رئيس اللجنة التنظيمية للملتقى الأول للثقافة العربية الكاتبة المغربية ياسمين الحاج لـ"الثورة": الثقافــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة العربيـــــــــــــــــــــــــة تعيـــــــــــش حالة نكــــــوص تاريخيــــــة :
في غياب دور المثف العربي، تبدو قلاعُ الهوية الثقافية تتهاوى تحت وطأة التجديد الذي لم نفهم منه سوى التخلي عن الماضي، ولم نستوعب الشق الآخر من أن الماضي إيجابي أو سلبي، لنفارق سمة الأمم التي تسير نحو المستقبل، بماضيها الايجابي البسيط الذي لا يساوي أمام ماضينا الحضاري والواعي شيئاً يذكر.. فتصور- أخي القارئ- لو فقه أرباب الثقافة العربية في استشعار دور المثقف المعول عليه تنوير المجتمع، من خلال الجمع بين كل ما هو مضيء عَبْر امتداد تاريخنا الطويل، والتخلي عن كل ما هو معتم وسيئ.. فما الذي سنصنع ..؟ ربما سننجز حاضراً حضارياً مسوراً بالابداع الانساني، الذي سيحمل أسماءنا ووعينا للمستقبل في صورة مشرقة.. من هذا المنطلق تبلورت فكرة الملتقى العربي الأول المزمع إقامته في خربيكة بالمغرب الشقيق.. فماذا يحمل هذا الملتقى عن دور المثقف العربي في زمن الخطر؟.. في حوار إلكتروني صريح ناقش كل ما يتصل بأزمة الثقافة العربية وأفق المستقبل، مع المثقفة والأديبة والاعلامية المغربية ياسمين الحاج رئيس اللجنة التنظيمية للملتقى الأول للثقافة العربية رئيسة منتدى الآفاق للثقافة والتنمية بخريبكة الذي تبنى الملتقى…….. إلى نص الحوار.
حوار / محمد محمد إبراهيم
• في البدء لماذا الملتقى؟ وما هي المنطلقات التي انطلقت منها فكرته؟
– بداية أشكر صحيفة الثورة على اهتمامها بمثل هذه الملتقيات الثقافية التي تهم الأمة العربية جمعاء.. بالنسبة لـ(الملتقى الأول للثقافة العربية بخربيكة).. الذي سيعقد تحت شعار من أجل التنمية والوحدة الاجتماعية، فأجزم إنّه ضرورة ملحة يفرضها الواقع العربي الراهن، وما يعيشه من تفكك وتمزقات ليس هناك مايبررها، غير إن المواطن العربي بلغت به حالة الخيبة من بعض الأنظمة إلى حد القهر والثورة. دون أن تكون هناك نماذج واضحة تحدد صورة البديل الأفضل، فكان من السهل أن تخضع ثورات الغضب العربي هذه لسيطرة جماعات لا يبدو إنها قادرة على تقديم البديل الأفضل.بلا تردد نلمس هنا غياب القوى الوطنية الفاعلة، كما هو غياب المثقف العربي الذي يمكن أن يوصف موقفه في أحسن الأحوال بأنه دور المتفرج بسلبية على ما يجري من أحداث تؤشر إلى إمكانية أن تتحول ثورات الغضب العربي إلى مسارات هدامة بما نسمعه من شيوع الانقسامات المذهبية في بعض البلدان والعشائرية في بلدان أخرى، وظهور تيارات تغدو للتقسيم والفتنة، لا تمثل البدائل الأفضل.وما لم يتحرك المثقفون العرب لأخذ أدوارهم، في الانغماس بالواقع والعمل على تصحيح مسارات الثورات العربية، وهم أكثر الناس معنيين بهذا الدور، فإن مجتمعاتنا العربية تبدو وكأنها سائرة باتجاه الانتحار. فالمثقفين هم النخبة المهيأة أكثر من غيرها لتصحيح مسارات المجتمع. الملتقى هو محأولة للفت انتباه المثقف العربي لأن يتحمل مسؤوليته كاملة في الأحداث الجارية في المنطقة العربية، والمساهمة بصنع مستقبل أفضل باتجاه إرساء العمليات الديمقراطية في مسارها السليم نحو تحقيق التنمية والوحدة الاجتماعية وترسيخ مفهوم المواطنة وسيادة القانون بما يهيئ للمواطن فرص المساهمة الفعالة في صنع حياته ومستقبل أولاده.
