هيثم شلبي: كاتب وصحفي فلسطيني
يتوجه الناخبون المغاربة يوم الجمعة، الخامس والعشرين من نوفمبر إلى صناديق الاقتراع من أجل انتخاب أعضاء مجلس النواب الأول بعد دستور البلاد الجديد. انتخابات كثر الجدل حولها بين فريقين يقفان على طرفي نقيض، وإن كانا يلتقيان في المبالغة في حديثهما عن مصيريتها أو لا جدواها.
ولو بدأنا بالطرح الأكثر تهافتا، وأقصد كلام الفريق الداعي إلى مقاطعتها، تقليلا من أهميتها، ممن يحلو لهم الانضواء تحت راية "20 فبراير" الفضفاضة، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:
- الدعوة لمقاطعة الانتخابات، والتي تأتي امتدادا لدعوتهم لمقاطعة الاستفتاء على الدستور الجديد، والذي تم رغم ذلك بنجاح كبير في الأول من يوليو الماضي، تظهر مدى عجزهم وقلة حيلتهم. فهم لم يجرؤوا سابقا ولا يجرؤون حاليا على الدعوة للذهاب لصناديق الاقتراع وقول "لا" في المرة الأولى، ووضع ورقة بيضاء في التجربة الحالية، لأن من شأن ذلك أن يعري ضآلة حجمهم من ناحية، ومن جهة أخرى فأن الانضواء تحت راية المقاطعين للانتخابات، وعددهم بالمناسبة زاد عن نصف الناخبين خلال الانتخابات الماضية (قبل وجود عشرين فبراير أو الثورات العربية) يسهم في إعطاء انطباعات خاطئة، لهواة القراءات الخاطئة في الإعلام العربي.
- الحجة القائلة بأن الدعوة لمقاطعة الانتخابات تأتي رفضا "للدستور الممنوح" لا تقل تهافتا بدورها، لأن المغاربة بمختلف فاعليهم قد ساهموا في صياغته، وأصبح ملكا لجميع المغاربة بعد أن نال تزكية ما يقرب من ثلاثة أرباعهم، فكيف تكون مقاطعة المغاربة للانتخابات (وكثيرون سيقاطعون الانتخابات في جميع الأحوال بغض النظر عن نسبتهم) تجسيدا لرفضهم للدستور الذي وافقوا عليه؟؟
- موقف الرفض العدمي لكل شيء، واعتبار أن لا شيء يتغير أو هو قابل للتغير أصلا، لا يبني أوطانا ولا يقدم خدمة لأية قضية، لأن البناء يتطلب مثابرة وعرقا وتضحية وصبرا، من أناس فاعلين يجدون مبررا كل صباح من أجل أن يفيقوا ويتابعوا مسيرة البناء التي بدأوها.
- يمكن لدعوة مقاطعة الانتخابات أن تلاقي صدى أكبر من سابقتها الداعية لمقاطعة الاستفتاء. ومن السهل تفهم هذا الأمر على اعتبار أن المغاربة، كباقي الشعوب العربية، يحتفظون بذكريات سيئة للاستشارات الانتخابية عموما، ولا يثقون بالأحزاب بشكل عام، على الرغم من تميز المغرب عن باقي البلدان العربية، بأنه قد وصل إلى انتخابات غير مطعون في نتائجها من قبل الخاسرين ناهيك عن الرابحين. وعليه، لا يمكن لعاقل أو منصف أن يرجع المقاطعة المتوقعة للانتخابات المقبلة، إلى دعوات جماعة العشرين من فبراير الهامشية.
- أخيرا، فالاستشارات الانتخابية، على عوراتها الكثيرة نظاما وممارسة، تبقى الشكل الأكثر توفيقا من أجل أن يخوض الناس معركتهم ضد الفساد والمحسوبية، وباقي السلبيات التي يرفع محتجو 20 فبراير راية مكافحتها، يشاركهم في ذلك معظم المواطنين، اما النضال "الإعلامي" عبر الفضائيات ومواقع الانترنت، أو الوقفات الاحتجاجية المعزولة في الشارع، والدعوات لمقاطعة الانتخابات وغيرها من أدوات الفعل السياسي الإيجابي فهي الطريق الأصعب والاطول من أجل التغيير، لاسيما إذا سلمنا بوجود فرصة للتعبير الحر عن إرادة الناخبين، عبر انتخابات تتجاوز الحد الأدنى المطلوب من شروط النزاهة وحياد السلطة.
لكن بالمقابل، وفي مواجهة الدعوات للمقاطعة، ومع تثمين الرسائل السياسية والإعلامية التي تحث المواطنين على المشاركة الإيجابية في إدارة الشأن العام، عبر اختيار ممثليهم في السلطة التشريعية، والذين سينبثق منهم جهاز إدارة السلطة التنفيذية، فإن المبالغة في الحديث حول "مصيرية" الانتخابات المقبلة يجانب الصواب لعدة اعتبارات ربما كان أهمها:
- أن هناك دائما مقاطعون في أية انتخابات لاسيما الانتخابات التشريعية، والتي يطلب فيها من عموم الناس أن يختاروا بين عدة أشخاص أو أحزاب (يفترض أن تمتلك برامج)، إما لغياب ثقتهم في هذه الأحزاب أو هؤلاء الأشخاص. هذا الأمر كان دائما هناك، في الانتخابات السابقة كلها، وسيتكرر في هذه الانتخابات كذلك، بغض النظر عن مدى توفر شروط نزاهتها, وهو موقف رافض من الأسلم فهمه في سياقه الطبيعي كانعكاس لأزمة الثقة بين عموم المواطنين ونخبهم السياسية.
