تازة بين القيمة الحضارية والعلمية


taza22-jpg.jpg

 

تعتبر مدينة تازة من المدن المغربية العريقة التي كان لها دور تاريخي حضاري بارز على امتداد التاريخ المغربي, لكنها لم تحض بالاهتمام الذي تستحقه, هذا الاهتمام الذي لم يتحقق إلا في الآونة الخيرة على يد ثلة من أبنائها الغيورين عليها وعلى تاريخها ومآثرها الخالدة والشاهدة على قيمتها الحضارية المتميزة, فمن هي تازة, وما مميزاتها, وما قيمتها العلمية؟

تقع مدينة تازة في الشمال الشرقي من المغرب، وكانت لها أهمية تاريخية وعسكرية واقتصادية كبرى منذ عهد الرومان، وفي هذا السياق يقول محمد يحيى المشرفي: » وأما المناطق الواقعة تحت تصرف الرومان ومراقبتهم فهي التي كانت توجد  بين ساحل البحر، وخط مجاور للنواحي الصحراوية يدعى عندهم بالليمس “Limes”([1])، وكان هذا الليمس يذهب من طرابلس فيعرج على البحيرة التونسية وجبال أوريس ثم يمر جنوب غرب بسكرة.. وبعد ذلك يصعد الليمس إلى الشمال فيمر على تازة، وينتهي أخيرا إلى جنوب الرباط بعدما يعرج على طنجة ووليلة  ) Volubilis)  «([2]).

وفي السياق ذاته نجد من يدعي أن البحر كان ممتدا إلى مدينة تازة، وذلك ما أكدته بعض الدراسات الجغرافية والجيولوجية، حيث يخبرنا أصحاب هذه الدراسات » أن شكل البلاد المغربية في أيامنا هذه، مخالف لما كانت عليه في الزمن القديم، بمعنى أنها كانت متصلة بإسبانيا من الناحية الشمالية، فلا وجود لبوغاز جبل طارق. وكان فيه البحر المحيط ـ على حد تعبير المؤرخين المذكورين ـ  ممتدا إلى ناحية تازة، بل إلى مصب نهر ملوية, ويعللون هذه الأقوال بأنهم عثروا في تلك النواحي على بقايا حيوانات لا تعيش إلا في البحر«([3]).

إلا أن الكتب التاريخية التي اهتمت بهذه المدينة وأخبارها قد فقدت ولم يصلنا منها إلا العناوين ، وقد أشار المرحوم الأستاذ البوخصيبي إلى بعض منها قائلا: ».. إن للقدامى من أهل الفكر في هذا الإقليم تآليفهم التاريخية التي لو تم العثور عليها، لانكشف الغطاء عن كثير من الأسرار. وإنني أقصد هنا كتاب “تاريخ كهلان” ل”ابن لؤلؤ الأوربي”، في أنساب  البربر وأيامهم في الجاهلية والإسلام ، وكتاب “المقتبس في أخبار المغرب وفاس والأندلس” (بفتح اللام)، لأبي عبد الله محمد بن حمادوه البرنوسي، ثم تاريخ البرنوسي” أيضا في دولة الأدارسة، و”تاريخ سليمان بن سابق المطماطيفي أنساب البربر، وكذلك بعض أشعاره، وخصوصا منها ما يتعلق بقتال البربر للروم، إذ هذه كلها زيادة على أنها مراجع محلية، فإنها من الأهمية بمكان«([4]) .

أما مدينة تازة فقد دأب الدارسون سواء القدماء أو بعض المحدثين منهم على كتابتها بألف طويلة أو ألف مقصورة  بعد الزاي، وقد ذكر كربخال بأن اسمها تيزا (بكسر التاء) باللغة الإفريقية (أي البربرية)([5])، في حين ذكر المرحوم محمد حجي أن» تازة تحريف لكلمة تيزي البربرية بمعنى ممر« ([6])، وهذا المعنى غير بعيد عن حقيقة تازة التي اعتبرت معبرا أساسيا من المغرب إلى المشرق.

