الطاهر القور
عرفت مختلف العلوم والمعارف منذ القدم تراكما قيما وتجددا مذهلا، تعزز عبر محطات حضارية مختلفة. وقد تميزت الآونة الأخيرة بتسارع وثيرة التطور، فزادت حدة التخصص، الأمر الذي أدى إلى تفكك المنظومات المعرفية المختلفة المنضوية تحت راية العلوم الحقة، لتتبع نهجها العلوم الاجتماعية.
أدى هذا الوضع إلى زخم من التخصصات، يصعب على الدارس الإحاطة بها بشكل شامل. في هذا الإطار وجد من يتبنى أطروحات سقوط اليقينيات، بل ومنهم من نادى بإلغاء الحدود بين العلوم والنظريات والرجوع إلى وحدة المعرفة، وذلك خدمة لضرورات موضوعية وأغراض منهجية مستوحاة من التداخل والاعتماد المتبادل الذي أصبح يميز عالم المعرفة.
وما دراسة العلاقات الدولية1 إلا نتيجة تلقائية لهذه العملية الانشطارية التي عرفتها العلوم السياسية؛ حيث انبثقت عنها نظريات ومناهج متباينة، تبلورت من خلال الممارسة العملية واجتهاد مؤسسات علمية متخصصة؛ هدفها الأساسي هو التمكن من جوانب هذا العلم القديم/الحديث، وإعطاء تفسير واضح لمختلف أبعاد العلاقات بين الدول. في ضوء هذه المتغيرات، أصبح للبعد الاقتصادي مكانة أساس في فهم واستيعاب وتبرير مختلف سلوكيات الدول.
وإذا كانت مبادئ التوازن تصاغ في السابق من طرف مفكرين وفقهاء سياسيين، فإن عصرنا الحالي أعطى لرجل الاقتصاد صولجان القيادة، فالشركات الكبرى هي من يضع المفاهيم والأطر الفكرية لعالم اليوم. هذا الوضع جعل مفهوم الحدود السياسية متجاوزا ليعوض بحدود اقتصادية تفصل بين شبكات مصالح مترامية الأطراف. فكل النزاعات السياسية أصبحت معفرة برائحة اقتصادية قوية. يتأكد ما سبق من خلال قراءة بسيطة في أهم النزاعات الدولية المعاصرة، أو الأحداث المؤثرة في توزيع القيم الجديدة على المستوى الدولي، (حرب الخليج، سقوط الاتحاد السوفيتي، المفاوضات التجارية، صراع الشرق الأوسط، والجمهوريات اليوغوسلافية …).
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن موضوع، القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، أصبح يثير اهتمام مختلف الشرائح الاجتماعية المغربية، نظرا لما يحمله من عناصر إثارة وكذا افتخار للمغاربة2. فالمغرب يتمتع بسمعة جيدة على مستوى أدائه الدبلوماسي في حل العديد من القضايا الدولية الشائكة. إلا أن استقراء الدراسات المتعلقة بالأداء الدبلوماسي المغربي لازالت في معظمها مرتبطة بالعلاقات الخارجية بشكل عام، دون التركيز على الجانب الاقتصادي3.
بيد أن الخوض في الخصوصية الاقتصادية للقرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، يتطلب إعطاء تحديد مفاهيمي لكل من مصطلحي الدبلوماسية والاقتصاد. وذلك بهدف تحرير مفهوم "الدبلوماسية" من حمولته السياسية، وتناوله في نقاء وصفاء دلالي، يمكن من تحميله معان جديدة.
فكلمة "دبلوماسية" حسب د. أحمد عطية الله :" ذات أصل يوناني، استخدمت منذ عهد الإمبراطورية الرومانية، وكانت تعني مهمة حفظ الوثائق التي تتضمن الاتفاقيات الخارجية، وكانت تلك الوثيقة تعرف باسم "الدبلوما" وعرف القائم عليها باسم الدبلومات (الدبلوماسي) ثم تطور مدلول اللفظ حتى أصبح اليوم يشمل عدة معاني.
الدبلوماسية هي علم وفن ممارسة التمثيل الخارجي بواسطة هيئة من الممثلين السياسيين تعرف بالسلك الدبلوماسي. فالدبلوماسية من حيث هي علم، تشمل دراسة القانون الدولي العام والخاص، وتاريخ تطور العلاقات الدولية، والمعاهدات والاتفاقات التي تنظم هذه العلاقات لاسيما إذا كانت الدولة التي ينتسب إليها الدبلوماسي طرفا فيها.
