: دور الاعلام الامني في المجتمع
أضحى الإعلام الأمني مفهوماً إعلامياً متخصصاً في المجتمعات الحديثة، يمتلك غايات إعلامية وقائية واجتماعية ويقوم بدور مهم في ترسيخ أمن المجتمعات واستقرارها. فهو يلبي حاجات اجتماعية تسهم في التوعية والتثقيف والتوجيه والإرشاد للوقوف بوجه الظواهر والمتغيرات الاجتماعية التي تطرأ على الفكر والسلوك والقيم. الا انه لايمكنه تحقيق أهدافه المرجوة ومقاصده النبيلة إلا حين تتكامل جهوده مع جهود باقي المؤسسات الإعلامية والاجتماعية والتربوية وغيرها.
ولكون الظواهر الاجتماعية في حياة الإنسان متشابكة ومترابطة وتتبادل فيما بينها التأثير والتأثر، فإن ذلك يصدق أكثر ما يصدق على الإعلام والأمن. بما يمكن القول إنه بدون إعلام مخطط لن يكون هناك أمن حقيقي، كما أنه بدون أمن وطيد، يشيع في المجتمع فلا ينهض له إعلام متزن ومتوازن.
للاعلام الامني دور مهم في بناء الامن الوطني للدولة وفي تخطيط استراتيجيتها، وهو دور يقوم على اساس التفاعل مع التحديات والتهديدات الموجهة للامن الوطني، ومن اجل تأكيد استراتيجية الدولة في مواجهة هذه التحديات، اصبح للاعلام الامني دور مؤثر في مواجهة مشاكل وقضايا المجتمع من خلال الاسهام في مناقشة هذه القضايا وايجاد الحلول المناسبة لها، بل وله رسالة مهمة في مواجهة الغزو الفكري والثقافي المعادي الذي يستهدف النيل من وحدة الوطن. ويبرز دور الاعلام الامني بشكل واضح، وقت الحرب، من اجل مواجهة الدعاية المضادة والحرب النفسية.
يقوم الاعلام ببعض الادوار المميزة مثل بث التوجيهات ونشر التعليمات للجماهير بهدف التعامل مع نتائج الازمات، والحرص على مراقبة الجماهير المستهدفة وملاحظة التغيرات التي قد تحدث في اوساطها لمواجهة ماقد تثيره الأزمة، كما يعمل على ربط المعلومة بسياق الأحداث المعاصرة، وتزويد الجماهير بالمعلومات الكاملة التي تحد من انتشار الشائعات والاخبار حول احداث الازمة الامنية، كما ويقوم الاعلام الامني بالتنسيق مع الجهات الامنية المختلفة لتغطية الأحداث الازمات الامنية وحجم ونوعية المعلومات المستهدف تغطيتها.
يؤدي الاعلام الامني دوراً إيجابياً سليماً، يسهم في الحفاظ على أمن الدولة إسهاماً كبيراً، خاصة اذا تم تطبيقه ضمن خطط مدروسة وقيامه على جملة من المبادئ والقيم والثوابت التي تحقق المزيد من الفهم المشترك والتعاون الوثيق بينهما، ومن ثم تشكل رؤية واحدة ولغة موحدة، تستطيع أن تتفاعل لتؤدي توعية حسنة وتوجيهاً وإرشاداً سليماً، ما يضمن تهيئة رأي عام مستنير وواع إزاء نشاط رجل الأمن ودوره في المجتمع من ناحية وتعزيز جهود الوقاية وإقرار الأمن من ناحية ثانية. خاصة بعد التطور الكبير الذي جرى لوسائل الإعلام والاتصال وانتشار الفضائيات، صار من السهل جدا رؤية كل مايبثه الإعلام. من هنا تبرز الخطورة والأهمية القصوى للإعلام (المرئي منه والمقروء والمسموع ) وكذا ما يشكله من جوانب الخطر، فتبرز المسؤولية العظمى وثقل الأمانة في يد وفكر من يقوم على الإعلام ويسيطر على وسائل.