وقد تحدث صاحب الاستبصار عن هذه المدينة قائلا: » إن آخر بلاد المغرب الأوسط وأول بلاد المغرب بلاد تازا، وهي جبال عظيمة حصينة، كثيرة التين والأعناب، وجميع الفواكه..« ([7])، كما أنها تضم جبالا كثيرة، تسكنها قبائل شتى، أهمها قبيلة غياتة التي استوطنت جبل غياتة الذي يبعد عن المدينة بحوالي خمسة أميال عن المدينة، واشتهر سكانها بالزراعة والحياكة، وقبيلة البرانس نسبة إلى جبل البرانس الواقع على بعد خمسة عشر ميلا شمال تازة، وكانت من أغنى القبائل وأقواها، تميز أهلها بقساوة الطبع، ثم قبيلة بني ورطناج، والذين اشتهروا بقبيلة تْسُولْ، تميز جبلهم بالعلو والصعوبة، وبزراعة القمح والكتان والزيتون والليمون والحامض … وغيرها من القبائل والجبال كجبل بويبلان ومگاصَّة ومْطَغْرة ([8]).

كانت مدينة تازة عاصمة إقليم الحوز الذي يضم ـ حسب كربخال ـ المناطق الشمالية الشرقية، وكان من بين سكانها جماعة كبيرة من اليهود الذين اشتغلوا خاصة بصنع الخمر([9])

إضافة إلى ما ذكر، كان لهذه المدينة أهمية سياسية كبرى، نتيجة موقعها الإستراتيجي، ففي عهد الأدارسة كانت من نصيب داوود بن إدريس الثاني ومنها زحف  ([10])   على خصومه السياسين بفاس

أما المرابطون، فأثناء لمهم لشتات البلاد، تحركوا » من صحراء المغرب.. واتجهوا نحو تازة لأنهم يعرفون أنها البوغاز البري الوحيد الذي سيوقف زحف الطامعين في التسلط على البلاد « ([11]).

ولما كان هم الدولة الموحدية هو القضاء على الحركات الانفصالية بالمغرب الكبير، فإنها اتخذت من تازة عاصمة لها، و» إن لم تكن طيلة السنة، فهي على الأقل كذلك في بعض الفترات من حياتها… ليس فقط لأن تازة ذات مناخ معتدل وهواء عليل، ولكن لموقعها الاستراتيجي الهام باعتبارها الترسن، باعتبارها المعقل، باعتبارها البرج الذي يضبط صلة الشرق بالغرب والجنوب بالشمال « ([12]).

ولعل هذا هو ما أدى بالموحدين إلى تحصينها، حيث أمر عبد المومن بن علي الكومي ببناء الرباط الذي ستعرف به المدينة فيما بعد، وهو غير رباط الفتح، وقد ذكر صاحب الاستبصار أن هذا الرباط شيد سنة ثمان وستين وخمسمائة للهجرة » على الطريق المار من بلاد المغرب إلى بلاد المشرق، وتسمى مكناسة تازا … وهي في نهاية المنعة، أقام عليها عسكر اللمتونيين سبعة أعوام « ([13]).

ولما كانت مدينة تازة » من المواقع الاستراتيجية الهامة في المغرب«([14])، فإنها من أولى المدن التي استولى عليها المرينيون، وسيطروا على ما وجد بها من خيرات، وخاصة الخيل والسلاح ، ثم جعلوا منها عاصمتهم الأولى، وكانوا يقطعونها للثاني من أبنائهم بعد اتخاذ فاس عاصمة لهم بدلا عنها، وهذا ما عبر عنه ليون الإفريقي قائلا: » تازا مدينة كبيرة.. أسسها الأفارقة القدماء.. ومن عادة ملوك فاس لهذا العهد أنهم يقطعون هذه المدينة لثاني أبنائهم، ومن الواجب ـ والحق يقال ـ أن تكون حاضرة المغرب لطيب هوائها شتاء وصيفا، وكان ملوك بني مرين يقيمون بها الصيف كله، لا لهذا السبب فحسب، ولكن أيضا لحراسة البلاد وحمايتها من أعراب الصحراء « ([15]) ، ومن مدينة تازة أيضا انطلقوا لإنشاء دولتهم، حيث كانوا يحاربون على واجهتين:

الواجهة الشرقية، حيث اعتبرت تازة بوابة المغرب الأقصى من الشرق ، إذ وجدت » في الطريق الكبرى المؤدي من فاس إلى تلمسان «([16])، الشيء الذي جعل ملوك فاس يتخذون منها ثكنة عسكرية ينطلقون منها لغزو جيرانهم الذين كانت العداوة السياسية مستمرة فيما بينهم بسبب رغبة كل طرف في الاستيلاء على بعض مناطق البلد المجاور.

