اجيال بريس
* جمال الهاشمي
كثر هم المواطنون بل و أطر الوزارة أنفسهم، من يحلو لهم تسمية وزارة الصحة بوزارة " قلة الصحة" أو "وزارة المرض"، ذلك أن خدماتها طالما كانت متدنية للغاية، ورغم بعض المجهودات التي بذلت مؤخرا، فإن هذا الوصف لازال يناسبها.
فبدءا من الميزانية الهزيلة المخصصة لها و الخالية من المقويات و الفيتامينات اللازمة لإنعاش كل أعضاء و خلايا جسم الصحة المنهك، مرورا بالفساد التي لا تخلو منه هذه الوزارة، إذ الكل بات يعلم بالاتهام الذي باتت تواجهه الوزيرة "الضاحكة" السابقة، و القاضي باستغلالها لأموال عمومية لصفقات متعلقة بوزارتها لتوفر أموال اقتنت بها شقتين فاخرتين بقلب باريس، قد لا يجرأ حتى عمدة مدينة الأنوار على اقتناءها. والغريب أن الملف لم يأخذ بعد طريقه الصائب نحو التحقيق و المساءلة القانونية الجادة، رغم ثبوت الكثير من الحقائق حول هذا الملف كان قد كشفت عنها "هيئة حماية المال العام"، و عموما فلا توجد جعجعة بلا طحين؟ و التحقيق يجب أن يأخذ مجراه و يأخذ كل طرف حقه.
و برأيي فإن مجرد اقتناء وزير في حكومة بلد فقير كالمغرب، لازالت تستشري فيه أمراض قد نسيها العالم المتقدم وتحصد عندنا عشرات الأرواح البريئة. في ظل هذه الظروف المأساوية فإن اقتناء شقة فاخرة بتلك المواصفات و لو بحر المال تعتبر مخالفة يؤاخذ عليها، إذ ماذا يعني مفهوم التضامن -الذي تطلق الدولة دوما عدة شعارات حوله- إلا أن يتضامن الجميع و في مقدمتهم طبعا من يملكون الملايين، خاصة إذا كانوا حصلوها من وراء ظهر الشعب.
تلك قضية أخرى و لن ننساق معها أكثر، رغم كونها من الأسباب التي تبقي "مريضتنا" الصحة رهن السرير، تعاني من كثير من الأزمات الصحية الخانقة، التي قد تؤدي بحياتها لا قدر الله.
لنتأت بعد هذا إلى سبب آخر نضيفه إلى هزالة الميزانية و انتشار الفساد، و هو ضعف التسيير و قلة توظيف الموارد البشرية الكافية.
فنأخذ على سبيل المثال حالة مندوبية جرسيف التي أنشأت مؤخرا على إثر إحداث عمالة جرسيف سنة 2010. فقد شهدنا باعتبارنا أطرا بهذه المندوبية الفتية، كيف أنها وجدت صعوبة بالغة في تلمس خطواتها الأولى، فبدت كرضيع ضعيف البنية عديم الحيلة، قد أثقلت جسمه النحيل الأمراض على ضعف مناعته. فقد وجدت المندوبية في أول أمرها صعوبات ناتجة عن هزالة الميزانية بعد أن انفصلت الكثير من مصالحها عن تازة الأم، فبدا الضعف بالغا في الميزانية المخصصة للأدوية مثلا، إضافة إلى قلة الموارد البشرية و ضعف المعدات اللوجيستيكية، و لازال الجميع يتذكر كيف كانت بالمندوبية سيارة إسعاف واحدة لا غير !
بالإضافة إلى ذلك، ووفقا للمقاربة السياسية الضيقة في التعيين في المناصب العليا، فقد تولى الأمر في المندوبية أناس،نعزهم و نحترمهم، غير أنهم ضعيفوا الخبرة، لينتج عن ذلك تأخر على كل المستويات تقريبا و اضطراب للعمل تضرر منه علاوة على المواطنين، أطر صحية من ممرضين و قابلات و أطباء، فكان أن سقط على كواهلهم تحمل أعباء أكثر في ظروف أقل ملائمة. لنلاحظ بعد ذلك تحسنا طفيفا بفضل تضحيات الأطر بالأساس، لكن أيضا نظرا لتحسن الميزانية بعض الشيء.
