ليس بإمكان أي كان إنكار حقيقة وجود المجتمع الدولي ممثلا في مختلف هيئات الأمم المتحدة ذات الصلة وخاصة منها مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة والمنظمات المتخصصة التابعة للمنظمة الأممية على المستوى الدولي كما على المستويين الإقليمي والجهوي. كما ليس بالإمكان الزعم بأن قرارات هذه المنظمات والمؤسسات التي يطلق عليها عادة قرارات الشرعية الدولية لا تأثير لها يذكر على مجرى الأحداث، على الصعيد الدولي حيث ينبغي أن يحسب لها ألف حساب، خاصة إذا كانت موضع إجماع القوى العظمى التي تتولى قيادة العالم بواسطة هذه المؤسسات وقراراتها، وبالتالي فإن الاصطدام معها قد يحمل معه مخاطر كثيرة قد لا يكون بعضها قابلا للتحمل. غير أنه بالإمكان البرهنة في المقابل، على أن هناك أسطورة تدعى المجتمع الدولي، وهي لا تتطابق في تصوراتها مع العناصر الموضوعية المكونة للمجتمع الدولي، كما يتجلى في مختلف مؤسساته، وطرق عملها ومعالجتها لمختلف القضايا التي تعرض عليها، في الظروف العادية، كما في الظروف الاستثنائية، ظروف الأزمات السياسية أو ظروف النزاعات الباردة أو الساخنة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
ويبدو أن طبيعة الانتظارات التي تكون عادة لدى القوى والدول الضعيفة تجاه مؤسسات المجتمع الدولي لجهة مطالبتها بإنصافها ورفع الظلم عنها أو المساهمة في العمل على حل نزاعاتها غير المتكافئة في الأغلب الأعم، مع الغير، على قاعدة احترام قرارات الشرعية الدولية، وبخاصة منها قرارات مجلس الأمن الدولي هي التي تضفي في نهاية المطاف، الطابع الأسطوري أو المتخيل على المجتمع الدولي. وبقدر ما تعجز تلك المؤسسات، لهذا السبب أو ذاك، عن تلبية تلك المطالب التي تبدو في نظرها بسيطة، وفي متناول اليد، بقدر ما يتخذ هذا الطابع الأسطوري أبعادا مضاعفة إلى درجة يعتقد فيها البعض أنها تملك العصا السحرية التي تسمح لها بالحل الفوري لتلك النزاعات وأن ما ينقصها هو توفر الإرادة السياسية لدى مختلف القوى الأساسية باتخاذ منحى البحث عن الحلول الملائمة لها.
ويبدو أن تجاهل أو تغييب فكرة المصالح الفعلية المتعارضة أو المتناقضة لمكونات مؤسسات المجتمع الدولي الأساسية، لا يعمل إلا على تضخيم هذا الجانب الأسطوري والمتخيل، مع أن المفترض هو البحث عن كل ما من شأنه أن يقلص من هذا الجانب ليكون التعامل مع تلك المؤسسات تعاملا موضوعيا وواقعيا يسمح بمطالبتها بتحقيق الممكن، وما يندرج ضمن اختصاصاتها، وليس ما يدخل في إطار المستحيل من حيث الصلاحيات الأصلية أو من حيث انعدام الوسائل التي يقتضيها العمل على تلبية تلك المطالب. وهنا لا مناص من طرح السؤال الجوهري التالي: على أي أساس يمكن تحديد الممكن وبأي مقياس يمكن التعرف على المستحيل؟
يفترض البحث عن الإجابة على هذا السؤال النظر إلى طبيعة القرارات التي تصدر عن مؤسسات المجتمع الدولي من حيث قابليتها للتنفيذ، ومن حيث توفر الوسائل التي يتطلبها تجسيدها على أرض الواقع. وبطبيعة الحال، فإن هذه الوسائل تشمل ما هو مادي، وما هو معنوي، ما هو سياسي وما هو اقتصادي أو عسكري لأن أي نقص على هذه المستويات يحول تلك القرارات من دائرة الإمكان إلى دوائر الاستحالة.
قرارات الشرعية الدولية إذا لم تجد طريقها إلى التنفيذ، فإنها لا تلعب أي دور فعلي إلا على مستوى تعزيز الأسس التي تقوم عليها أسطورة المجتمع الدولي التي تلعب دورا إيديولوجيا مشوها للوقائع، ومضللا للقوى التي تؤمن بأهمية تلك القرارات، وتعتقد أنها ستجد في يوم من الأيام طريقها إلى التنفيذ، دون أن تواجه غي سبيل ذلك أي عوائق أو عقبات جدية ما دامت تترجم، على مستوى القانون الدولي مبادئ العدالة والإنصاف. إن التوقف، في هذا السياق، عند القرارات الأساسية التي صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة حول القضية الفلسطينية والتي ظلت حبرا على ورق لعشرات السنين يدعم هذا التأويل.