وها نحن اليوم في بداية 2012، نعيش ثورة معلوماتية ذات اتجاه واحد، ممزوجة بتحولات مجتمعية هائلة خاصة في الشرق الاوسط، وبات تأثير مئات القنوات التلفازية تؤتي اكلها في تغيير العادات والقيم والتقاليد والمفاهيم لدى الشعوب المستهلكة للمواد الإعلامية والثقافية، فتعيد تشكيل ثقافتها وقيمها الاجتماعية، وترسم أمام مشاهديها لوحات جمالية في مظهرها وقد تكون سوداء قاتمة في مضامينها ومحتواها. ولا يخفى أن عملية تكوين الرؤى أو تشكيل الرأي العام والإسهام الفاعل في عملية التغيير الاجتماعية، هي عملية تراكمية تكاملية تلعب وسائل الإعلام فيها دوراً مهماً لاسيما في الوسيلة المرئية فجمهور التلفاز متعدد الفئات العمرية والثقافية أو العرقية غير محدد، وأن تلكم الجماهير جعلت التلفاز يحتل ركناً مهماً في حياة أفراد كل أسرة، حيث يقضون معه الساعات الطوال ويتفاعلون مع المواقف التي تبث عبر شاشته ويتقمصون الشخصيات التي يصادفونها (السلبية منها والإيجابية).
وهنا يبرز دور الإعلام الأمني في التوعية المجتمعية والنظريات التي توضح تأثير الإعلام في مجال التوعية، وما يمكن أن يقوم به من أدوار تعمل على زيادة الشعور بالانتماء للوطن، وإمداد الفرد بالمعلومات، واستحداث آراء لدى أفراد المجتمع حول الموضوعات الجديدة والمستحدثة، مع تغيير اتجاهات الأفراد، ورفع الوعي بين الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني لتلعب دوراً فعالا في خدمة المجتمع، وزيادة وعي المواطن للتعامل بصورة أكثر مسؤولية مع مشروعات البيئة الأساسية وتشجيع وسائل الإعلام المحلية مع إتاحة الفرصة لبناء قدرات وتنمية مهارات الجمعيات الأهلية ومؤسسات تنمية المجتمع المدني. مضيفاً أن التوعية الأمنية هي نشر الثقافة الأمنية التي تأتي من خلال الرسالة الإعلامية التي توجهها أجهزة الإعلام الأمني وتعني بالثقافة الأمنية.
وللإعلام دور كبير جداً في الحفاظ علي مقومات الأمن القومي يتمثل هذا الدور في التعامل الإيجابي مع مهددات الأمن القومي والشعور بالثقة بالنفس في تحمل مسؤولية أمن الوطن والحفاظ علي أمنه المجتمعي من خلال ما يطرح من قضايا عبر وسائل الإعلام المختلفة و من خلال ما ينشر من قضايا وأحداث في مجال الأمن القومي.
الإعلام الأمني الحديث نتاج تكامل أداء مختلف القطاعات حيث يجب ألا تقتصر مهمة تغطية ومعالجة القضايا الأمنية على الأجهزة الأمنية فقط، أو وسائل الإعلام الرسمية بل يجب أن يشمل ذلك وسائل الإعلام الخاصة التي ينبغي لها القيام بدور رئيس في الإستراتيجية الأمنية للمجتمع، انطلاقًا مما تمليه الوظائف المهنية، والاجتماعية، والوطنية لهذه الوسائل، حيث يتعين أن تعمل مختلف وسائل الإعلام المقروءة، والمسموعة، والمرئية على إحاطة الجمهور بالتطورات المختلفة في المجتمع ومن ذلك الأحداث الأمنية إلى جانب توعية الجمهور بالمخاطر المترتبة على السلوكيات المنحرفة وبدور الجمهور في مواجهة هذه السلوكيات.
عاشراً: الخاتمة والاستنتاجات والتوصيات:
اولاً: الخاتمة:
أصبح الإعلام بوسائله المختلفة المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية، يمثل محوراً أساسياً لمختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والقناة الرئيسة لنشر كل أنواع المعارف والعلوم والآداب والفنون والأفكار والآراء والتوعية في كل ما يتعلق بالقضايا الامنية.