أما الواجهة الغربية، فتتمثل في الدولة الموحدية التي كان الضعف قد بدأ يتسرب إليها منذ نهاية القرن السادس الهجري، ولم تعد قادرة على الحفاظ عن هيبتها وقوتها التي مكنتها في يوم من الأيام من تكوين إمبراطورية إسلامية عظمي في منطقة الغرب الإسلامي.

كل ما ذكر يؤكد على المكانة الحضارية والسياسية خاصة التي ميزت هذه المدينة, هذه المكانة التي تتبلور أيضا من خلال كون تازة نقطة انطلاق أساسية في العبور إلى الأندلس من أجل الجهاد، وما يؤكد ذلك قول صاحب الأنيس المطرب: » وفي رمضان من سنة تسعين وستمائة جاز أمير المسلمين يوسف برسم الجهاد، فنزل حصن يحيى، وفيه بنى جامع تازة« ([17]), وما أشار إليه الناصري في قوله: في ».. سنة تسع وثمانين وستمائة.. قضى السلطان يوسف.. نسك الأضحى وقربانه بتازا وتلبث بها أياما ثم نهض منها إلى الأندلس بقصد الجهاد « ([18]).

من هنا نلاحظ بأن مدينة تازة ازدهرت قيمتها السياسية والعسكرية بشكل لافت للنظر خاصة في عهد المرينيين ثم الوطاسيين من بعدهم، الشيء الذي » جعلها تتوفر على صفات العواصم الإسلامية وتصطبغ بصبغة المدن المهمة ذات الأسوار التاريخية المنيفة، والجامع الأثري العتيق، والقصور الشامخة والحدائق الغناء « ([19])، إلا أن أغلب تلك المآثر التاريخية لم يبق منها إلا النزر اليسير وبعض الأسوار التي تهدمت بفعل الحروب التي كانت تازة مسرحا لها.

 

المكانة العلمية لمدينة تازة:

كانت مدينة تازة من المدن المغربية العتيقة التي ساهمت بدور فعال في بناء ثقافة هذا البلد، وخاصة في عهد الدولة المرينية والوطاسية، وذلك نتيجة موقعها الاستراتيجي الهام الذي جعل منها نقطة عبور أساسية إلى الديار المشرقية، فكان لابد لكل عالم أو فقيه أو حاج سواء من الأندلس أو من داخل المغرب من المرور بها، مما كان يساعد في تبادل أنواع الثقافات، وخاصة الدينية التي كانت مسيطرة على الجو العلمي العام للمغرب منذ العهد المريني.

ولقد أولى المرينيون لهذه المدينة من العناية ما أولوه لعاصمتهم فاس، على اعتبار أنها كانت أولى المدن التي دخلت في طاعتهم، فأنشأوا فيها المساجد والمدارس والمنشآت المختلفة، الشيء الذي أهلها لتكون من المراكز العلمية الهامة، وهنا يقول الحسن الوزان الذي زارها في العهد الوطاسي:» تحتل هذه المدينة الدرجة الثالثة في المملكة من حيث المكانة والحضارة، ففيها جامع أكبر من جامع فاس، وثلاث مدارس.. وسكانها شجعان كرماء بالمقياس إلى أهل فاس، من بينهم عدد كثير من العلماء والأخيار والأثرياء « ([20]).

أما الجامع فيعتبر تحفة فنية رائعة، وشاهدا على الفن المعماري الذي عرف تطورا كبيرا في العصر المريني، الذي اهتم أمراؤه بصفة خاصة ببناء الجوامع والمدارس والقصور الفخمة، وقد بناه السلطان أبو الحسن يوسف([21])، بدأ بناءه سنة تسعين وستمائة، وفرغ منه سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وهو أكبر جامع بهذه المدينة، وقد قال الإسحاقي في وصفه: » وإذا بها جامع كأحسن ما أنت راء من الجوامع سعة وحصانة وبناء متقنا محكم الشكل ولها صحن واسع بهي المنظر، ومقصورة، عليها أنواع المحاسن مقصورة «([22]) وسبعة أبواب تحيط به من كل جهة، وتزينه الثريا الفريدة الصنع » وزنها اثنان وثلاثون قنطارا من النحاس، وعدد كؤوسها خمسمائة كأس وأربعة عشر كأسا، وأنفق في بناء الجامع وعمل الثريا من المال ثمانمائة آلاف دينار ذهبا« ([23]).

