حكيمة أمحا أو الشحرورة أوفيليا

ajialpress27 ديسمبر 2011
حكيمة أمحا   أو الشحرورة أوفيليا

أجيال بريس

محسن زريول

حكيمة أمحا.. واحدة من القليلات اللواتي يؤمن أن طريق الفن طويلة وشائكة.. وأن مسيرة المائة ميل تعلن ميلادها بخطوة.. وأن الوصول للقمة ربما قد يبدو سهلا.. لكن البقاء حيث الوصول أمر صعب.. لذلك فضلت أن تبدأ من الصفر.. أن تتهجى سبيلها كما يتهجى الطفل لغته.. لم تستهوها الأضواء يوما.. لأنها كالفراشة..تعي أن الجري خلف الضوء محرق ومميت..

حكيمة أمحا.. أو ذات الرداء الملون كما يحلو لي أن أسميها.. نسبة إلى ذات الرداء الأحمر.. موهبة من زمن الحب.. موهبة يمتزج فيها الإصرار بالتأني.. والعناد بالصبر.. حين تجالسها.. تلمح في عينيها بعضا من ملامح أوفيليا.. تعشق الفن وتعرف أيضا أنه يعشقها.. لكنها ترفض أن تذبح قربانا في محرابه.. ترفض أن تصلب أنوثتها في هودجه..

بالقنيطرة كان ميلادها.. لكنها ككل طفلة شغوفة ومشاكسة.. عرفت ومنذ البداية.. أن الموهبة تسكنها وفي الوقت نفسه تحاصرها.. وتدفعها للبحث عن متنفس لتفجيرها.. لذا لم تختصر وجودها في بيت والديها.. بل راحت تبحث عن ذاتها في عوالم أخرى..عوالم قادرة على استيعاب حلمها وشغفها.. فاحتضنت آنذاك حركة الطفولة الشعبية.. ذات لقاء دولي بالجديدة.. بينما كانت تسبح في عالمها الطفولي كذات الرداء الملون.. وتحلم بالفراشات الملونة وبباقات زهور القرنفل.. داهمها المسرح في غفلة منها.. وسحبها لحضنه.. لم تعاند أو تتمنع.. كانت كما لو أصابها مس من السحر.. انقادت لهذا العاشق الذي اقتحم عليها طفولتها.. واستسلمت له.. فمنحته قلبها ليمنحها رضاه.. يومها كان رضاه رضا الجمهور الذي تحلق حول الخشبة بشغف وصفق لها كثيرا.. قبل أن تقتنصها عيون الوفد الإيطالي الذي دفع بها في عرضه المسرحي اعترافا منه بموهبتها وبعلو كعبها الطفولي.

أغمضت حكيمة عينيها وعادت لمدينتها وفي أذنيها يتردد صدى الجمهور.. كانت تمني النفس بأن تجد ضالتها بالقنيطرة.. لكن كعادة كل مدن الهامش خاب ظنها.. ولم تجد من يرسم لها ملامح خارطة طريقها.. فاستكانت إلى نفسها.. ولأن العناد سمتها.. والإصرار ميزتها..فقد قررت أن تطارد حلمها بطريقتها وأن ترسم ملامح مسارها بيدها.. فبدأت بالقراءة.. انهالت على  النصوص المسرحية.. كلما سقطت عيناها على نص مسرحي تحرك فيها الحنين والشوق ولا تهدأ حتى تنهي آخر صفحاته.. لتدمن بعدها مشاهدة العروض المسرحية.. في انتظار الفرصة التي كانت ذات الرداء الملون تؤمن أنها لا محالة آتية.. لكن في غمرة رحلة البحث السيزيفية هذه.. عادت أوفيليا أو الشحرورة إلى موهبتها الأولى.. الغناء.. فقد ضبطتها والدتها يوما متلبسة وهي تدندن أغنية صاحبة وعدي يا وعدي.. فانبهرت به.. ومن حينها وكلما تحلقت العائلة حول لحظة فرح مقتنصة إلا وطلب منها أن تغني أغنيتها المفضلة.. قبل أن ترحل بها ريح الحداثة نحو صوتها الشامي المفضل صاحبة.. اغضب كما تشاء.. لترث منه حشرجته وبحة الحزن الدفينة فيه.. ضلت الشحرورة أوفيليا تغني في كل المناسبات المناسبة.. قبل أن تقرر أخيرا إنتاج ألبوم غنائي خاص بها..يحمل بعضا من ملامحها والكثير من أحلامها.. ورغم أن البداية كانت صعبة وأن لعنة القرصنة طاردتها حتى قبل أن تعلن صرخة ميلاد التجربة.. لكنها كسيزيف لا يقبل أبدا بالهزيمة.

لم يتأخر انتظارها لعشيقها الأول التمثيل.. حتى انهالت عليها العروض.. لتمثل في العديد من الأفلام القصيرة.. وبعض التجارب التلفزيونية والسينمائية.. لتعلن ميلادها الفني وترسم ملامح طريق فنية تعد بالكثير.

حكيمة أمحا.. واحدة من العصاميات.. تشربت الرغبة من تشجيع محيطها ودعم أصدقائها.. ولأنها تعي أن الموهبة في زماننا ليست كافية.. فقد التحقت بالمعهد الوطني للفن الدرامي بالدار البيضاء.. لتصقل موهبتها.. وتطور تجربتها.. في أفق معانقة حلم ناضلت من أجله لسنوات..

 

 

 

مستجدات