وقد ادى التطور المذهل في عالم الاعلام والاتصال والتكنولوجيا الى زيادة ارتباط الأنشطة الإعلامية بالمجتمع وبالتالي إلى وجود أساليب جديدة للتعامل الأمني مع المجتمع بمكوناته المختلفة، بل اصبح احد المتطلبات الرئيسة للعمل الأمني المعاصر تتمثل في ايجاد قنوات للاتصال المباشر وغير المباشر بالمجتمع بقواه وعناصره وفئاته المختلفة من اجل ايجاد الأرضية المشتركة بين الأجهزة المعنية والمجتمع والمواطنين، وتشكيل الصورة الذهنية الايجابية عند المواطنين تجاه هذه الأجهزة، استنادا إلى كون الأنشطة التي تقوم بها هذه الأجهزة ذات صلة مباشرة بمصالح المواطنين وحياتهم وان قيام هذه الأجهزة بوظائفها بالكفاءة والفعالية المطلوبة يتطلب بناء شراكات مجتمعية قوية وفعالة تؤمن برسالة الأمن ومتطلباته. ان الإعلام يواجه تحديات الاحترافية والمهنية والأخلاق والقيادة والتخطيط الاستراتيجي والدراسات والبحوث. وهذا يعني أنه يجب التركيز على التكوين الأكاديمي الفعال والمنهجي وكذلك التعليم المستمر والتنسيق ما بين جهات التكوين والتدريب والمنظمات والمؤسسات المختلفة للاستجابة لاحتياجات ومتطلبات سوق العمل. ويعد الإعلام حجر الزاوية في تهيئة الأجواء اللازمة والضرورية لحركة التنمية الشاملة في المجتمع حيث أنه يعمل على توعية المواطن من الناحية الامنية. وعلى ضوء ذلك فإننا نستطيع أن نقول انه لابد من تنسيق الجهود وتوظيف الامكانات المتاحة لتحقيق الغايات المستهدفة.
ثانياً: الاستنتاجات:
نستنتج من سياق البحث ان الاعلام الامني يسعى إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية يراعى فيها الشمولية والديمومة، ومخاطبة جميع شرائح المجتمع وتكوين رأي عام واعي أمنيا، وزيادة تفاعل الجمهور مع الجهات الامنية، التواصل مع شرائح المجتمع المختلفة من أجل أمن مستمر ودائم، التعاون مع وسائل الإعلام المختلفة لبث الطمأنينة في المجتمع. والنقطة الاهم وضع الأجهزة الامنية تحت مجهر المتابعة الجماهيرية. ويضع جميع الاطراف في المجتمع امام تنفيذ مسؤولياتها الوطنية والقومية دون الحاجة إلى خنقها في كيفيات الولاء الضيق. ينفذ كل ذلك من خلال حزمة من البرامج المتعلقة بمجال التوعية الأمنية ويجري معالجة موضوعية عميقة للظواهر الأمنية، ويتم ذلك من خلال برامج حوارية مستمرة تتضمن حوارات فكرية يشارك فيها كل المتخصصين والخبراء سواء كانوا حكوميين أو غير حكوميين، لأن القضايا الأمنية تعد قضية مجتمع ويمكن لأجهزة الأمن أن توفر المعلومات التي لديها حول كل ما يتعلق بهذه القضايا الأمنية لأن مثل هذه المعلومات تسهم في توعية المجتمع دور الاتصال في المجتمع ودور السيطرة ودور النمو أو التطور والإعلام في المجتمع الحديث والعولمة والاقتصاد، إضافة إلى انه يعمل على نشر الوعي والثقافة الأمنية بين الجمهور وترسيخ مفاهيمها.
ثالثاً: التوصيات اللازمة لتفعيل مفهوم للاعلام الامني:
نحاول ان نقدم بعض التوصيات والمقترحات حول تفعيل دور الاعلام الامني في المجتمع لما يشكله من اهمية لتحقيق الأهداف المنشودة في التنمية والازدهار بكافة جوانبه، ومن اهمها:
1. وضع إستراتيجية للاعلام الامني وتكوين منظومة اعلامية امنية ذات اسس علمية تدار من قبل ذوي الاختصاص في هذا المجال.
2. تفعيل دور الاعلام الامني كأعلام متخصص في معالجة القضايا الامنية اثناء الازمات والتدريب المستمر للافراد العاملين في المجال الاعلامي الامني حول كيفية التعامل مع الازمات والكوارث.
3. اجراء الدراسات والبحوث المستقبلية حول دور الاجهزة الاعلامية الامنية في متابعة الازمات الامنية وتقييم دورها من فترة لاخرى.
4. العمل على ازالة المعوقات التي تواجه الاجهزة الاعلامية والعاملين فيها عند تغطية احداث الازمات والكوارث، تنمية روح المسؤولية الكاملة بين وسائل الإعلام وأفراد المجتمع والاجهزة الامنية، وتحصين المجتمع من الآفات والأخطار الاجتماعية وترسيخ مفاهيم التعاون المجتمعي والمؤسسي والإعلامي بما يحقق الازدهار والنجاح والاستقرار.
