نظم الفرع الجهوي بتازة لنادي قضاة المغرب بشراكة مع نقابة هيئة المحامين ندوة علمية حول المستجدات القانونية حضرتها هيئات و مؤسسات وازنة دفعت في اتجاه تحويل الندوة إلى ورشة علمية عملية . و من بين العروض المقدمة في هذا النشاط العلمي موضوع : قراءة أولية في المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية من إعداد الأستاذين أحمد الدنا و النقيب عبد الوهاب مطيش، ارتأت جريدة أجيال بريس تقديمه كاملا لقرائها لتعميم الفائدة على الباحثين و الطلبة ، هذا نصه:
الموضوع: قراءة أولية في المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية الجديد
كما عدلت مع غيرها بالقانون رقم 35 – 11 على ضوء قواعد المهنة .
تقديم : النقيب عبد الوهاب مطيش
ـ سادتي المسؤولين القضائيين: موضوع بحثنا المقتضب سأحاول تقسيمه إلى ثلاثة فروع:
الفرع الأول :
حول المنظور الاولي لتنظيمات البحث التمهيدي وفق تشريعات المسطرة الجنائية المغربية.
بداية لن أفاجئكم بالاقتضاب و إنما سأعمد إلى الإشارة أكثر من الغوص في العمق لحداثة النص من جهة ولاختلاف نظرة الممارسة إليه من جهة أخرى لذلك فعذري ربما تتقبلونه ولكن ذلك لا يمنع من الإشارة إلى أن نص المادة 66 من ق م ج كما هو حاليا كان بسبب موجة المحافظة على حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا وتبناها الدستور الحالي و أيضا فإن تفسير أي نص أو تسليط الأضواء عليه لن يكون فاعلا إلا برؤية خلفية إلى الممارسة السابقة في تدبير حقوق المتهم أو المشتبه فيه لذلك فإن الدفاع على حقوق المشتبه فيه مارسناه نحن والنيابة العامة و الشرطة القضائية في ثلاثة أنظمة قانونية كل نظام في لحظة زمنية معينة لذلك:
1 ) بمقتضى ظهير 10 فبراير 1959 حيثلم يكن المشرع يخرج عن صرامة النظام التفتيشي الذي يعطي للشرطة مطلق الحرية في تقدير معطيات بحثها و الحرص على عدم إخراجها للعلن إلا من خلال ما تتعامل به مع النيابة العامة إلى حد أن الفصل 59 من ق م ج كان يأمر ضابط الشرطة القضائية بأن ( يقوم بحجز الأسلحة والأدوات التي استعملت في ارتكاب الجناية و التي كانت معدة لارتكابها وكذا جميع ما قد يكون ترتب عن هذه الجناية و له أن يقدم الأشياء المحجوزة إلى الأشخاص المظنون مشاركتهم في الجناية قصد الاعتراف بها ) وهو ما قد يثير كثيرا من النقد إلى محاضر الضابطة القضائية من أنها مصنوعة نتيجة الأمر الصادر إليها تشريعيا قصد عرض الحجج على المتهم ليعترف بها وليس ليتعرف عليها ولم يكن في تلك المسطرة أية إشارة إلى ضرورة حضور جهة محايدة لمعاينة معاملة الشرطة القضائية مع المشتبه فيه وقد تفادت المسطرة الجنائية الحالية هذا الغبن في حق المتهم و أمرت ضابط الشرطة القضائية بأن يعرض المحجوزات على المتهم قصد التعرف عليها وله أن يتخذ بشأنه الموقف الذي يناسبه.
2 ) بمقتضى القانون رقم 01 ـ 22 الصادر الصادر بظهير 3 اكتوبر 2002 بشأن قانون المسطرة الجنائية الحالي قبل أن تلحقه التعديلات الذي كانت فيهالمادة 66 تقترب على استحياء من فكرة إمكانية الاطلاع على وضعية المشتبه فيه وهو رهن إشارة الضابطة القضائية وتقديم مساعدة قانونية له في ضعيته الحرجة و أهم ما جاءت به هذهالمادة قبل التعديلات هو إمكانية تلقي المحامي البوح من موكله فيما يختلج في صدره و إمكانية المحامي المرخص له بالاتصال بالشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية أن يقدم أثناء مدة تمديد هذه الحراسة وثائق أو ملاحظات كتابية للشرطة القضائية أو للنيابة العامة قصد إضافتها للمحضر مقابل إشهاد.
غير أنه لما صدم المجتمع المغربي بالحوادث الإرهابية بالدار البيضاء في 16مايو 2003 اضطر المشرع المغربي إلى أن يتدخل على عجل بمقتضى القانون 03 .03 بشأن مكافحة الإرهاب فيمنح في القضايا الجنائية للشرطة القضائية سلطات أوسع من تلك التي كان قد أتاحها بمناسبة الصدور الأول لقانون المسطرة الجنائية الحالي ومن ذلك قانون القيود التي ألحقت بالمادة 66 بشان إمكانية مساعدة المحامين للمعتقل خلال مسطرة البحث التمهيدي.