منتدى الآفاق للثقافة
• ما علاقة انعقاد الملتقى.. بالزمن والمكان ؟ أي لماذا في هذه المدينة؟ولماذا في هذه الفترة من تاريخ الأمة العربية ؟
– من خلال مراقبة الأحداث الجارية في الوطن العربي، كنت قد لاحظت إن بعض المثقفين والكتاب بدأ يتخلى عن دوره كمساهم في صنع المفاهيم، وتصحيح المسارات الجماهيرية العفوية، الخاطئة، أو المستغلة من قوى تتباين مصالحها مع المصالح الحقيقية للجماهير العربية، – ليس هذا فقط- بل راح بعضهم يشارك في عمليات تشويه المفاهيم والأهداف الحقيقية من ثورات الغضب، وينجر وراء دعاوى طائفية تقسيميه.. كتبت مقالا بهذا المعنى بعنوان مسؤولية المثقف الملتزم والمحنة العربية بشهر أكتوبر الماضي، عرضت فيه فكرة ضرورة أن يتواصل ويلتقي المثقفون العرب، في ملتقى للحوار والنقاش العلمي الممنهج لما يحصل على الساحة العربية، ووصلني على إثر نشر المقال الكثير من الردود والاستجابات التي تحثني على أن أتبنى الفكرة وأعمل من أجل تحقيقها على الواقع.. كان نخبة المثقفين في مدينة خريبكة هي الأكثر اندفاعا في التخلي عن فكرة وروحية الاتكال وانتظار من سيبادر لتبني الموضوع، فكان ان تبنى منتدى الأفاق للثقافة والتنمية بخريبكة، موضوع الملتقى بالتنسيق مع مندوبيّة وزارة الثقافة، ومجموعة أخرى من مثقفي خريبكة، وبادرت بالعمل من أجل تحقيقه على أرض الواقع. من يدري لو أن مجموعة مثقفين من أي مدينة عربية أو بلد، بادرت لكان يمكن أن يتحقق الملتقى على أرض تلك المدينة.
• كيف لمستم تفاعل المثقف العربي "فرداً ومؤسسة" مع فكرة الملتقى حتى الآن؟
– كما قلت لك لولا ما لمسته، ولمسه أعضاء جمعية منتدى الآفاق للثقافة والتنمية من استجابة واسعة من المثقفين العرب، ما كان يمكن أن يتشكل هذا الحماس عندهم للعمل على تحقيق فكرة الملتقى، ومع ذلك لم نتوصل بعد للاتصال بكثير من الرموز الثقافية والأسماء المعروفة إلا ننّا نأمل أن يصل صوتنا ودعوتنا إلى أكبر عدد ممكن من المثقفين العرب، وأن يبادر ذاتيا بالاتصال بنا، من يمكن بحكم المشاغل اليومية للإعداد للملتقى، أو تعذّر الحصول على عنوانه ما فوت علينا فرصة الاتصال به أن يبادر هو، إذا رغب المشاركة بالملتقى أو المساهمة ببرنامج المحاضرات والدراسات التي نأمل أن تكون مفاهيم عامة للوصول إلى برنامج ومنهج أو خارطة طريق يلتزم بها المثقفون العرب حيال محنة الانقسامات الاجتماعية، وفشل خطط التنمية العربية من توفير حاجات الفرد وتطلعه للعيش الأمن في بلدان مستقرة، ومستقلة.وأرجو من الأخوة المثقفين العرب أن يتجاوز بعض الشكليات، والوقوف بموقف : (لم يدعني احد) لا يحتاج المثقف الملتزم إلى أن يدعوه أحد للمشاركة فهو ملتقى للمثقفين، بل هو من يدعو نفسه ويبادر للاتصال والتعاون معنا فليس الملتقى ملك لأحد، ولا يتبع أي جهة غير المثقفين أنفسهم هم أصحاب المشروع وهم جميعا مدعوون للمشاركة والمساهمة.دون أي تمييز.