وقد قال الوزير الإسحاقي عن هذه الثريا: » ورأيت .. الثريا العجيبة التي يضرب بها المثل في قلة النظير، ويذكر الناس أنها لا شبيه لها في الثريات، فإذا هي عقنقل عظيم مرصع بمراكز القناديل ترصيعا محكم الصنعة في غاية الضخامة، متماسك في الهواء بسلسلة من النحاس، يتعجب الناظر من هيئة الثريا وتماسكها، بها مكتوب فيها: (البسيط)

يَا نَاظِراً في جمَالِي  حَقِّقِ النَّظـرَا                            ومَتِّعِ الطرْفَ في حُسْنِي الذِي  بَهَـرَا

أنَا الثرَيَّا  التِي تَازَا   بيَ  افْتَخَرَتْ                            عَلى الأقْوَامِ فمَا مِثلِي الزمَانُ يَرَى!([24])

وألحق بهذا المسجد مدرسة ومأوى للطلبة وخزانة كبيرة » كان يوجد بها أكثر من عشرة آلاف مجلد في عصر بني مرين، لم يبق من هذه المجلدات إلا ما يقرب من سبعمائة مخطوط! «([25]). وقد كان منقوشا على هذه الخزانة ثلاثة أبيات شعرية لم يعد لها وجود منذ أمد بعيد كما أشار إلى ذلك الإسحاقي، وهذه الأبيات هي:(الوزن الكامل)

لِيَ مَنْزِلٌ  بَيْنَ  الخَزَائِنِ  شَامِـخُ              قدْ خُصَّ مِنْ بَيْتِ  الإلهِ  بمَنْزِلِ

حِفْظاً لِمَجْمُوعِ “الشفَا”  أنْشِئْتُ عَنْ          أمْر الخَلِيفةِ “فارِسِ” “المُتَوَكِّـلِ

فِي عَامِ سَبْعٍ بَعْدَ خَمْسِينَ  انْقَضَتْ            ومِئِينَ سَبْعٍ فِي  رَبِيعِ  الأوَّلِ([26])

كل هذا يدل على ازدهار الحياة العلمية بهذه المدينة، خاصة في العصر المريني، وتطور العلوم بها وكثرة العلماء، وفي هذه النقطة يقول المرحوم عبد الله گنون في ترجمته لابن بري التازي([27]): » وكان الوسط العلمي في تازة إبان ذلك مزدهرا بسبب عناية الدولة الجديدة ـ وهي دولة المرينيين ـ بهذه المدينة.. وقد جددوا معالمها، وأنشأوا فيها مساجد ومدارس لطلبة العلم، ورتبوا بها المدرسين حتى أصبحت ثالثة مدن المغرب الكبرى.. وهي من قبل كانت دار علم ظهر منها العلماء والأدباء والمتصوفة الكبار « ([28]), ومن “قبل” يعني بها قبل عهد ابن بري.

وهذا الرأي سبق إليه الإسحاقي في رحلته الحجازية حيث قال: »وزرناها، فإذا هي مدينة آخذة من الحضارة بطرف، وحصن من المعاقل التي تعقل بها أثر الحسن القديم، وبها جامع كأحسن ما أنت راء من الجوامع سعة وحصانة وبناء متقنا محكم الشكل.. وتلاحقه مدرسة عجيبة مكتوب على بابها: (الطويل)

لعَمْرُكَ مَا مِثلِي بشَرْقٍ  ومَغْربِ               يَفُوقُ المَبَانِي حسْنَ منظرِيَ الحَسَنْ

بَنانِي لِدَرْسِ  العِلمِ  مُبْتَغِياً  بِـهِ                  ثوَاباً مِنَ اللهِ، الأمِير أبُو الحَسَنْ«([29])

يبرز هذا الكلام مكانة مدينة تازة العلمية والحضارية والعمرانية، والمدرسة المشار إليها في هذين البيتين هي المدرسة المعروفة ب”مدرسة المشور” والتي أصبحت حاليا دارا للقرآن، وهي موجودة بتازة العليا، وقد أنشأها أبو الحسن المريني أثناء ولايته للعهد، يظهر ذلك من خلال قولة لابن مرزوق: ».. فأنشأ بمدينة تازة ـ قديما ـ مدرستها الحسنة « ([30]).