أما من حيث اعتبار الدبلوماسية فنا4، "فذلك يشمل إحاطة بالعرف الدبلوماسي، وأساليب الاتصالات الدبلوماسية، واستخدام وحفظ الوثائق، ومعرفة امتيازات السلك السياسي، والتقاليد الخاصة بالبروتوكول (المراسيم) في الاستقبالات الرسمية وعقد المؤتمرات وغير ذلك مما يتصل بمهمة الممثل السياسي في الخارج"5.
يطلق لفظ "الدبلوماسية" عرفا على أسلوب من السلوك في المعاملات يتسم بالحذر والحيطة أو باللباقة والقدرة على التخلص من المزالق، أو بالبراعة في الوصول إلى الغرض المقصود دون استثارة حفيظة أو نقمة أحد. جميع هذه الصفات تشيد بمهمة الدبلوماسي الناجح، وفي بعض الأحيان ينصرف لفظ "الدبلوماسية" إلى ما يدين السياسي في حالة التجائه إلى التزييف أو المغالطة أو الخداع لأجل الوصول إلى غرضه.
كما يستخدم لفظ "الدبلوماسية" للدلالة على السياسة الخارجية للدولة، فيقال إن دبلوماسية الدولة كذا في الفترة كذا تهدف إلى تركيز التوجه كذا. يعني لفظ "الدبلوماسية" أيضا حسب الدكتور "سموحي فوق العادة" مجموعة من القواعد والأعراف والمبادئ الدولية التي تهتم بتنظيم العلاقات القائمة بين الدول والمنظمات الدولية، والأصول الواجب اتباعها في تطبيق أحكام القانون الدولي، والتوفيق بين مصالح الدول المتباينة، وفن إجراء المفاوضات في الاجتماعات والمؤتمرات الدولية، وعقد الاتفاقيات والمعاهدات"6 هذا إضافة إلى مقولات أخرى مرتبطة بهذا المصطلح: مثل، "التفاوض فن يسمح بتركيب وتنسيق مصالح الأطراف، والمفاوضات هي وسيلة لمراقبة الأحلاف والأزمات" ثم مقولة: "ليس كل سفير يفاوض ولا كل مفاوض سفير".
أما مصطلح "الاقتصاد"، فله معان شتى، تختلف باختلاف استعمالاته السياقية. فقد يعني فن تقليص التكاليف في إدارة الأموال أو مجموع ما يتم ادخاره، كما يعني قيام مجموعة بشرية بأنشطة مرتبطة بإنتاج، توزيع أو استهلاك الثروات، وذلك وفق نهج معين قد يكون ليبراليا أو موجها. وقد يعني أيضا نظاما لتوزيع الحصص في مجال معين. إضافة إلى ذلك يمكن الحديث عن "علم الاقتصاد" الذي لم يظهر بشكله الجديد إلا مع القرن الثامن عشر، حيث تزايد تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، فتم التمييز بين الاقتصاد العام والاقتصاد الخاص، فعمل هذا الأخير على دراسة سلوك الخواص، أفرادا ومقاولات، فيما اتجه الاقتصاد العام ليس فقط إلى تحليل أسباب، آثار وآليات تدخل الدولة، بل إلى البحث عن مبررات التفرد بالتدخل7.
بالنظر لاتساع ميدان البحث الاقتصادي إلى كل ما يتعلق بالشؤون المادية للفرد والمجتمع، فقد وضعت تعاريف متعددة لهذا العلم تختلف بحسب زاوية النظر. وهكذا جرى تعريف "الاقتصاد"لدى رواد المدرسة التقليدية على أنه: "علم الرفاهية المادية، والبحث عن الوسائل التي تفيد في جمع الثروة"8.
أما "ألفرد مارشال" 9(Alfred Marchal) ، أهم رواد المدارس الحديثة، فقد عرف الاقتصاد على أنه." دراسة الإنسان في أمور حياته المادية للحصول على السلع والخدمات." وقال البعض إنه " علم إشباع الحاجات"، وقال آخرون إنه " علم الندرة والاختيار"10. إلا أن أكثر التعاريف شمولا هو ما قال به "البروفسور بول ساميلسون ـ Paul Samuelson "11 "الاقتصاد هو علم الكيفية التي يختار بها الفرد والمجتمع، سواء باستخدام النقود أو بعدم استخدامها، توظيف الموارد الإنتاجية النادرة لإنتاج مختلف السلع، وتوزيعها للاستهلاك، في الحاضر والمستقبل، بين مختلف الأفراد والجماعات"12.
