قرن على استعمار المغرب..الهروب من الذكرى

ajialpress7 أبريل 2012
قرن على استعمار المغرب..الهروب من الذكرى

محمد بوخزار

لم يلتفت المغرب، إلى ذكرى مرور قرن على فرض الحماية الأجنبية عليه، يوم 30 مارس عام 1912، تركها تمر كسائر الأيام. سكتت عنها وسائل الإعلام الرسمية والصحافة الحزبية والمستقلة في مجملها مؤثرة أن لا تنكأ جراح الماضي وإحياء "مشاهد غير مشرفة " لمجتمع محتضر، متخلف متداعي الأركان والبنيان، سرعان ما تهاوى أمام مواجهة قوى استعمارية متفوقة عدة وعتادا، متعطشة لنهب الثروات وبسط هيمنتها على "المعذبين في الأرض".
وإذا كانت المجتمعات المتمدنة، تحول المأويات والذكريات الفضية والذهبية، إلى فرصة لمساءلة تاريخها القومي، باستعادة فصوله وصفحاته المشرقة والمعتمة ومراحل الضعف القوة، لتكون عبرة للأجيال الجديدة، تشيد على أنقاضها حاضرا أكثر أمنا واستقرارا وتطلعا إلى ما هو أفضل، كما تستنتج سائر الأمم العبر والدروس من إخفاقاتها وانتكاساتها ومن أمجادها؛ فإننا لاحظنا العكس في المغرب، ليس في التعامل فقط مع ذكرى توقيع عهد الحماية من قبل السلطان عبد الحفيظ، وإنما كذلك مع الحدث التاريخي الأخطر الذي مهد للحماية، أي مؤتمر الجزيرة الخضراء، أو "الخوزيرات" كما يسميه عامة المغاربة عام 1906 والذي احتفل به الأسبان على بعد أميال منا، بل نقلوه إلى المكان الذي شهد اجتماع تحالف القوى الاستعمارية النافذة في ذلك الوقت.
وفي سياق مماثل، فوت المغرب، الرسمي والحزبي وحتى الأكاديمي، الاحتفال بالذكرى المأوية لرجالات الوطنية الأفذاذ الذين نهضوا، في ظروف محلية عسيرة وأوضاع دولية غير مواتية. رفعوا راية الانتفاض ضد المحتل الأجنبي، بما ملكت أيمانهم، في شمال المغرب وجنوبه، متدرجين في دفاتر مطالبهم، من تطبيق الإصلاح، وهو قناع تستر وراءه المحتل، إلى الاستقلال التام والتحرر من ربقة العبودية والتبعية، وبموازاة ذلك قامت انتفاضات شعبية عفوية ومنظمة رافضة وجود المحتل لأسباب لم يغب الدين عنها كمحرك أساس.
وكما هو معلوم، فإن قائمة الوطنيين المغاربة الذين وفوا قرنا على ميلادهم طويلة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر أسماء مجيدة. علال الفاسي، عبد الخالق الطريس، محمد بلحسن الوزاني، أحمد اليزيدي، ومن الرواد المصلحين الذين جمعوا بين العلم والوطنية، يحفل السجل الوطني بأسماء محمد المختار السوسي، عبد الله كنون، محمد المكي الناصري، ومحمد بلعربي العلوي….
ولا يمكن تبرير، كيف تم نسيان بل تجاهل الاحتفال بمئوية الملك الراحل محمد الخامس التي حلت من قبل، وكانت ستكون بدورها مناسبة لانشغال السياسيين والمؤرخين والباحثين في تطور المجتمع المغربي.
هي لحظات يتم فيها تجديد الوفاء والامتنان لذكرى الذين، كتبوا بتضحياتهم صفحات التاريخ الوطني، ودافعوا عن الهوية الثقافية والحضارية. تستعاد أعمالهم بغية استيعابها وفهمها ووضعها في سياقها الذاتي والعام، لوضع اليد على مكامن الضعف والقوة. إنه بطبيعة الحال شغل المؤرخين الذين لا ينبغي أن يتوقف تنقيبهم وبحثهم، من أجل استجلاء الحقيقة ومعرفة ما جرى بالتفصيل الممكن،بما فيه المتصل بالذين خانوا التاريخ وخرجوا عن إجماع الأمة، فتعاونوا مع الاستعمار وخدموه، مهما كانت دوافعم وتبريراتهم، فمهدوا له الأرض وظلوا في طاعته، مستفيدين من أعطياته وهباته، ثم غيروا جلبابهم لما أزف موعد الحسم.
ومنذ سنوات، فتح في المغرب نقاش وطني وعلني وجريئ، بخصوص ما أضحى يسمى "ماضي انتهاكات حقوق الإنسان" لطي تلك الصفحة وترسيخ ثقافة الأنصاف والمصالحة. وهو نهج سارت عليه شعوب مرت بظروف سياسية مماثلة إلى حد ما. فلماذا لم يمتد البحث إلى ما قبل فترة الاستقلال في المغرب؟
ومن المثير للتساؤل كذلك أن لا يصدر كتاب جامع عن مرور قرن على الحماية في المغرب، من طرف المؤسسات الثقافية والأكاديمية وهيئة المقاومة وجيش التحرير. فوتوا على الأجيال الشابة، فرصة ومتعة إعادة اكتشاف تاريخ الأسلاف، بما لهم وما عليهم. كان بإمكان المؤرخين والمشتغلين بالتاريخ أن يؤثثوا الذاكرة الوطنية ويغنوا المكتبة بخلاصة أبحاثهم ودراساتهم وعرض أطروحاتهم عن التقدم والتخلف وأـسباب وضعف المجتمعات. وباختصار الإجابة عن سؤالين مركزيين "لماذا تم احتلالنا؟"وهل كان الاحتلال ضرورة لا محيد عنها؟
لا يليق بالأمم أن تهرب من مواجهة تاريخها، تولي ظهرها إليه وتزيحه عن انشغالات أجيال متطلعة لمعرفة صورة الإباء والأجداد. عملية التعتيم والإخفاء، غير مبررة علميا وأخلاقيا وسياسيا ولا يستفيد منها سوى ورثة الاستعمار؛ فقد سهل عليه المغاربة المهمة وأعفوه من تقديم اعتذار رمزي عن ما ارتكبه منذ قرن.
ألا يحق لورثة الاستعمار القول بفخر إن حملة أسلافهم الاستعمارية،جلبت التحديث إلى المغرب وشعوب أخرى وحافظت على كيانه من التفتت وأبقت اسمه في خارطة العالم ؟
كم كلفنا ذلك وهل كان في الإمكان تلافيه؟ لا يريد كثيرون الجواب على هذا السؤال. يبدو أن الحماية الاستعمارية للمغرب، تركت آثارا راسخة في الأذهان ليس من السهل محوها. ربما تدرك الأجيال المقبلة بعد 100 عام، معنى اللحظة ومغزاها، فتقيم احتفالية 200 سنة.

مستجدات