كما يحدثنا أحمد المقري في كتابه “أزهار الرياض” عن المكانة العلمية لهذه المدينة التي كانت تجمع كثيرا من أهل اللسان وفرسان البلاغة والمعارف، يقول متحدثا عن الشيخ أبي الحسن الصغير([31])، الفقيه المالكي الذي تولى قضاء مدينة تازة أيام أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني، ولا شك أن أبا الحسن قد ساهم في إثراء هذه المدينة بفكره من خلال تدريس أبنائها رغم اشتغاله بالقضاء: » اعلم أرشدك الله، أن الشيخ أبا الحسن كان إمام وقته في فقه المدونة… لم ينظر في الفقه حتى أتقن علم الفرائض وفنون البلاغة، وتلقى ذلك من أربابه، وارتحل وانتقل إلى تازة، فلازم أهل اللسان وفرسان المعارف وقتا طويلا، ثم اعتكف على قراءة “التهذيب«([32]).

وقد عقب الأستاذ محمد بن أحمد الأمراني على هذا النص تعقيبا جميلا لا بأس من ذكره يقول فيه: » إلا أن النص يقول: “وانتقل إلى تازة فلازم أهل اللسان وفرسان المعارف وقتا طويلا..” هكذا بالفاء التي تفيد التعقيب، فمن هم أهل اللسان وفرسان المعارف الذين لازمهم أبو الحسن الصغير وقتا طويلا ؟ لاشك أنهم من أهل تازة، لأن النص يقول بعد هذا: “ثم اعتكف على قراءة التهذيب”، هكذا “ثم” التي تفيد التراخي« ([33]).

من هنا نلاحظ بأن الحركة العلمية بمدينة تازة على العهد المريني عرفت تطورا مميزا، حيث توجه المرينيون إليها بنفس العناية التي توجهوا بها إلى عاصمتهم فاس، حتى عدت من المراكز العلمية المهمة على هذا العهد، وهنا يقول العلامة المرحوم محمد المنوني: » استعادت الثقافة المغربية نشاطها في ظل العصر المريني الأول، وبلغت مراكزها ـ في المدن خاصة ـ ثلاثة عشر تستوعب مختلف جهات المغرب، فكانت في المناطق المرتفعة: مكناس وفاس وتازا.. «([34]).

وأضاف قائلا: » ومن المدن المنوه بها تأتي ثلاثة في الطليعة: فاس، ثم سبتة.. وثالثا مراكش.. ويأتي ـ بعد هذه القواعد ـ مدينة تازة، حيث المواد العربية ناهضة، والمعارف الأخرى متدارسة «([35]).

ويقول الدكتور عبد الهادي التازي في السياق ذاته: » لقد توجه إليها(أي تازة) بنو مرين بنفس العناية والحماس الذي توجهوا به إلى عاصمتهم فاس، بل إنهم اتخذوا من تازة مدرسة لفلذات أكبادهم، وقاعدة للأمراء وكبار رجال الدولة.. لقد بلغت تازة في العهد المريني ما لم تبلغه معظم المدن في المغرب الأقصى.. ولم تكن المدينة محطة إعلام وإخبار فقط، ولكنها مركز إشعاع ثقافي وعلمي وحضاري ويكفي دليلا على هذا التطور الفكري أن خزانة المسجد الأعظم بتازة أنشئت خصيصا لاحتضان كتاب “الشفا” للقاضي عياض الذي اضطهده الموحدون، كما يتضح ذلك من البيت الشعري: (من الكامل)

حِفْظاً لِمَجْمُوع  الشفَا  أنْشِئْتُ عَنْ               أمْرِ الخَلِيفَةِ  فَارِسِ  المُتَوَكِّـلِ

الذي يوجد ضمن الأبيات التي كانت منقوشة على الخزانة، والتي ذكرها الإسحاقي في رحلته.

هذا الجو العلمي الطافح الذي عرفته مدينة تازة، جعل منها نقطة استقبال الكثير من العلماء الذين جاءوا إليها من مختلف المناطق، بغية الاستفادة أولا ثم الإفادة ثانيا، خصوصا وأنها وجدت على الطريق الرئيسي الرابط بين فاس وتلمسان.

