحق التطورات.
أما ثالث المعطيات، فقد صنعته الطبيعة التي لا يقوى الإنسان على رد مفعولها. وحين بدا أن الحكومة الجديدة ستواجه غضب السماء، متمثلاً في انحباس المطر وسيطرة الجفاف، هطلت أمطار في غير موعدها وأنقذت قطاع بلد لا يزال تحت رحمة الزراعة التي قال عنها الجنرال الفرنسي ليوتي إنها تحكم أكثر من أي قوانين أو نخب.
الذين يعرفون المغرب يرون أن ما فعلته سنوات الجفاف في ثمانينات القرن الماضي كان أكثر ضراوة من أي سياسات خاطئة. وبالتالي فإن الطبيعة وحدها تكفل تقويم الصورة الاقتصادية والاجتماعية على عكس كل التوقعات والاستقراءات. ومن حسن حظ الحكومة أن الطبيعة لا تعاكسها كما هي حال المعارضة في حلبة الصراع السياسي.
إذا كان مفهوماً أن البلدان التي هزها الربيع العربي لم ترس شراعاتها على شواطئ اليقين الديموقراطي الذي ينظم العلاقات والأحكام والمواقع، فإن تداعيات الصراعات بين القوى المحافظة والأصوات الغاضبة تجد مداها في العراك الدائر سياسياً، كونه انتقل إلى استخدام كافة الأوراق والمواقع. ولا يعني التلويح بعصا الفضائح المالية التي أميط اللثام عنها سوى أن الصراع بدأ يخرج عن نطاق السيطرة.
مع أن الحكومة لم تكشر عن أنياب المحاكمات في مواجهة لوبيات الفساد التي عششت بين ثنايا الإدارة وفي مراكز النفوذ الاقتصادي، فإن تزايد المخاوف من لجوئها إلى سياسة «مطاردة الساحرات» تحول إلى نوع من السياسة، أقله الاحتماء بسلطة قوانين وإجراءات تبيح الإفادة من الثروات بطرق تخلو من الشفافية.
غير أن النقاش في جوهره ليس قائماً بين قوانين وأخرى، وإنما بين سلطات دأبت على الاحتكار وأخرى تتوق لاجتثاث الظاهرة بسلطة التغيير الذي يعاينه الناس. وإنها لمفارقة أن يكون البلد الغارق في الديون الخارجية والداخلية وفي أشكال التباعد الاجتماعي بين الفئات والفضاءات في الحواضر والأرياف هو نفسه الذي كان يحظى كبار مسؤوليه بتعويضات سخية، يصنف أصحابها في خانة أثرياء العالم.
مهمة شاقة تواجهها أول حكومة مغربية منبثقة من صناديق الاقتراع، أقربها أن المعركة التي بدأت تحت لواء الديموقراطية الناشئة لم تعد تواجه العزوف السياسي أو سلطة التصويت العقابي فقط. بل انفتحت على المجاهل الحقيقية في الإصلاح الذي يهدم قلاع المقاومة.
إنه شوط أكثر حسماً من صراع النخب. وقد تكون مشكلة الحكومة المغربية أنها نزعت المخاوف والمبررات إزاء أي استخدام للسلطة الدينية. واتجهت عكس كل التوقعات إلى زرع مخاوف من نوع آخر في نفوس مناهضي الإصلاح والتغيير. وهذه أيضاً صورة أخرى لربيع مغربي من نوع آخر، أنقذه المطر قبل أن تلتف على عنقه حبال مشانق تريد رأس «لعدالة والتنمية» بأي ثمن وتحت أي ذريعة.






