العرب – تدير مدينة تطوان المغربية الرقاب إليها بقوة خلال الشهر الجاري، ليس بسبب الاحتفاء بمهرجان موسمي على غرار باقي المدن المغربية ذات الصيت العالمي، وإنما من المُرتقب أن تحظى هذه المدينة بشرف تنظيم الاحتفالات المخصصة بالذكرى الثالثة عشرة لاعتلاء الملك محمد السادس سدة العرش.
وتحل احتفالات عيد العرش في الثلاثين من شهر يوليو/تموز وهي الثانية بعد المصادقة على الدستور الجديد في الاول من يوليو العام الماضي.
وتدخل المملكة المغربية في سباق مع الزمن للتكيف مع التغيرات الديمقراطية التي تشهدها البلاد، وبعد 13 عاما من اعتلاء الملك محمد السادس العرش العلوي خلفا لوالده الملك الراحل الحسن الثاني.
وبخلاف الكثير من الدول العربية نجح المغرب في الخروج من عين العاصفة مع تمدد ثورات الربيع العربي في المنطقة بالإسراع في اقرار الاصلاحات السياسية ومراجعة التوازنات بين السلط وإعادة النظر في المؤسسة الملكية نفسها داخل الدستور الجديد.
وقال ميشيل روسي أستاذ القانون الإداري المغربي والعميد الفخري لجامعة غرونوبل٬ إن الملك محمد السادس أبان عن "واقعية" بإقراره مراجعة شاملة للمؤسسات وباقتراحه إصلاحا دستوريا من شأنه ان يحقق "توازنا غير مسبوق" بين السلطات.
وتعني تلك الواقعية بحسب الخبير أن المؤسسات الدستورية في المملكة لم تعد تتماشى مع ما تحتاجه الوضعية السياسية الداخلية للمغرب وبيئته الإقليمية والدولية.
ويمنح الدستور الجديد صلاحيات أوسع لرئاسة الحكومة تشمل التسميات والتعيينات كما توسع في الاختصاصات التشريعية للبرلمان من ثمانية اختصاصات إلى ثلاثين اختصاصا إلى جانب تعزيز الدور الرقابي للمعارضة على أداء الحكومة.
كما ينص الدستور الجديد على استقلالية القضاء ويعترف بحضور الأمازيغية كمكون حضاري وثقافي٬ وينص كذلك على تكريس الحريات العامة٬ وترسيخ مفهوم الجهوية المتقدمة٬ وضمان المشاركة السياسية للمرأة.
وقال أندري موريسون٬ عضو حزب المحافظين بمجلس العموم "الغرفة السفلى للبرلمان البريطاني"٬ إن "الملك محمد السادس ملك مستنير ينبغي الإشادة بقيادته".
وأضاف النائب البريطاني إن التجربة الحيوية لهيئة الإنصاف والمصالحة مكنت المغرب من طي صفحة الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان والمضي قدما نحو مزيد من التقدم السياسي".
وقام المشرع المغربي بدسترة الهيئة الوطنية للنزاهة ومجلس المنافسة بالدستور الجديد لمحاربة الرشوة واقتصاد الريع ووضع قيودا على الحصانة البرلمانية ومنح حريات أوسع لتكوين جمعيات المجتمع المدني كما نص على ضمان الحق في محاكمة عادلة وإصدار الاحكام في آجال معقولة.
ومع ذلك فإن "الثورة الهادئة والشاملة" التي أطلقها الدستور المغربي الجديد لا تقف عند رد الاعتبار للمؤسسات الدستورية. فالسلطة تعي جيدا ان الاصلاحات قد لا تعني شيئا إذا لم توجه إلى محاربة الفساد والرشوة والوقوف على أمهات المشاكل الاجتماعية وعلى رأسها الفقر والأمية وأزمة البطالة والسكن.
ويعول المغرب الذي يتمتع بوضع الشريك المتقدم مع الاتحاد الأوروبي ويجتذب معدل عشرة ملايين سائح في العام على بنيته التحتية وتوفره على المناخ الملائم للاستثمار ووفرة الكوادر لديه لجذب المزيد من رؤوس الأموال الخارجية وتنويع الاستثمارات في البلاد ورفع معدلات النمو الاقتصادي والقدرة التشغيلية.
وقال وزير الاقتصاد والمالية المغربي نزار البركة إن الرؤية الحكومية للإقتصاد المغربي ترتكز على خمسة محاور أساسية خلال السنوات المقبلة، أولها تقوية النمو من خلال دعم الطلب الداخلي، وجعل المغرب قاعدة للاستثمار والتصدير، ثم تطوير آليات التضامن والحماية الاجتماعية.