ملتقيات سنوية
• هل سيكون الملتقى بداية لتكريس تفاعلة ثقافية عربية سنوية تشهدها المدن العربية..؟ كأن ينعقد كل عام في عاصمة أو مدنية عربية شهيرة؟
– اعتقد انه حلم كل إنسان عربي أن يتوصل المثقفين لبوصلة مقروءة تحدد معالم الطريق المثقفون، لان يقوم بدوره كمنبع للأفكار والمفاهيم الخلاقة، ويكثف من جهوده تصحيح بنى عملية الإدراك في العقل العربي لرؤية الحقائق والمشكلات بصورتها كما هي على الأرض. ومن الأمنيات التي لاشك تدور في ذهن كل مثقف ان تتشكل هيئات متابعة وان تتشكل ملتقيات سنوية للمراجعة وتحديد نقاط الضعف والقوة، وتصحيح ما هو خطأ وتعزيز السليم من الخطوات. ليس المهم في أي مدينة. وعليه الأمر متروك للأخوة المشاركين لاتخاذ مثل هكذا قرارات وكيفية تنظيم جهودهم في اتجاه تحقيق الاستمرارية.
• كيف تشخصون علاقة المثقف العربي بالمجتمع والوعي الملتزم ؟
– يفترض أن المثقف هو الأقدر من بين فئات المجتمع ككل، على فهم الأحداث التي تجري من حوله في المجتمع وبمختلف مناحي الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية، فِهْم أسباب الظواهر الاجتماعية، وأثارها على الأمن والسلم الأهليين، وتأثيراتها على عملية التنمية بأبعادها المتعددة الوجوه، يعالج ويصحّح ما يمثل تهديداً على المجتمع من هذه الظاهرات، وتعزيز ما هو إيجابي. طبعاً بالأصل يفترض أن يكون هو صانع أو مساهم بصنع الحدث والظاهرة من خلال استيعابه وفهمه لثقافة مجتمعه، وما يمتلكه من أدوات معرفية وفكرية تضعه في طليعة صف النخب الخلاقة، المساهمة بصنع تاريخ أي امة وتحديد مساراتها نحو النمو والتنمية..
أزمة الثقافة العربية
• ما هي أزمة الثقافة العربية برأيكم ؟
– يمكن توصيف أزمة الثقافة العربية اليوم، كما لو أنها توقفت عن مجارات ومواكبة التطورات الحاصلة في العالم، عجزت عن استيعاب هذه التطورات، فهي تعيش حالة نكوص تاريخية لجرنا للعودة لأزمات حصلت بعيداً في أعماق التاريخ العربي، ولم تعد لها صلة حقيقية بالواقع المعاش.. فما نلمسه من أطروحات تحاول أن تتخذ من الإسلام غطاءً تطالب بوقف مسيرة التاريخ والحياة والانزواء بعيداً، والتقوقع بأحداث تاريخية، من المحال العودة بالزمن لإصلاح ما جرى فيها. وكأن عمليات الإدراك وغيرها من العمليات العقلية في فكر المواطن العربي تعيش حالة تشوش، عجزت عن استيعاب دروس التاريخ وفهمها كما هي في الإطار الزمني الذي نشأت فيه.. وهذا ما يهدد مجتمعاتنا بالانقسام والتفتت، وانعدام الأمن الاجتماعي، وهَدَر الطاقات في أعمال هي أقرب للهدم والتخريب منها لمواصلة السّيْر بمعدل يتناسب مع ما وصلت له البشرية من تقدم في مختلف.
• ما الذي سيقدمه الملتقى على صعيد تشخيص أزمة الأمة العربية؟
– من هنا جاء التفكير بعقد الملتقى الثقافي الأول للتنمية والوحدة الاجتماعية، بهدف تعبئة المثقفين العرب لمواجهة الأزمات التي تعيشها مجتمعاتنا العربية، وتشخيص أسبابها ومعالجتها كظاهرات تهدد السلم الأهلي، وعمليات النمو والتطور التي تعيشها مجتمعاتنا العربية. أي أن يأخذ المثقف دوره كصانع أو مساهم في صناعة الوحدة الاجتماعية وحل المشكلات التي تعيشها أمتنا بطُرق ووسائل بنّاءَه، وليس بالعنف والصراعات والمواجهات التي نشهدها اليوم في الكثير من أقطارنا العربية. وأيضاً عرض التجربة المغربية في مجال التنمية والوحدة الاجتماعية..
