الجزائر تايمز / أحمد جمال
بعد مرور سنة على الحراك الذي عرفته العديد من العواصم العربية في الشرق و الغرب، مطالبة بالحرية و الإنعتاق من قبضة الظلم و التجبر و الاستغلال، وبعيدا عن ضجيج الاحتفال بالإسقاط أو السقوط و نشوة الفرحة بتكسير القيود، أو حتى العيش مجددا على أمل التخلص ممن عاثوا فسادا في البلاد، وسرقوا قوت الأنعام و العباد، ارتأيت الجلوس مع نفسي في لحظة تأمل و تقييم للحصيلة الأولية لذاك الحراك.
إن حدة هذا الحراك اختلفت من قطر لآخر حسب الكثير من الأسباب و المعطيات، بحيث أنه جاء مفاجئا و أقل دموية في تونس كما جاء سقوط بنعلي أكثر جبنا و فجائية. حاول حسني مبارك الوقوف في وجه التيار مستعملا كل الوسائل المتاحة من خطابات اديولوجية و أسلحة نارية قبل أن يستسلم بعد إدراكه بأن الساعة قد قدمت و النجم قد أفل، وكذلك فعل نظام على عبد الله صالح بعد أن أرهقته المراوغة أشهرا طويلة. العقيد القذافي كان أكثرهم شجاعة في الذهاب إلى أبعد الحدود، لأنه كان أكثرهم هوسا بالسلطة، فصار أكثرهم همجية و دموية. النظام المغربي اختار استباق الربيع العربي عبر الإسراع بمسيرته الإصلاحية التي جاء بها العهد الجديد، والتي عرفت بعض التعثر. النظام الجزائري لا زال يمانع الانفتاح، والشارع الجزائري لا زال محتشما و المستقبل لا زال غامضا. أما عائلة الأسد فلا زالت ترى أن سوريا ضيعة علوية، وأن الذين يطلبون الإنعتاق من العبودية ليسوا إلا غرباء و عملاء يجب البطش بهم و التفنن في قتلهم. شوارع أخرى عبر الوطن العربي لازالت تغط في نوم عميق، على أمل اللحاق بالربيع العربي في الموسم القادم.
انتفت إذن عقدة الخوف لدى الشوارع العربية التي استطاعت تحطيم الغطرسة و تهشيم رؤوس الأصنام الآدمية. هذه العقدة التي كبلت المواطن العربي لسنين عديدة و جعلت منه أعجاز نخل خاوية، و لأول مرة في بعض تلك الشوارع أحس المواطن أنه صار مثله مثل مواطني الضفة الغربية، بحيث يستطيع انتقاد السلطة و يعترض على بعض سياساتها، ويعبر عما يختلجه من غير خوف .
لكن و أنت تتجول في بعض تلك الشوارع التي عرفت الربيع العربي و استفادت من خضرته و بهجته، تساورك العديد من الأسئلة حول المستقبل و أنت تتفطن لشيء خطير صار يلف تلك الشوارع بسبب افتقاد حلقة مهمة لابد لها من أن ترافق التحرر من عقدة الخوف، بل إن غيابها قد يعطي نتائج عكسية هي أخطر من الغطرسة و من الخوف: إنها الوعي بشتى أنواعه السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية. عندما يقترن عدم الخوف بعدم الوعي، فلن تتولد عنهما غير الفوضى، والفوضى مثل الفتنة، والفتنة أشد من القتل.
قد صرنا نرى في العديد من الشوارع العربية المنتفضة اختلاطا رهيبا للأوراق، وآفاقا قاتمة تعطي الإحساس بالخوف من جديد، ولكنه خوف من نوع جديد: شوارع تحتل و مرافق اجتماعية و إدارية باسم الحق في التظاهر، فتعطل بسببها مصالح فئة عريضة من المواطنين. حرمات و أعراض تنتهك جهارا و نهارا باسم حرية التعبير و الحق في الاختلاف، فمنهم من صار يفتخر بشذوذه و يجاهر به، و منهم من صار ينظم موائد إفطار في نهار رمضان ازدراء بالدين ، ومنهم من يحتل القطارات و الحافلات و البنايات و الأسطح و الطرقات و يعطل المصالح طلبا لوظيفة حسب مقاسه و شروطه. هناك أيضا من يركب موجة الصحافة ليستبيح كل الأعراض، و ينشر كل السموم و الأوساخ التي تهدد القيم وتحط من المعاني، في شكل انتفاضة فوضوية بعيدة عن الأعراف و القوانين. هناك كذلك جمعيات تجعل من شعار حقوق الإنسان غطاءا للدعوة إلى الإباحية الجنسية و الأخلاقية و العهر السياسي، وأخرى تركب الدين من أجل إقصاء الآخر و كتم أنفاسه.
قد كنا فعلا نفتقد نسائم الحرية و حق الإنسان في الاختلاف، ولكن العديد من شوارعنا استفاقت على روائح كريهة و مزكمة، و اختلطت فيها كل النحل و الملل بشكل رهيب و مقرف. هناك استغلال وحشي للأطفال و المراهقين و السذج من المواطنين من طرف جماعات دينية و سياسية و اديولوجية قصد تمرير برامجها التي فشلت في تمريرها بالطرق السلمية و الشرعية سواء أيام القهر و أيام التحرر و الانفتاح.
إن الخوف اليوم على الشارع العربي صار أكبر، إن كانت ثورة ذلك الشارع ثورة شوارع قبل أن تكون ثورة عقول. إن ثورة الشارع كالسيل الجارف، لا تميز الخبيث من الطيب، و هي أقرب للهدم منها للبناء، أما ثورة العقول فهي الضامن للسير نحو العلا، لبناء مجتمع الحق و القانون، وهي كذلك الحصانة الجيدة من الرجوع للخلف، لزمن الاستبداد و الخوف.
فهل يا ترى، هي مؤامرة على نسائم الربيع العربي من طرف من أسقطت أوراقهم أو هم في طريق السقوط ؟ أم هي فعلا حالة أمة في حاجة للتربية قبل الثورة ؟