إن إسرائيل التي ضربت بالقرارات الدولية حو القضية الفلسطينية عرض الحائط دون الخضوع لأي مساءلة دولية جدية بل وبدعم من بعض القوى العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية قد أعطت الدليل الملموس على أن هذه القرارات لا تتجاوز مفردات نصوصها اللغوية ولا يمكن أن تتجسد على أرض الواقع إلا ضمن معادلات تستعيد فيها المؤسسات التي صدرت عنها مقومات وجودها الحقيقي وتتحرر من التصورات الأسطورية والوهمية حولها وهذا رهن بحدوث تحولات نوعية في معادلات وموازين القوى على المستوى الدولي حيث تكون الغلبة للقوى التي تحاول التقريب بين ما تلنه من مبادئ وما تقدم عليه من ممارسات على أرض الواقع.
ولعل الأساس المكين لأسطورة المجتمع الدولي يعود إلى ظروف نشأة أهم مؤسسة فيه ممثلة في هيئة الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن الدولي فيها عند نهاية الحرب العالمية الثانية والانتصار على النازية الألمانية والفاشية الإيطالية واليابانية. إن كون هذه المؤسسة وليدة هذه الظروف الخاصة جعلها تعكس في الواقع تصور القوى التي حققت الانتصار لكيفية هيكلة واشتغال مؤسسات النظام الجديد المنبثق عن نهاية الحرب والذي كان من أولوياته تكريس الانتصار وإقامة ما يكفي من العقبات والحواجز أمام أي محاولة لإعادة النظر في تلك الأسس بما يقلب المعادلات الدولية رأسا على عقب. وهنا لا ينبغي نسيان أن القوى المنتصرة قد روجت لفكرة مثالية عن النظام الدولي الجديد لا علاقة لها بالواقع الفعلي لكيفية اشتغال مؤسسات هذا النظام التي ترتبط عضويا بمصالح القوى الكبرى. ورغم أن مجلس الأمن الدولي كان المروج الأول لهذه الإيديولوجية المثالية والحارس الأول والساهر على عرقلة حدوث أي تطور يتناقض مع تلك المصالح فهذا لم يمنع حدوث شرخ كبير في تصورات مكوناته الأساسية غداة انتهاء العالمية الثانية ذاتها في شكل حرب باردة بين المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الشرقي تحت قيادة الاتحاد السوفييتي آنذاك. وهو ما أثر بصورة جوهرية في النظرة إلى مضمون المجتمع الدولي وطبيعة الدور الذي يؤول إلى مؤسساته في حال السلم كما في حال الحرب. وقد وجد العالم نفسه أمام تأويلين رئيسيين حاول كل منهما إقامة المطابقة بين تصوراته القائمة على مصالحه السياسية والإستراتيجية وبين ما تعنيه أو ينبغي أن تدل عليه الشرعية الدولية. وعلى هذا الأساس أقيمت الأحلاف الإقليمية والدولية كما تم الانخراط بصورة غير مباشرة وعبر أطراف ثالثة في نزاعات مسلحة غايتها الدفاع عن دوائر النفوذ الخاصة بهذا المعسكر أو ذاك ومنع المعسكر المقابل من تحقيق أي من أهدافه الرامية إلى توسيع نفوذها الخاص على حساب الطرف أو الأطراف الأخرى,
وهذا يعني أن محصلة هذا التحول هو الارتباط العضوي بين قرارات الشرعية الدولية في صياغتها الأولى وبين طبيعة موازين القوى داخل مجلس الأمن الدولي بالذات بين مكونات المعسكرين المتنافسين والمتصارعين من جهة، وانتقال هذا الصراع ، من جهة أخرى، إلى مرحلة تطبيق تلك القرارات حيث يبرز للعيان صراع مرير بين تأويلين يعكسان رؤية كل منهما. وقد يؤدي إلى تعطيل تطبيق تلك القرارات على الأرض، الأمر الذي يحولها إلى دليل إضافي بأن تلك القرارات لا تستمد قوتها الفعلية من كونها قرارات الشرعية الدولية، وإنما من طبيعة موازين القوى السائدة في مرحلة من المراحل وما تسمح به من ترجيح كفة هذا التأويل أو ذاك. وكل هذا يبعدنا عن النظرة المثالية التي تم الترويج لها حول عدالة النظام الدولي الجديد الأمر الذي حولها إلى مجرد أسطورة تأسيسية الهدف منها إخفاء طبيعة الصراعات على المستوى الدولي والإيهام بأن هناك شرعية دولية تسري قوانينها على الجميع.