انطلاقا مما سبق واستئناسا بالأفكار السالفة واستنادا إلى مختلف التعاريف المشار إليها،13 وبناء على العلاقة التبادلية بين الدبلوماسية والاقتصاد فقد تم استحثاث أو نحت مفهوم جديد يوائم بين الدبلوماسية والاقتصاد، وهذا ما سيشكل صلب هذا البحث: » القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية«.
لم تعد الدبلوماسية حبيسة التعاريف القديمة، المحصورة في مجموعة من الاتصالات وتنظيم العلاقات وجمع المعلومات فحسب، بل تحولت إلى عامل مؤثر في تخطيط الاختيارات السياسة، الاقتصادية والاجتماعية الداخلية والخارجية، وإقامة العلاقات بين الدول على أسس جديدة من حيث الأولويات والأهداف، تحافظ على مصالح كل منها، وتحقق المساواة فيما بينها، وتفتح المجال أمام نموها وتطورها، وذلك في الوقت الذي تجاوزت فيه العلاقات بين الدول، سواء أكانت صغيرة، كبيرة أو متوسطة، الاعتماد، فقط، على الاعتبارات السياسية أو العسكرية، لتصبح موجهة باعتبارات اقتصادية أساسا.
في هذا السياق، برزت العديد من المقاربات التي تناولت موضوع الدبلوماسية الاقتصادية بالتعريف والتحليل. وهذه المقاربات توزعت بين ثلاثة اتجاهات:
- الاتجاه الأول : هو الذي مارس أو فهم الدبلوماسية بشكل من العمومية، حيث لم ينشغل بمحاولة تفكيكها؛ معتبرا أن أي محاولة لتفكيك هذا المفهوم هي بمثابة ضرب من المزايدة التي لا تضيف إلى الموضوع أي جديد14؛
– الاتجاه الثاني : وعى بأهمية العنصر الاقتصادي في تفعيل الأداء الدبلوماسي، إلا أنه لم يعره أي خصوصية؛ بل تعامل معه باعتباره تطبيقا دبلوماسيا يمارس استنادا للمعطيات المتعارف عليها، وبناء على ظروف الزمان والمكان والمضمون وطبيعة الأطراف15
– الاتجاه الثالث : اعتبر أن العناصر الاقتصادية كانت ولازالت محددة للعلاقات بين الدول والمجموعات، ومن ثم أوجد لها تعاريف وأطرا نظرية تميزها عن غيرها من باقي الأشكال والممارسات الدبلوماسية. فظهرت مجموعة من الكتابات التي تتحدث عن هذا الصنف من الدبلوماسية16.
كل ذلك يبين بأن موضوع، القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، يتميز بأهمية محورية لما يكتسبه من جدة علمية باعتباره ملتقى الطرق لمجموعة من الحقول المعرفية، كعلم السياسة وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم التسيير وعلم القانون وعلم الإحصاء وعلم النفس والسلوك الدبلوماسي. كما يتمتع بأهمية نظرية يستمدها من محاولة إيجاد إطار نظري جديد يراعي التداخل بين عدة مجالات و حقول معرفية ستكون له إفادة وأهمية على المستوى النظري العام.
بالإضافة إلى ذلك، فهذا الموضوع يتمتع بأهمية عملية، يستمدها مما حظي به من أولوية من طرف أعلى سلطة في البلاد ، حيث وقف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في خطاب بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين لثورة الملك والشعب بطنجة في 20 غشت 2002، عند مجموعة من الموجهات التي يجب أن تشكل الإطار العام للدبلوماسية المغربية العصرية.
أشار جلالة الملك في هذا الصدد إلى أنه "رغم تمكن المغرب من ربح الرهانات الدبلوماسية لكل مرحلة تاريخية، غير أن المستجدات التي تحل بالعالم، تفرض عليه فتح أوراش ومجالات جديدة للتعاون الاقتصادي، من أجل تعميق أبعاده الإستراتيجية. كما أضاف، بأن الدبلوماسية أصبحت تعرف مجموعة من التغيرات، على مستوى الأشخاص، الأهداف والتحديات، وذلك ناتج عن انفتاح المجتمعات على بعضها البعض، وتضخم تداعيات العولمة واتساع الاعتماد المتبادل بين الشؤون الداخلية والخارجية. فقد أضحت العديد من المواضيع التقنية ضمن أولويات السياسة الخارجية، من ذلك الاقتصاد، التجارة، المالية، النقد، التشغيل، الهجرة، الأمن والبيئة…"
هذا إضافة إلى ظهور متدخلين جدد في ممارسة الدبلوماسية، مثل البرلمان، الجماعات المحلية، المنظمات غير الحكومية، المحلية والدولية والمقاولات، وكذا بعض الشخصيات المرموقة في مجال معين كالثقافة والرياضة وغيرهما. لذا فالدبلوماسية المستهدفة مطالبة بإجراء قفزة نوعية مفعمة بالإبداع والابتكار، على مستوى المناهج والأهداف، وتعزيز القدرة على التنسيق بين مختلف المتدخلين في ممارسة الدبلوماسية، مما يسمح بتتبعهم وإشراكهم في تنفيذ الاختيارات الإستراتيجية للمملكة17.