- لا يكفي امتلاك دستور جديد، حتى لو كان رائعا كالدستور المغربي، من أجل تغيير سلوك الناس الانتخابي بين ليلة وضحاها، لأنه بالأساس، لم يفلح (أي الدستور الجديد) في تغيير سلوك الأحزاب والنخب السياسية المتنافسة، والتي خاضت الحملة الانتخابية الحالية بنفس الوجوه والبرامج والآليات التي خاضت بها الانتخابات السابقة والتي قبلها. وهذا الأمر (سلوك الأحزاب والنخب السياسية) هو المسؤول عن عزوف الناخبين وليس غيره.
- ارتباطا بما سبق، من الظلم تصوير الانتخابات الحالية كمجسد ومترجم للدستور الجديد ومضامينه المتقدمة، لأن الناس لم يبدأوا بعد في الاستفادة من مساحات الفعل الجديدة التي أتاحها لهم الدستور الجديد، كما أن الممارسة السياسية الجديدة، والتي يفترض ان تخضع لمقتضيات الدستور الجديد، لاسيما مبدأ المحاسبة والمراقبة لجميع الفاعلين السياسيين دون حصانة برلمانية أو حكومية، وهي الممارسة الكفيلة بعودة الثقة بين المواطنين والفعل السياسي لم تبدأ بعد.
- أن مصالحة الناس مع الفعل السياسي الحقيقي ستبدأ عندما يتم تفعيل مقتضيات "الجهوية الموسعة" والتي هي في رأيي التجسيد الحقيقي والعميق للدستور الجديد والإصلاحات التي أتى بها. هذه الجهوية وفي حال النجاح في تنزيلها على أرض الواقع، ستكون الورش الذي سيصقل النخب الجديدة ويدربها على ممارسة الشأن العام، والمنبر الذي ستراقب من خلاله جموع المواطنين أداء منتخبيهم المكلفين بإدارة شؤونهم المحلية المباشرة، ويمرون من خلاله لمراقبة أداء الفاعلين في السلطتين التشريعية والتنفيذية.
بكلام آخر، وإذا أردنا أن نضع الانتخابات التشريعية المغربية الحالية في سياقها الطبيعي دون تقليل من أهميتها أو مبالغة فيها، يمكن القول انها خطوة أولى في درب المرحلة الجديدة من الممارسة الديمقراطية المغربية، ستؤهل المغاربة بمعاونة ضوابط الدستور الجديد، وعبر تفعيل مضامين الجهوية الموسعة، من الإقبال على تجربة انتخابية أكثر نضجا وأملا عام 2016 أو 2017، بشكل يجعل الحديث ساعتها عن انتخابات حاسمة ومصيرية وغيرها من المصطلحات "الكبيرة" مبررا أو أكثر وجاهة.
ختاما، فإن أي انتخابات تشريعية، في أي بلد عربي تحديدا، لا يمكن أن تكون مصيرية وحاسمة، ببساطة لأن منطق الاستشارات الانتخابية في الديمقراطية الغربية (والذي لا ينقص من أهميتها واعتبارها الشكل الأقل ضررا في إدارة الشأن العام) محكوم بالقدرات المالية والخطابية للمتنافسين، ناهيك عن القدرات الدعائية والثقل العائلي والعشائري وغيرها من عناصر الإخلال بالتكافؤ، والتي لم تتخلص من وطأتها حتى أعتى الديمقراطيات الغربية وأكثرها تقدما. وعليه، لا تكون الغلبة دائما في الاستشارات الانتخابية للأكفأ أو الأصلح أو الأكثر فائدة للمجتمع أو تعبيرا عن المصالح الحقيقية للمواطنين، بل هي تثبت في كل مكان (والمغرب ليس شذوذا عن هذه القاعدة) أنها لعبة "كائنات وماكنات انتخابية محترفة" تحسن العمل مرة كل خمس سنوات، وتتقن السير في الدروب المؤدية إلى قبة البرلمان. ومن أجل هزيمة هذه الكائنات، تحتاج مجتمعاتنا إلى زمن لا يقاس بالأسابيع والشهور، وإلى درجة وعي جبارة من المواطنين، وإلى عمل قاعدي دؤوب من النخب المعبرة عن هموم الناس ومصالحهم الحقيقية، التي لا تكتفي باللعن السلبي للظلام، بل تتقن إشعال الشموع وإنارة درب المجتمعات إلى التقدم الحقيقي الذي يلبي تطلعات الغالبية الصامتة من المواطنين إلى حياة الاكتفاء والحرية والكرامة بإبداع وأصالة، بعيدا عن التقليد واستنساخ التجارب الميكانيكي من ماضينا البعيد، أو مستقبل الآخرين الحديث.