وأضاف ان البعد الجهوي المنصوص عليه في الدستور الجديد لتحقيق تنمية متوازنة بين جهات المغرب، وربطه بالحكم الرشيد والشفافية والنزاهة، يهدف الى 'تسريع وتيرة التنمية وتقليص عجز الميزان التجاري "12 بالمائة حاليا/10 مليارات يورو" ليبلغ 3 بالمائة من النتاج الداخلي الخام في أفق 2016'.
واوضح ان نسبة النمو 5 بالمائة التي حققها المغرب خلال السنوات العشر الأخيرة تدحض مقولة ان 'أووربا حين تعطس فإن المغرب يصاب بالزكام، فنحن نشاهد القارة الاوروبية اليوم مصابة بالزكام والمغرب بعيد عن أن يكون مريضا'.
وقال الوزير ان معدل دخل الفرد المغربي ارتفع بين 2001 و2011 من 15700 درهم "1430 يورو" الى 26151 درهم "2382 يورو"، رافقه انخفاض في معدل البطالة الى 8,9' خلال 2011 مقابل 12,5' في 2001.
ولتحقيق هذه الاهداف اعتبر الوزير ان الحفاظ على سيادة واستقلالية القرار الاقتصادي أمر أساسي من خلال ضمان امن غذائي وطني، والتخلص من التبعية الطاقوية "95 بالمائة" على اساس تقلبات اسعار السوق الدولية، وتدهور العجز التجاري، وتفاقم عجز الميزانية.
وقال النائب البريطاني أندري موريسون إلى أن المغرب يتمتع بوضع اقتصادي محل "اهتمام من قبل البلدان الأخرى التي تواجه مشاكل خطيرة"٬ مضيفا أن المغرب بفضل إطاره السياسي والماكرو – اقتصادي المستقر٬ ينظر إليه كسوق واعد ينبغي للشركاء الأوروبيين وضمنهم المملكة المتحدة العمل معه.
من جانبه٬ اعتبر اللورد هاريسون٬ المطلع على قضايا المغرب وشمال افريقيا٬ إلى أن المسؤولين المغاربة واجهوا٬ بالشجاعة والمثابرة٬ المشاكل التي تعاني منها البلاد٬ من خلال اعتماد استراتيجيات مكنت من وضع المغرب في مركز الصدارة إقليميا في مجال التطور الاقتصادي والسياسي.
وقال هاريسون إن المغرب نجح في التعامل مع هذه الأحداث الحاسمة٬ مشيرا إلى أن الملك أظهر قدرة كبيرة على الاستشراف٬ من خلال تقديم دستور رائد وضع المغرب في مصاف البلدان ذات التقاليد الديمقراطية العريقة.
وأضاف أن هذه "القدرة لم تأت صدفة لأن المغرب ومنذ سنوات كان جد متقدم في مجال التطور السياسي والديمقراطي مقارنة مع البلدان الأخرى في المنطقة"٬ مشيرا إلى أن الملاحظين المطلعين والواعين بهذا الواقع٬ يدركون جيدا أن المغرب يتوفر على مؤسسات قوية تجعله في مأمن من الاضطرابات.
واعتبر اللورد هاريسون أن المغرب٬ القوي بجميع أسسه٬ يقدم مثالا رائعا لبلد يتجه نحو الحداثة مع دفاعه في نفس الوقت وبغيرة عن تقاليده٬ مشيرا إلى أن إمكانات المملكة وعلاقاتها الممتازة مع البلدان الأكثر نفوذا في العالم تمكنها من التطلع وبكل ثقة إلى مستقبلها.
وقال الأكاديمي الفرنسي والمدير التنفيذي لجامعة باريس-السوربون-أبوظبي٬ جون إيف دي كارا إن هذا المسار الإصلاحي الذي جاء في شكل ثورة هادئة وغير مرتبط بأجندات أجنبية "لا يمكنه إلا أن يسهم في تدعيم موقع المغرب في علاقته بشركائه الأوربيين والدوليين".
وإحدى ميزات المملكة المغربية التي تقع على مسافة 15 كلم من أقرب نقطة تصلها بالفضاء الأوروبي أنها تتمتع بديبلوماسية نشطة وعريقة في المنطقة ليس فقط مع جيرانها العرب والأفارقة أو لدى الضفة الشمالية حيث تلعب الروابط التاريخية والدينية والعرقية عوامل مهمة في انخراط المملكة بمحيطها، ولكن ايضا مع الاصدقاء والحلفاء فيما وراء المحيطات.
وفي الخامس والعشرين من الشهر الجاري مرت الذكرى 225 للتصويت في مجلس الشيوخ الاميركي على أطول معاهدة في تاريخ الولايات المتحدة "معاهدة السلام والصداقة بين الولايات المتحدة والمغرب 1787".