وهكذا فإن أي مقاربة لموضوع القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، ينبغي أن تنطلق من اعتبار مجال البحث يضم المؤثرات الاقتصادية في مجال الدبلوماسية والأداء الدبلوماسي مما يعني دراسة موضوع القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية بصفة مستقلة ومكتملة الشخصية، وكذالك الوقوف على بعض الاستراتيجيات التنموية المعتمدة لدعم الاقتصاد الوطني، وتفعيل صناعة القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، ليس من حيث تمظهراته الخارجية المتجلية في طبيعة العلاقات الدبلوماسية المغربية فقط، وإنما انطلاقا من أداء مختلف الفاعلين القدامى والجدد.
إن القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، يمكن تعريفه بأنه: "مجموعة من الآليات والمهارات والممارسات المعتمدة من طرف أفراد، أجهزة أو مجموعات، حكومية أو غير حكومية، تهدف تحقيق غايات اقتصادية، لدولة أو مجموعة من الدول، انطلاقا من اعتبارات سياسية أو تحقيق غايات سياسية انطلاقا من اعتبارات اقتصادية"
إن هذا التعريف يعكس سعة وتشعب الموضوع مما يستوجب القيام بتجميع الكتابات، التي تعنى بالسياسة، التدبير، الاقتصاد والممارسة الدبلوماسية، سواء تلك التي أوجدت ترابطات بين هذه العناصر، أو تلك التي تناولت كل مجال على حدة، على أن تتم عمليات التركيب إبان أو بعد الإطلاع عليها.
إضافة إلى ذلك، شكلت العشرية الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين، مجالا خصبا للملاحظة الميدانية للأحداث والوقائع المتسارعة، وما لحقها من تغير وتبدل قياسا إلى ما كانت عليه سابقا. هذا الأمر وفر مادة خامة أساسية للدراسة والتخمين واستخلاص العبر، انضافت إلى ما تم تحصيله من معطيات إبان مرحلة التجميع الوثائقي.
فكيف تؤثر السياسات الاقتصادية، والممارسات التدبيرية الوطنية والدولية في صناعة القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية ؟ وماهي الانعكاسات الاقتصادية الداخلية لبعض توجهات الدبلوماسية بمعناها العام؟ لتيسير الفهم يمكن طرح مجموعة من الأسئلة المنبثقة عن الإشكالية الأساسية، ومنها على وجه الخصوص :
- من هم الصناع والممارسون الجدد للقرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، وماهي الأماكن الجديدة لذلك؟ وماهو الإطار الدستوري والواقعي لتغير الأدوار؟
- ماهي مناحي قصور القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية؟
- ما هي الهياكل الأساس التي أصبحت تحتضن ممارسة صناعة وتنفيذ القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية؟
- ماهي الأسس الاقتصادية وغير الاقتصادية لتموقع صانع القرار الاستراتيجي المغربي في مجال العلاقات الدبلوماسية الاقتصادية، إن على مستوى السياسات أو التطبيق؟
- ما هي الوسائل والآليات الجديدة لصناعة القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية ؟
- كيف يمكن للدولة المغربية أن تعيد تأهيل هياكلها الدبلوماسية (سياسية – اقتصادية…) حتى تستجيب لمستلزمات الواقع الجديد؟
- كيف يمكن تطوير دور الفاعلين الجدد في صناعة القرار الاستراتيجي المغربي في مجال العلاقات الدبلوماسية الاقتصادية؛ أخذا بعين الاعتبار إكراهات المحيط الجديد: دكتاتورية الأسواق، محددات المنظمات الدولية المالية والتجارية….
الإجابة على هذه الأسئلة ستدعي تحديد المتغيرات الاقتصادية التي عرفها العالم ومدى تأثيرها على العمل الدبلوماسي لمعرفة الشكل الجديد الذي أصبح، أو يجب أن يصبح عليه، العمل الدبلوماسي سواء من حيث الهياكل أو الوظائف والمهام والأدوار الجديدة، وكذا من حيث آثار هذه التحولات على تنفيذ الدبلوماسية وعلى سير اقتصاد المغرب.