ومن هؤلاء، نذكر “لسان الدين بن الخطيب” (ت776هـ)([37])، الذي مر بها أثناء رحلته التي قام بها بين ربوع المغرب، ومما قاله عنها وعن أهلها: » تازا بلد مشاع وكشف قناع، ومحل ريع وإيناع، ووطن طاب هواه، وعذب ماؤه، وبان إشرافه واعتلاؤه، وجلت فيه مواهب الله وآلاؤه، عصيره ثمل، وأمر الخصب به ممتثل، وفواكهه لا تحصى، يماري بها البلد الأقصى، وحبوبه تدوم على الخزن، وفخاره آية في لطافة الجرم وخفة الوزن، إلا أن ريحه عاصف، وبرده لا يصفه واصف، وأهله في وبال، من معرة أهل الجبال، وليوثه مفترسة، وأخلاق أهله شرسة « ([38]) .

والإمام “الآبلي” الذي قال:  »لما نزلت تازة، بت مع أبي الحسن ابن بري وأبي عبد الله الترجالي.. « ([39]).

وزارها أيضا الإمام “أحمد بن محمد المقري التلمساني”، نستشف ذلك من قوله: »وكنت لقيت بتازا الفقيه أبا عبد الله بن عطية، والأستاذ أبا عبد الله المجاصي([40])، والأستاذ أبا الحسن الجيار وغيرهم « ([41]).

[1] . الليمس هو عبارة عن طريق معبدة هائلة أو خندق عميق أو سلسلة قصبات كان يسكنها قدماء المحاربين

المكلفين بحفظ الأمن . محمد يحيى المشرفي/ إفريقيا الشمالية في العصر القديم/ دار كريماديس للطباعة/

تطوان/ المغرب/ ط3/ 1960/ ص67ـ68.

[2] . نفسه: ص67ـ68.

[3] . نفسه/ ص18.

[4] . أبو بكر البوخصيبي/ أضواء على ابن يجبش التازي/ ص8.

[5] . مارمول كربخال/ إفريقيا/ ج2/ ص272.

[6] . د.محمد حجي/ الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين/ ج2/ ص443.

[7] . مؤلف مراكشي من كتاب القرن السادس الهجري(ابن عبد ربه الحفيد)/كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار/

نشر وتعليق/ د. سعد زغلول عبد الحميد/ دار النشر المغربية/ الدار البيضاء/ 1985/ ص 168.

[8] . الحسن الوزان/ وصف إفريقيا/ ج1/ ص356-359.

[9] . مارمول كربخال/ إفريقيا/ ج2/ ص273.

[10]. د.محمد حجي/ الحركة الفكرية في عهد السعديين/ ج2/ ص443، ود.عبد الهادي التازي/ في تاريخ تازة/

دعوة الحق/ ع241/ 1984/ ص51.

[11]. د.عبد الهادي التازي/ في تاريخ تازة/ دعوة الحق/ ع241/ 1984/ ص51.

[12]. نفسه.

[13]. ابن عبد ربه الحفيد/ الاستبصار/ ص186ـ187.

[14]. لسان الدين بن الخطيب/ نفاضة الجراب في علالة الاغتراب/نشر وتعليق: أحمد مختار العبادي/ دار النشر

المغربية/ الدار البيضاء/ 1985/ ص41 من مقدمة المعلق.

[15]. الحسن الوزان/ وصف إفريقيا/ ج2/ ص354ـ355.

[16]. مارمول كربخال/ إفريقيا/ ج2/ ص273.

[17]. علي بن أبي زرع/الأنيس المطرب بروض القرطاس/ ص408.

[18]. الناصري/ الاستقصا / ج3/ ص69.

[19] . أبو بكر البوخصيبي/ أضواء على ابن يجبش التازي/ ص22.

[20]. الحسن الوزان/ وصف إفريقيا/ ج1/ص354ـ355.

[21]. ذكر المؤرخ عبد العزيز سالم أن عبد المؤمن بن علي هو من أسس جامع تازة الذي يؤلف جزءا من الجامع

الحالي، والذي أتم بناءه المرينيون. للتوسع أنظر: عبد العزيز سالم/ تاريخ المغرب الكبير/ دار النهضة العربية

للطباعة والنشر/ بيروت/ 1981/ ج2/ ص839.