• ما التحديات التي تكتنف طريقكم في سبيل إنجاح هذا الملتقى الكبير؟
– لاشك إن مشروع تعبئة كل المثقفين العرب كبير، ويحتاج لدعم كل المثقفين العرب وحتى دعم المؤسسَّات والهيئات الرسمية وغير الرسمية، فالتنمية والوحدة الاجتماعية هي مطلب الجميع الآن. ومثل هكذا نشاط لاشك سيكون مكلفاً على مستوى الأفراد والهيئة القائمة به. لحد الآن ما تحقق من دعم هو وعود من بعض المثقفين كل حسب إمكاناته بتبرعات بمبالغ بسيطة، وهو لا يغطي حتى جزء صغير من كلفة النشاط.. ومع ذلك فأملنا ما زال كبيراً بالهيئات والمؤسسات العربية الرسمية وغير الرسمية، المغربية أو من دول عربية أخرى. لأن الأزمة التي تعيشها امتنا تشكل تهديداً للجميع عناصر المجتمعات العربية الرسمية والأهلية.
• تعلمون إن اليمن من الدول العربية التي تأثرت بعاصفة الربيع العربي .. لكنها خرجت نحو تسوية سياسية جنّبت البلد الدمار والحروب والانجرار وراء الثأر السياسي والاجتماعي.. وانطق مؤخراً مؤتمرها الوطني الشامل للحوار .. ما هي رؤيتكم للحوار في اليمن؟
– قد تفقد بعض المفاهيم والكلمات معانيها من كثرة الاستخدام، الا إن وصف الحوار الوطني اليمني على انه يمثل قيمة حضارية يعطي للحضارة معناها، ولاغرابة فاليمن مخزن تاريخي لقيم الحضارة يوم كانت الدنيا تغط بالجهل .وبالتالي فالحوار من أجل تحقيق السلم الاجتماعي في اليمن، سيسهم بانقاذ ارواح المواطنين، و الحفاظ على ثروات البلد ووحدته واستقلاله، ما يجعل الحوار واجب وطني وانساني واخلاق..اعتقد ان هذه المعاني الذي سيحققها الحوار معروفة لكل مثقف ملتزم عندما يعني الالتزام ضرورة اللقاء من أجل العمل المشترك لانقاذ البلد مما يعيشه من محنة، واعتقد ان عدم المشاركة الجادة المخلصة في مثل هكذا حوارات ستشكل جرحا في ضمير المثقف، ما يضعه خارج الثقافة، ويعزله عن الدور البناء والخلاق للمثقف. لذلك نأمل أن يشارك كل المثقفين الجادين الملتزمين بالمصلحة الوطنية العامة والامن الوطني اليمني، فهذا دوره التاريخي، الذي يجعله في طليعة الأدوار الكفيلة بتحقيق السلم الاجتماعي، والدفاع عن قيم الديمقراطية وحقوق الانسان.
أخــــيراً
• أخيراً ما هي توقعاتكم من المثقف العربي واليمني بخصوص الملتقى؟
– ما نتوقعه ونأمله من المثقف العربي واليمني أن يتذكر: أن اليمن بما تمثله كركيزة أساسية من ركائز الثقافة العربية، ممتدة في عمق التاريخ العربي.. فأهل اليمن معنيون بحُكم دورهم التاريخي بكل هموم الثقافة العربية.وإن الأحداث الجارية باليمن اليوم هي إحدى مظاهر أزمة الثقافة العربية، وما تعيشه مجتمعاتنا من تهديدات بالانقسام وانعدام السلم الأهلي.. ما يجعل حجم المسؤولية على المثقف اليمني للمساهمة في هكذا ملتقيات، أكثر من غيره. فاليمن كإحدى أهم الحواضر الرئيسية التي أرست مفاهيم الثقافة العربية مسئولة (من خلال مثقفيها)، بالوقوف لمراجعة أزمة الثقافة العربية، تلك الأزمة التي تضفي بظلالها على اليمن نفسها..