وبعد أكثر من قرنين من الزمان على المعاهدة التاريخية لا تزال العلاقة الخاصة والاستراتيجية بين اثنين من أهم البلدان في الغرب والشرق الاوسط متصاعدة ومتينة.
وبدأت العلاقات الرسمية بين المغرب والولايات المتحدة في عام 1777، عندما أصبح المغرب أول دولة تعترف بالمستعمرات الأميركية كأمة.
ومنح سلطان المغرب، محمد الثالث، السفن الاميركية ممرا آمناً عبر مضيق جبل طارق والموانئ المغربية. ومنذ ذلك الحين، واصلت المغرب والولايات المتحدة علاقة صداقة على مدار 225 سنة. وقاتل الجنود المغاربة خلال الحرب العالمية الأولى، الى جانب قوات مشاة البحرية الاميركية في فرنسا.
واستضافت المغرب خلال الحرب العالمية الثانية مؤتمرا في الدار البيضاء عام 1943 يناقش التخطيط لاستراتيجية الحلفاء في أوروبا.
وكتبت الصحيفة الاميركية "دايلي كولر"٬ أن الملك محمد السادس عاهل "حداثي يضمن استمرارية دينامية الإصلاحات التي أطلقها في المغرب"٬ موضحة أن النموذج المغربي "يحظى باهتمام العالم أجمع".
ولاحظ دافيد مارتسوكو٬ في مقال تحليلي نشرته الصحيفة٬ أن "عراقة الملكية المغربية٬ التي يعود تاريخها إلى قرون عدة٬ وتجذرها في المجتمع يشكلان حصنا منيعا ضد كافة التجاوزات وضد كافة المساعي المتطرفة".
ولدى حديثها عن الإصلاحات التي أطلقها الملك محمد السادس٬ منذ اعتلائه العرش٬ وقبل "الربيع العربي" بكثير٬ أشارت الصحيفة٬ على الخصوص٬ إلى إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، بهدف القطع مع انتهاكات حقوق الإنسان في الماضي٬ في إطار دينامية همت مختلف قطاعات الأنشطة.
وعززت هذه الدينامية المتميزة من الإصلاحات جاذبية المملكة كوجهة لرؤوس الأموال الأجنبية، التي "تشهد ارتفاعا" حاليا وتساهم في نمو الاقتصاد المغربي، الذي يقارب 5 في المائة سنويا.
وقال كاتب المقال إن واشنطن تولي اهتماما خاصا للإصلاحات التي أطلقها جلالة الملك٬ كما يشهد على ذلك كون المغرب "البلد الإفريقي الوحيد الذي ترتبط معه الولايات المتحدة باتفاقية للتبادل الحر" دخلت حيز التنفيذ سنة 2006.
وأشار إلى أن العلاقات المتميزة بين الرباط وواشنطن تعود إلى سنة 1777، التاريخ الذي كان فيه المغرب "أول أمة تعترف رسميا باستقلال جمهورية الولايات المتحدة الفتية".
وكان بيتر فام، مدير مركز مايكل أنصاري لإفريقيا التابع لمجموعة التفكير الاميركية 'أتلانتيك كاونسل'، كتب أخيرا بأن سنة 2012 تخلد الذكرى 266 لمعاهدة السلم والصداقة المغربية-الاميركية "التي تعد أقدم معاهدة توقعها الولايات المتحدة مع بلد آخر".
وذكر بيتر فام٬ في مقال مخلد للذكرى٬ بأنه "بتاريخ 15 يوليوز 1786 الموافق 18 رمضان 1200 هجرية٬ استقبل المبعوث الاميركي توماس باركلي من طرف محاوره المغربي الطاهر بن عبد الحق فنيش، الذي سلمه البروتوكول النهائي لمعاهدة السلم والصداقة بين البلدين".
وأوضح أنه جرى في ما بعد توقيع ترجمة معتمدة لبنود تلك الوثيقة من قبل جون أدامس وتوماس جيفيرسون٬ بصفتهما وزيرين مفوضين٬ واللذين أصبحا في ما بعد على التوالي الرئيسين الثاني والثالث لجمهورية الولايات المتحدة الاميركية الفتية.وفي 18 يوليوز 1787، وضع الكونغرس الاميركي ختمه مصادقا بذلك على المعاهدة المذكورة.
ويرنو المغرب اليوم بتركيبته السياسية الجديدة إلى إعادة التعريف بنفسه على الخارطة وإلى مزيد من الاندماج مع شركائه بما يضمن له استقرارا اقتصاديا يمكنه من الاستمرار في قطف ثمار الثورة الهادئة.
العرب اونلاين






