إعداد: جمال الهاشمي
صورة لطبيعة بركين، الوادي و الجبل.
بركين.. تلك الجماعة المحلية العريقة، التي تعتبر من أقدم الجماعات المحلية التي أحدثت بالمغرب، و كانت في وقت من الأوقات تعد من أغنى الجماعات المغربية بفضل ثروتها الغابوية، وما توفره من أخشاب الأرز و غطاء نباتي متنوع غني بالنباتات العشبية، بفضل الطابع الجبلي للمنطقة، و مناخها القاري، حتى أنه كان يطلق على المنطقة الغابوية في بركين تسمية " الكويت" نظرا لما كانت تذره تجارة الأخشاب المستخرجة من الغابة من أرباح طائلة. تيمنا بالأموال التي تذرها أبار النفط في الكويت. غير أن الاستغلال غير المعقلن للغابة من رعي جائر و قطع عشوائي للأشجار و التجارة السوداء في خشب الأرز التي تشهد عليها الممرات الضيقة التي يشقها المهربون بين الجبال و الوديان المقفرة، استنزفت رئة بركين عن آخرها، كأن لم تغن بالأمس، فأصاب الاختناق النبات و الميزانيات على حد سواء، و أصبحت أغنى الجماعات بالكاد تجد ما تدفع به أجور جيشها من الموظفين التابعين لها و الذين يربو عددهم عن ال 70 " و بعضهم أشباح أو مكلفين بهمة خارج تراب الجماعة"، وليس هذا موضوعنا الآن. المهم أن هذه الجماعة باتت من أفقر الجماعات ومنظر سوقها الأسبوعي البئيس يشهد على ذلك. إضافة إلى 90 كلم هي مسافة الطريق المؤدية لذلك السوق من مدينة جرسيف، و التي لا تختلف كثيرا عن ممرات تيشكا الخطرة، دون أن يتم ترميمها منذ شيدت قبل سنوات.
يتيه المرء في مشاكل بركين بحيث لا يكاد يركز في الحديث على واحد منها. المهم أن إشكاليتنا في هذا المقال تتناول الجانب البيئي و الغابوي للجماعة، فنقول أن التسيير الجماعي العبثي على مدى عشرات السنين، خلف وضعية بيئية كارثية تمثلت في تدمير المخزون الغابوي من أشجار الأرز و غيرها، بالإضافة إلى عدم اتخاذ أي إجراءات لتجنيب السكان آثار الفيضانات الكارثية التي يخلفها الواد مدمرا في طريقه محاصيلهم المعاشية البسيطة المزروعة على ضفافه. مما دفع أغلبهم إلى الهجرة السلبية نحو أقرب المدن و هي جرسيف، حيث يساهمون في مفاقمة أحزمة البؤس في الأحياء العشوائية، مما يسبب انتشار الجريمة و مشاكل عويصة أخرى تتعلق بالبنية التحتية المتهالكة و الخدمات المختلة.
و لنعد إلى بركين و أزماتها، رغم أن الكل مترابط. فبعد أن استنزفت ثروة الخشب و أصبحت الغابة، قاعا صفصفا، ها هي ثروة أزير التي ترقى لأن تكون إلى جانب الأرز رمزا لبركين، ها هي ذي تستغل هي الأخرى بشكل غير معقلن تماما، و تستنزف أمام مرأى الجميع، و ذلك بواسطة الرأسماليين الجشعين و الذين لا يهمهم إلا الربح السريع، بينما آخر ما يضعونه في حسابهم الحفاظ على الثروة الطبيعية و البيئية السليمة أو حفظ التراث الطبيعي الفريد للمنطقة، و ذلك حين يخرقون الاتفاقيات التي تجمعهم بالدولة و يتجاوزون ما هو مسموح لهم باستغلاله حسب دفاتر التحملات دون وازع أو رادع، مستغلين حاجة العمال من المواطنين الفقراء و الجهلة بالقانون و بطريقة التعامل مع البيئة، فيعمد هؤلاء العمال ،حسب شهادات حية لبعض الغيورين على نبتة أزير، إلى اقتلاع النبتة من جذورها في محاولة للحصول على أكبر كمية، بغرض ربح مال أوفر. و هو أمر خطير للغاية يؤدي إن بقي الأمر على حاله إلى انقراض عشبة أزير من المنطقة كما انقرضت أشجار الأرز من قبل.