غير أن الأمر بدأ في التدهور ثانية، فعلاوة على المستشفى الإقليمي الذي يعاني من قلة الموارد البشرية و ضعف الطاقة الاستيعابية و قلة و شح التخصصات و ضعف التجهيزات الأساسية، في ظل تزايد الطلب من ساكنة فقيرة معدمة باتت في تزايد.
فإن المراكز الصحية و القروية منها خاصة، حيث يمكن الحديث عن تجربتي الشخصية و غيري من الزملاء، من ممرضين و أطباء الذين لا يزالون في الميدان، فإن الأمر قد زاد سوءا و الأمور بدأت تنح نحو المزيد من الاحتقان و الامتعاض عند السكان، خاصة مع شغور منصب الطبيب في كل المراكز الصحية تقريبا و المستوصفات التابعة لها، فمن مزكيتام إلى تادارت "التي أصبحت ترابيا دائرة" إلى المريجة حيث ستغادر الطبيبة قريبا، ثم إلى بركين حيث قد يحضر الطبيب المعتل –شافاه الله- يوم السوق فقط –إن حضر- بالإضافة إلى صاكة حيث الظروف الأصعب للعمل و المهددة بفقدان طبيبها، فكل المراكز و المستوصفات إما بلا طبيب أو بربع طبيب- بحيث يحضر يوما في الأسبوع- و كل هذا لا يرقى إلى أبسط شروط الجودة في الصحة.
لتظل كل الأعباء ملقاة على كاهل الممرضين حيث يعمل الممرض متعدد التخصصات، بالإضافة إلى دوره كممرض رئيسي مسئول و منسق مع كل المصالح الخارجية، يهتم أيضا بقاعة العلاج و التطبيب و تعويض الممرضات عند الغياب. و بالإضافة إليه هناك القابلات اللواتي يكدن ينسين دورهن كمولدات نظرا لانغماسهن في محاولة سد الخصاص، فنجدهن إضافة إلى دورهن في التوليد، يتواجدن في قاعة الأم و الطفل و التلقيح، إضافة إلى قاعة العلاج حين يغيب الممرض لداع أو لآخر، كل هذا بالإضافة إلى خروجهن ضمن الفرقة الصحية المتنقلة. -مع وجود مشاكل في التعويضات عن هذا العمل-
المهم، أنه في حين كان ينتظر المواطنين إدماج المزيد من الأطر الصحية و الارتقاء بالتالي بجودة الخدمات المقدمة، ها نحن نشهد في مدينة جرسيف انحدارا على هذا المستوى، ومعه يتصاعد الضغط على الممرضين خاصة والقابلات، و ذلك مع تصاعد ضغط السكان بكثرة تواردهم خاصة في هذا الفصل المتميز بالبرد الشديد و الأمراض الكثيرة هذا علاوة عن كثرة احتجاجات هذه الساكنة بوجه حق أو بدونه.
لتبقى الصحة بإقليم جرسيف طريحة الفراش، لا تزيد حالتها إلا سوءا ! في انتظار سياسة أكثر رشدا،وجدية أكثر التزاما في منح هذا الإقليم الفتي ما يستحقه من اهتمام، و توفير المزيد من الموارد البشرية، ولمالا إنشاء معهد لتكوين الممرضين في جرسيف، إضافة إلى ضرورة عدم تجاهل الإعاقات والأزمات الصحية الحقيقية التي تمر منها الصحة في الإقليم. و التعامل معها كما أسلفنا بمقاربات شمولية و بسخاء أكبر، و بإشراك لجميع الفاعلين عسى هذه الصحة الغالية المسكينة تستعيد عافيتها و نضارتها المرجوة.
* فاعل جمعوي و إطار في وزارة الصحة




