أجيال بريس
إن كلـمة "فـيلولوجيا" مقبـوسة من جـذرين يونـانييْن يُـراد بأولهما "حـبّ"، وبثـانيهما "لغـة". ويطـلَق هذا المصطلح، فى اللغة الفرنسية، أساساً على عملية نشْر النصوص القديمة. ويُستخدَم، فى ألمانيا وفى بلدان أوروُبية أخرى، غالباً بمعنىً فضفاضٍ إلى حدّ تسْويته أحياناً بمفهوم "علم اللغة" "Linguistique". ويمكننا اعتـبارُ الفيلولوجيا، بمعناها الدقيق، [عِلماً] يشتغل على النصوص المكتوبة مُسْتهدِفاً، مبدئياً، إنشاءَ نص ممتدّ إلينا من حقبة سالفةٍ. وفى هذا المَساق، نستطيع أن نلحَظَ هنا امتدادَ نشاطٍ كان مهمّاً جدا فى الأعصُر القديمة وفى المرحلة القروسطية، ظهر لنقْل النصوص وشرْحها فى مجالٍ اتّسَم بنَسْخ عددٍ من النصوص نسْخاً غيرَ أمينٍ أو بطرق ملتويةٍ.
ما المُسْتـنَدُ المُــعَدُّ لمعرفة نص قديم؟ يمكـن الاستعانة ها هنا بتـقنياتٍ ومعارفَ معينةٍ، مِن مثل
الباليوغرافيا: علمِ دراسة النصوص القديمة، والإبيغرافيا:علمِ دراسة النقوش التى وصلتنا مَرْسومةً على الحجر أو المعدن أو غيرهما.
والواقـعُ أنه يتم الانطلاق، فى الغالب الأعمّ، من طبعات لاحقة جداً قِيـاساً إلى زمن كتابة النص الذى يتخذ شكلَ مخطوطٍ بغير خطّ كـاتبه، أو مجرد استـشهادات بسيطة من هذا النص فى أعمال أخرى. إن هـدفَ الفيلولوجيا ،إذاً، هو الارتقاءُ، ما أمْكن، للوصول إلى النص الأصلى متخطّيةً جميعَ المَعيقات. إنه مطمَحٌ دونَه ،غالباً، مثبِّطات وعراقيل، ويتطلب معرفة كثيرة وصرامة كبيرة. ومع ذلك، فهو ضروري. تخيّلوا، على سبيل المثال، أننا نريد قراءة ملحَمَتيْ هوميروس "الإليـاذة" و"الأوديـسا"، فما المـعرفةُ التى يمكننا التـسلُّحُ بها للوصول إلى النص الهومـيرى "الحـقيقي"؟ وعلى الرغم من ذلك، وَجَبَ نشْرُه إذا رغِبْنا فى قراءته…! إن الفيلولوجى "Le philologue" سينهَج طريقاً عبر كل التشـوُّهات والتـحريفات التى طالت النص فى مسيرته التاريخية، وكل تغيُّراتها وإضـافاتها التفـسيرية أو شـُـروحها، وجُمَلها المُــوازية، وأخْــطاء نَسْخها، ونحْو ذلك. وحـالةُ هومير هذه يمكن أن تكون متناهية. وإذا كانت الفيلولوجيا، غالباً، تتخذ لها موضوعاً النصوصَ القديمة والقروسطية، فإنها صارت فى اللحظة الحضارية الآنية تُعْنَى بدراسة موادِّ العصر الحديث على حدّ سواءٍ.
تسْتقى الفيلولوجيا مـادتها، فى إطار اشتـغالها بالــتأسيس النـصّي، من اللسـانيات "علم اللغة"، كما تستقيها من النقد الأدبى ومن التـاريخ أيضاً. حيث إنها "تهيّـئ الأرْضـية" بطريقةٍ تمكّنها من بُـلوغ التّـقصِّيات اللسانــياتية الدقـيقة جداً حَـوَالَ النصوص المــعالَجَة، ومن شرْحها وتوضـيحها، وفى هذا المجال، يعد الفـيلولوجى الألـمانى كـارل لاشْـمانّ K.Lachmann "1793-1851م" صاحبَ مَنــهجٍ فى تأسيس النصوص يتــمتّع ، مـــوسَّعاً، بحضور ونفوذ دائمَـيْن.
وعليه، فمِنَ المُمْــكِن التمييزُ بين طوْرَين أساســيين فى الفيلولوجيا؛ طـورٍ أوّلٍ كانت تهدف خلالَه، بالأساس، إلى نقْـل النصوص بكيفيةٍ تجـعل القارئ يـتلقّى أقصى ما يمكن من المعطيات التى تسمح له بالوقوف على النص الأصـليّ، و طــورٍ ثانٍ يبتــدئ مع القرن التاسع عشر؛ حيث أعْطتِ الفيلولوجيا طُـموحاً عريضاً جداً بمــناقشة دلالة النــصوص المـكتوبة عــامةً.
ارتبطت الفيلولوجيا، قديــماً، بممارسة تأويلية أطــلِق عليها أحياناً "التفــسير" "الكلمة هنا مرتبطة بالكتاب المقدَّس تخْصيصاً"، وكان الأمرُ متـعلِّقاً بتأسيس نصٍّ قابل لأنْ يُفهَمَ فى أى مستوىً، سواء أكان حقيقياً أم مجازياً أم غيرَ ذلك. لقد استقرّ هذا "التفسير"، بالتأكيد، على تأسيس النص، وعلى المَعارف النحوية والتاريخية والميثولوجية وغيرها كذلك، وأزال عن قرّاء النصوص "التفسيرات" التى تضطلع بدور مهمّ فى تشْــييد كِيان الثــقافة.
انطلاقاً من العصر الرومانـطيقي، فى ألمانيا، بدأ التعامُل مع الفيلولوجيا بوصفها تأويلا عامّا للنصوص، فى سعْى إلى فهـمها واجتـهادٍ إلى ترمـيم مقاصد الكاتب ودلالة الأصل معاً. إن محاولة إعادة الاعتــبار "Reconstruction" هذه تتأسَّس على تحليل دقيقٍ جداً للمادة اللسانياتية، وتفسير نحوى وبلاغى وأسْلوبي، ولكنها تكشِف عن تأويل نصّيّ عامّ للوثائق فى علاقةٍ بتاريخ ثقافة مّا. وقد حدّدها أوجست شليجل "A.Schlegel" ، عام 1818م، بأنها "دراسة عــامّة" "Etude générale" للغات. وقد طبّق هذا النـظامَ قـُطْران، بصفة أســاسية، ويتعلق الأمرُ بألــمانيا وفرنسا، ففى عشرينيـات القرن التاسع عشر، بألمانيا، وبتأثيرٍ من فريدريش دياز "F.Diez"، سيظهر نظامٌ سيُطَــوَّرُ مُـوازاةً مع الفيلولوجيا؛ إنه اللسـانيات الرومــانية التى رامـتْ دراسة كل لغة رومانية على حِدَةٍ، وعلاقاتها بالــلاتينية كذلك، دون إغــفال الصّلات فيما بينها طبعاً.