و هنا لابد من وقفة حازمة لدق ناقوس الخطر و إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتعبئة جميع المهتمين بأمر السلامة البيئية و الغيورين على الثروات الطبيعية و مؤهلات المنطقة. من مجتمع مدني و مواطنين و مسئولين، و ذلك للوقوف ضد هذا الاستغلال الأرعن و اللامعقول لما بقي من ثروتنا الغابوية، خاصة مع قلة حيلة المواطنين المساكين و غفلة المسئولين بحسن أو سوء نية، اللهم بعض المبادرات المحتشمة للمجتمع المدني "الذي بات يطلب منه كل شيء في بلادنا و كأنه جهاز رسمي"
و من هذه المبادرات ما قامت به "جمعية الأمل للبيئة التنمية" ببركين، التي كانت راسلت السيد العامل- الذي يصبو للإصلاح كما يقول الكثير من المواطنين- حيث قمنا بمراسلته بشأن الاستغلال غير المعقلن لثروة أزير، لكن التحرك لم يتم سوى بعد أشهر، و ذلك بتوجيه استفسار لقائد قيادة بركين الذي استنفر بدروه الشيخ الذي قام بتقديم بعض المواطنين كأكباش فداء منزلا بهم توبيخا ووزع عليهم استدعاءات من المحكمة و لم يعرف شيء عن المتابعة بعد ذلك؟.
هؤلاء الموبخين لا أعتبرهم إلا آخر حلقات الفساد في هذه القضية. بل إنهم قد نعتبرهم ضحايا بدورهم. و إلى هذه المرحلة وقفت المتابعة ليستمر الاستغلال على ما هو عليه، و لتبقى دار لقمان على حالها وأزير يغتصب أمام الأعين و لا من منقذ.
و من هذا المنبر الحر أطلق هذا النداء، إلى كل الغيورين، فلنتعبأ جميعا من أجل غابتنا و ثرواتنا الطبيعية، وندفع باتجاه وضع حد لهذه الممارسات المشينة المضادة للطبيعة و ذلك في أفق تحصين ثرواتنا الطبيعية و استغلالها بالشكل الأمثل، و الذي لا يستنزف الثروة عن آخرها، و بالشكل الذي يعود كذلك بالنفع على المواطنين البسطاء أصحاب الثروة الحقيقيين بشكل ملموس. و يكون ذلك بمنح جانب من عائدات هذه الثروات لتغطية حاجياتهم. و كذا بمنح جانب من تسيير استغلال الثروة الغابوية للمجتمع المدني المهتم، ولو بطريق الإشراف للمراقبة الحازمة، و توجيه الانتفاع بالثروة الطبيعية الوجهة الصحيحة.
يجذر بي القول أني لا ألوم هنا أحدا من المسئولين الحاليين بل نحسن بهم الظن، و إنما أحاول وضع الأمور أمام أعين الناس في احترام للجميع، إلا من يستهدف مصلحة هذا الوطن بمكروه. أما اللوم الحقيقي فإن التاريخ هو من سيلوم كل من لم يساهم و لو بكلمة حق في سبيل حل مثل هذه المعضلات.
أخيرا أرجو أن يحض هذا المقال بالتعليقات الكثيرة كثرة المشاكل المطروحة، و لتكن عميقة عمق المعضلات الموجودة، و جادة جدية التحديات المواجهة، ومنتجة لحلول بقدر ما حاول هذا المقال إنتاج بعض الحلول.
رئيس جمعية الأمل للبيئة والتنمية بركين