كما أنها تستدعي الاعتماد في هذه الدراسة على قراءة أهم الأحداث، انطلاقا من الماضي لفهم أحسن للواقع وبناء المستقبل. لا يمكن الزعم في هذا الصدد التأريخ للعلاقات الدولية الاقتصادية، ولا محاولة وضع مقاربة اقتصادية محضة ولا استهداف وضع ضوابط فن الدبلوماسية. بل هي محاولة لشرح الواقع وإقامة ترابطات وإعطاء تفسيرات، تساهم في إثارة الانتباه إلى أهمية موضوع القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، بالنسبة لدولة كالمغرب، وذلك في ضوء تجارب باقي الدول، قصد الاستعداد لمواجهة المستقبل وتحدياته المختلفة.
إن ذاك يستدعي الوقوف أولا عند صانعي القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، والوقوف عند بعض التطبيقات العملية والنماذج من النسيج العلائقي المغربي. فمن شأن ذلك أن يكشف عن مختلف مستويات صناع القرار الدبلوماسي في أبعاده الاقتصادية، خاصة بعد انشطار الاختصاص الدبلوماسي، حيث لم يعد يقتصر على الفاعلين التقليديين، من رؤساء الدول والحكومات ووزارات الخارجية والسفراء، بل أصبحت مهمة ممارسته، موزعة بين فاعلين جدد. غير أن تغير الفاعلين أدى بالطبيعة إلى تغير المؤسسات التي تقوم بهذه المهمة ومن ثم تغير أشكال وكيفيات هذا الأداء. هذه الوضعية أدت إلى العمل على جرد أهم الهياكل الجديدة لممارسة الأبعاد الاقتصادية للعمل الدبلوماسي ، مع بيان العلاقات الممكنة فيما بينها.
وفي نفس السياق، من الضروري تحديد أهم العوامل المؤثرة في صناعة القرار الاستراتيجي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية من وجهة نظر كل من الدبلوماسيين والهيئات الوسيطة والمقاولات المغربية وأخيرا النخبة المغربية. هذا إضافة إلى قضية استحقاقات الشراكات الاقتصادية المغربية الأجنبية ومالها من خصوصية، وما تتضمنه من دبلوماسية للتبادل الحر بشكل عام، خاصة تلك مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وباقي الفضاءات الحضارية للمملكة المغربية.
مقاربة هذه العوامل الذاتية والخارجية تؤدي بالنتيجة إلى التساؤل حول مدى نجاعة القرار الاستراتيجي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية المغربية، والأسس المعتمدة لتموقعه على المستوى الدولي. إن ذلك يقتضي بيان مواطن قصور الرؤية الإستراتيجية المغربية في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، وذلك من خلال زاويتين أساسيتين، الأولى هي لمناحي قصور صناعة القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، نتيجة لعدم وضوح مرجعيات صانع القرار الاستراتيجي المغربي. والزاوية الثانية هي بعض الأوجه العملية لارتباك صانع القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، ولاسيما على صعيد الإشكالات المرتبطة بتدبير التعاون في ملف الصيد البحري والتعامل مع ملف الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
وإلى جانب ذلك فمقاربة التحديات التي تواجه صانع القرار الاستراتيجي المغربي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية تستدعي استعارة مجموعة من المقتربات من علم الاقتصاد، لفهم وتحديد مكانة المنظومة الاقتصادية المغربية ومدى كفاءتها في تشكيل مرجعية قوية للدبلوماسي المغربي. وتتمثل المقتربات المختارة في ثلاث مستويات للتموقع: الاختيارات والسياسات الاقتصادية الكلية والجزئية والمابينية، (Macroéconomie، Microéconomie، Mésoéconomie). ثم تقديم مقاربة تدبيرية (Managériale) لفهم حقيقة مكونات الاقتصاد المغربي، ومدى قدرته على ربح الرهانات المستقبلية.
إن الهدف من كل ذلك هو بيان طبيعة الترابط بين السياسة والاقتصاد في المجال الدبلوماسي، والذي تقوم على أساسه إشكالية هذه الدراسة، من خلال بيان الأسس والأبعاد غير المعهودة في تحليل وفهم وتشكل القرار الاستراتيجي في مجال الدبلوماسية الاقتصادية لدولة معينة، وكل ذلك من أجل الوصول في النهاية إلى إثبات أو نفي مجموعة من المعطيات والنتائج المستنبطة من الدراسة الميدانية والوثائق المعتمدة.
———————————
*أستاذ جامعي
كاتب عام الجمعية المغربية للعلاقات الدولية والقانون الدولي
المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة
جامعة عبد المالك السعدي