والواقع أنه عندما تنتهك القوانين الدولية من قبل جماعات سياسية أو دول تنتمي إلى مؤسسات المجتمع الدولي دون أن تتحرك المؤسسات ذات الاختصاص لردعها وإعادة الأمور إلى نصابها، فإن هذا يدفع الرأي العام المعني إلى التشكيك في جدية تلك المؤسسات وفي مصداقيتها. وهذا التشكيك يؤدي، إذا طال به الأمد إلى التعاطي معها بالسخرية والاستخفاف بها بل والتصرف إزاءها وكأنها لم تكن، أو أنها مجرد صدى خافت لكيانات تاريخية لم يعد لها أثر ذي بال في الواقع الفعلي. وعندها تكون أقرب إلى الوهم بالنسبة للبعض أكثر مما هي أقرب إلى الواقع، وأقرب إلى الأسطورة في بعدها الوهمي والمتخيل غير القادر على الفعل في الواقع بأي شكل من الأشكال، بالنسبة لمجمل تيارات الرأي العام على المستوى الدولي.
ومما لا شك فيه أن الخروج من منطق الأسطورة ومتاهاتها السياسية هو من مسؤولية القوى العظمى الراغبة في القطع مع منطق الهيمنة والاستفراد لفائدة منطق التوازن والشراكة القائمة على الندية الحقيقية بين مكونات المجتمع الدولي، من حيث مراعاة مصالحها الحيوية، ضمن تصور يروم تحقيق حد أدنى من التوازن والعدالة على أوسع نطاق ممكن. ولا يبدو أن مؤسسات الشرعية الدولية قد وصلت إلى هذا المستوى المطلوب، في الوقت الراهن، وإن أمكن القول إن إرهاصات حدوث مثل هذا التحول قد بدأت تلوح في الأفق، خاصة بعد مؤتمر جنيف حول الأزمة السورية حيث تمت محاولة الموازنة بين البعد السيادي وبعد الشرعية الدولية في عملية البحث عن الحل السياسي على قاعدة الحوار الوطني الشامل وضمن منطق أن العوامل الداخلية هي المحدد الأساسي لطبيعة الحل السياسي المنشود بما يحقق التغيير ويضمن وحدة الوطن وسيادة دولة سوريا ودورها الحيوي المحلي والإقليمي والدولي.
ومن الواضح أن الوصول إلى هذا الوضع لم يكن ممكنا لولا التطورات التي شهدتها العلاقات الدولية في السنتين الأخيرتين وعلى الخصوص التباين العميق في وجهات نظر القوى العظمى الأساسية في مجلس الأمن الدولي حول الطريقة التي ينبغي التعامل بها مع الأحداث الاجتماعية والسياسية التي عرفتها بعض البلدان العربية حيث تمت الإطاحة ببعض أنظمتها بفعل الديناميكية الداخلية حينا وبفعل التدخلات السياسية والعسكرية الأجنبية الواضحة حينا آخر كما هو عليه الأمر في اليمن وفي ليبيا حيث تولى حلف شمال الأطلسي مهمة الإطاحة بنظام العقيد القذافي من خلال استغلال قرار صادر من مجلس الأمن الدولي لحماية المدنيين. وقد كان لهذا التأويل تبعات جوهرية على صعيد العلاقات الدولية وداخل مجلس الأمن الدولي بالذات حيث انبرت روسيا والصين لمنع تكرار حدوث سيناريو ليبيا في سوريا فلم تتردد الدولتان في استخدام حق النقض في وجه كل مشروع قرار يمكن الانطلاق منه للتدخل العسكري خاصة بعد أن أعلنت بعض الدول الغربية عدم معارضتها لمثل هذا التدخل إذا ما توفر له غطاء من مجلس الأمن الدولي.
وبهذا المعنى يمكن القول إن خطة جنيف قد أتت لتضع بعض الأسس الأولية لكن الأساسية للتوافق الدولي حول إحدى الأزمات الشائكة المطروحة على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ مدة طويلة. لكن هذا لا يمنع من طرح السؤال الرئيس التالي: هل يصمد هذا التوافق أمام تفاعلات الأزمة السورية التي يبدو أنها قد تفتح شهية البعض لتحويلها إلى حرب ذات طابع دولي؟
إن خطة الاستيلاء على دمشق التي منيت بالفشل والمعركة الدائرة بين المعارضة المسلحة والجيش العربي السوري حول حلب والتصريحات الصادرة عن عدد من عواصم القرار الدولي الدائرة في فلك الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تعد تخفي خططها السياسية والاستراتيجية لإسقاط دمشق تدل كلها على أن الصراع مقبل على لحظات أكثر خطورة بالنسبة للمنطقة ولمستقبل العلاقات الدولية. ولعل هذا ما دفع بكوفي عنان إلى الاستقالة من مهمته.
إدريس البزاز