3. الوزير الإسحاقي/ الرحلة الإسحاقية/ مخ.خ.م. رقم 11867/ ص32.

[23]. علي بن أبي زرع/ الأنيس المطرب/ ص409، والناصري/ الاستقصا/ ج3/ ص75ـ76.

[24]. الوزير الإسحاقي / الرحلة الحجازية/ ص32.

[25]. محمد بن أحمد الأمراني/ مكانة تازة العلمية/ دعوة الحق/ العدد 286/ 1991/ ص117.

[26]. الوزير الإسحاقي/ الرحلة الحجازية/ ص 33.

[27]. أبو الحسن علي بن محمد بن الحسين الرباطي،المعروف بابن بري من أهل تازة، كاتبا بليغا بارعا فرضيا

نحويا لغويا عروضيا، ماهرا في العربية، وكان أديبا شاعرا بليغا، وقد توفي بتازة سنة 730هـ، وضريحه

موجود قرب عمالة المدينة. أنظر ترجمته في: أحمد بابا التنبكتي/ كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج/

ج1/ ص346، والزركلي/ الأعلام/ ج5/ ص5، ومحمد بن أحمد الأمراني/ ابن بري التازي: إمام القراء

المغاربة/ مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية/ 1996/ ص101.

[28]. محمد بن أحمد  الأمراني/ ابن بري التازي إمام القراء المغاربة/ طبع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية/

الرباط/ 1996/ ص82، نقلا عن: عبد الله گنون/ ابن بري التازي/ جريدة الميثاق/ عدد 236.

[29].  الإسحاقي/ الرحلة الحجازية/ مخطوط بالخزانة الحسنية تحت رقم11867/ ص32.

[30]. محمد بن مرزوق/ المسند الصحيح الحسن في مآثر مولانا أبي الحسن/ الفصل الثاني من الباب41/ص406.

أشار إلى ذلك أيضا:

Georges S. Colin. La zaouya merinite d anemli a Taza. Hesperis. Tom  XL ,1953, p528.

[31]. علي بن محمد بن عبد الحق الزرويلي، مارس القضاء بتازة وفاس، توفي سنة 719هـ. أنظر ترجمته

في: ابن فرحون/ الديباج المذهب/ ج2/ ص119، ومحمد بن جعفر الكتاني/ سلوة الأنفاس/ ج3/ ص143.

[32]. أحمد بن محمد المقري/ أزهار الرياض في أخبار عياض/ صندوق إحياء التراث الإسلامي/ 1978الرباط/

ج3/ ص32-33.

[33]. محمد بن أحمد الأمراني/ مكانة تازة العلمية/ دعوة الحق/ 1991/ ع286/ ص116.

[34] . محمد المنوني/ ورقات عن حضارة المرينيين/ ص250.

[35] . نفسه/ ص252.

[36] . د.عبد الهادي التازي/ تاريخ مدينة تازة/ دعوة الحق/ع241/ أكتوبر 1984/ ص52.

[36] . د.عبد الهادي التازي/ تاريخ مدينة تازة/ دعوة الحق/ع241/ أكتوبر 1984/ ص52.

[37]. هو محمد بن عبد الله بن سعيد التلمساني، وزير ومؤرخ وأديب، له عدة مؤلفات في التاريخ والأدب والفلسفة

وغيرها. أنظر ترجمته في: الزركلي/ الأعلام/ ج6/ ص235.

[38]. أبو بكر البوخصيبي/ أضواء على ابن يجبش التازي/ ص19-20.

[39]. أحمد المقري/ أزهار الرياض/ 1979/ ج5/ ص63، ونفح الطيب/ تحقيق: إحسان عباس/ دار صادر للطباعة

والنشر/ ط. جديدة/ 1997/ ج5/ ص246.

[40]. هو أبو عبد الله محمد بن شعيب المجاصي، عالم لغوي أديب، مقرئ، له شرح على ضبط الخراز ومنظومة

في غريب القرآن. (أزهار الرياض/ ج5/ ص74/ هامش 159).

[41]. أحمد المقري/ أزهار الرياض/ ج5/ 74. والنفح / ج5/ ص253.