5. تنمية الثقافة الأمنية لدى رجل الأمن والجمهور والاعلاميين وترسيخ مفاهيم المشاركة المجتمعية في الواجبات والمسؤوليات الأمنية.
6. العمل الجاد للحد من مخالفة القانون داخل الدولة لجميع المقيمين والمتواجدين علي أرضها.
7. أهمية التواصل والتعاون بين الاجهزة الامنية وأجهزة الإعلام المختلفة بشأن عقد وتنظيم محاضرات وندوات للجمهور (طلبة – هيئات – مؤسسات خاصة – مراكز تطوعية – جاليات …. الخ) لتثقيفهم أمنياً وتوعيتهم ووقايتهم من الأخطار.
8. دعم الاتصال المباشر بجميع شرائح المجتمع من خلال وسائل الاتصال المقروءة والمسموعة والمرئية والإعلام الالكتروني كالانترنت وخدمة الرسائل النصية .
9. تفعيل دور الإعلام في التوعية الأمنية لأولياء الأمور ومجالس الآباء في المدارس وطلاب المدارس والجامعات.
10. رصد وتحليل ما تطرحه وسائل الإعلام المختلفة، ومحاولة التعرف على الاتجاهات السلبية وسلوكيات أفراد المجتمع وإجراء الاستبيانات تحليلها.
11. الحد من الآثار السلبية للبرامج الإعلامية التي تروج للعنف والعدوان والجريمة، والانحلال الاخلاقي.
12. مد وسائل الإعلام بكافة المعلومات اللازمة حول الظواهر والقضايا الأمنية ومتطلبات التوعية المناسبة بشأنها .
13. تقديم برامج حوارية تعتمد على الحوار الفكري لمناقشة القضايا الأمنية من كافة جوانبها يشارك فيها خبراء اجتماع، وسياسة والاقتصاد وعلم نفس، والقانون ورجال الأمن، ومواطنين عاديين،… وغيرهم وتداول الأفكار والآراء بشكل واضح يسهم في التوعية الأمنية.
14. تفعيل دور الإعلام في ترسيخ مفاهيم الامن المجتمعي وتعزيز شعور المواطن بالمسؤولية، وثقته في الاجهزة الامنية.
15. تنمية ونشر الثقافة القانونية والأمنية الرامية لترسيخ احترام النظام العام بالدولة، وان يعرف المواطن الفرق بين الحكومة والوطن وفي سبيل معارضته للحكومة لا يخل بامن الوطن.
16. تضمين البرامج والمواد الإعلامية المختلفة قيم الحفاظ على الأمن والسلام الاجتماعي والتماسك العائلي والانتماء والحفاظ على الهوية الوطنية.
المصادر:
-1 جاسم خليل ميرزا، الاعلام الامني بين النظرية والتطبيق، القاهرة، 2006.
-2د. ابراهيم إمام، الإعلام والاتصال بالجماهير، القاهرة، 1981.
-3 د. اديب خضور، الاعلام الامني، دمشق، 2002 .
-4 د. حمدي شعبان، الإعلام الأمني وإدارة الأزمات والكوارث، القاهرة، 2005.
-5 د. محمد سعد ابوعامود، الإعلام الأمني المفهوم ..الوظائف.. الاشكاليات، جامعة حلوان، مصر، 2009.
-6 د. محمد سعد ابوعامود، الإعلام والسياسة في عالم جديد، دار الفكر الجامعي، الاسكندرية،2008.
-7 على الباز، الإعلام والإعلام الأمني، الاسكندرية، 2001 .
-8 على بن محمد بن حبيب الماوردي الشافعي، أدب الدنيا والدين، بيروت، 1978. (نسخة الكترونية).
-9 مجلة الفكر السياسي، الأمن القومي العربي والتحدّي العلمي، اتحاد الكتاب العرب بدمشق، السنة الثانية، العدد السابع، صيف 1999، ص: 32- 51.
-10مسعود حميد اسماعيل، الامن القومي الكردي وسبل حمايته جنائيا، السليمانية، 2008.
-11 هانز بيتر مارتن وهار الدوشمان، فخ العولمة.. الاعتداء على الديموقراطية والرفاهية، ت: عدنان عباس علي، الكويت، 1998.
اميره عبدالله جاف