3 ) بمقتضى التعديل الحالي الصادر بمقتضى القانون رقم 35 – 11 الصادر بظهير أكتوبر 2011 الجريدة الرسمية عدد 5990 وتاريخ 27 أكتوبر 2011 فإن النص التشريعي للمادة 66 بعد التعديل أعلى كثيرا من التعقيدات في علاقة المحامي بالمسطرة المستجدة خلال البحث التمهيدي ووضع مساطر مدققة للحرص على حماية المتهم وأقر حماية ضابط الشرطة القضائية من الادعاءات المزيفة بشأن ما يمكن أن يدعيه المتهم من تغيير إفاداته و التي كثيرا ما سمعناها من المتهمين ونحن نحضر معهم أمام السيد وكيل الملك ولكي تكون الرؤيا أكثر حماية لحقوق المشتبه فيه وحقوق المجتمع خلال مرحلة البحث التمهيدي ابتدع المشرع بعض الحقوق التي استقاها من المواثيق الدولية و التشريعات المقارنة و التي تخص المتهم و ألحقها بممارستنا المهنية كأطراف ثلاث مهتمة بالدعوى العمومية وهي النيابة العامة والضابطة القضائية وهيئة الدفاع هذه الحقوق التي ستكون محط إشارات في الفرع الثاني من هذا البحث دون أن ننسى أن المشرع لم يفرط في حقوق المجتمع أو الضحية من القصاص من المذنب.
الفرع الثاني:
حول مبتكرات الحقوق التي جاءت بها المادة 66 من ق م ج ( موضع هذه القراءة ).
إنه بتمحص نص المادة 66 من ق م ج يتضح أن المشرع استهدف أن يسكن من روع المشتبه فيه ويزيد من طمأنينة الضابطة القضائية من أن حمايتها لحقوق المجتمع لن تنال منها بعض الانتقادات الزائفة ،كل ذلك شريطة فهم النص من الأطراف الممارسة وهي الشرطة والمتهم وهيئة الدفاع بحسن نية. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الحقوق التي طلعت علينا بها المادة 66 لم يكن أحد يفكر فيها عندما كنا نمارس بقانون المسطرة الجنائية المستنسخ والصادر بظهير 10 فبراير 1959 وفي البداية نعمد إلى ما نستخلصه من حقوق جديدة جاء بها التعديل الحالي في إطار تفعيل تنزبلو المادة 23 من الدستور الحالي فنلاحظ الحقوق التالية:
1 ) حق المتهم في أن يطلع على سبب اعتقاله أو دواعي اعتقاله بتعبير المادة وهو ما يمثل شبه حصر للجريمة المسنودة إلى المتهم بحيث ألزم القانون الضابطة القضائية بان تدون في سجل الاعتقال هذا السبب تفاديا لتغييره وهو سجل يتم تحت رقابة النيابة العامة وهذه ضمانة جوهرية أوكل المشرع إلى النيابة العامة مراقبتها ( الفقرة 16 من المادة 66 ) ومزيدا من تهييئ المعتقل للدفاع عن نفسه بعيدا عن مباغتته.
2) حق الصمت في عدم البوح بأي اعتراف و إنكار المتهم لضابط الشرطة القضائية وهذا الحق يمكن للمحامين عند زيارته للمشتبه فيه أن ينصحه بالاستمرار على الإصرار عليه أو أن يعدل عنه إلى الجواب عن أسئلة ضابط الشرطة القضائية مادام انه لم يعد بالإمكان إكراه المتهم على الجواب عن أسئلة ضابط الشرطة القضائية وفي غياب دقة النص أن أرى مرحلة الصمت تنتهي بحضور المحامي فقط كما هو الشأن في التشريعات المقارنة حيث يصرح المقبوض عليه بأنه لن يتكلم إلا بحضور دفاعه.
3) حق اتصال المشتبه فيه بأحد أقربائه وبسبب أنه حق من حقوق المشتبه فيه فإن اختيار إسم القريب ودرجة قرابته يبقى من اختيار هذا الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية ولا يمكن أن يستعاض له بشخص غير من اختاره هو شخصيا وينبغي للمحامي أن يستفسر موكله عند زيارته عن مدى احترام ضابط الشرطة القضائية لهذا الحق.
مع التنبيه إلى أن النص لم يحدد وسيلة الاتصال و لا كيفية الاتصال و لا زمان الاتصال ولا مكانه مما يجعل المراد من هذا الاتصال هو اخبار المشتبه فيه لقريبه هاتفيا قصد الاستعانة به لمده بما قد ينفعه في قضيته من وثائق أو إفادات ولذلك لا يمكن قياس هذا لاتصال بالاتصال بالمحامي المنصوص عليه في الفقرة 10 من المادة 66.
4 ) حق الاتصال بالمحامي من طرف الشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية ويبدو أن المشرع لم يربط هذا الحق بأية رتبة من رتب الجنايات أو الجنح و إنما جاء النص في البداية عاما ليشمل كافة الأوضاع القانونية التي يمكن أن يترتب عنها الوضع تحت الحراسة النظرية بدليل أن المشرع أتاح هذا الحق قبل انصرام نصف المدة القانونية من الحراسة النظرية مما يعني أن الاتصال بالمحامي أصبح مستساغا قانونا حتى في الجنح الضبطية والمخالفات .
أما بخصوص الجرائم المنصوص عليها في المادة 108 من ق م ج فالاتصال يتم قبل انصرام مدة الحراسة النظرية الأصلية أي بأقل من 30 دقيقة .
5) حق تلقي المساعدة القانونية والنصح في التصرف و الإفضاء بالتصريحات أمام الضابطة القضائية بل إمكانية الإدلاء بالوثائق بواسطة المحامي لدى الضابطة القضائية أو لدى النيابة العامة. وهذا الحق سيكفينا من المعاناة التي كان يتلقاها زبناؤنا من المعتقلين الذي كانوا يتوفرون على وثائق مثلا جمركة أسلعتهم ويفرض القانون الإدلاء بها داخل 48 ساعة وترفض الضابطة القضائية بما فيها ضابطة الجمارك تلقي تلك الوثائق وتكون هي الحجة الوحيدة لإخراج المعتقل من الورطة لذلك فالمساعدة القانونية لا تقف عند هذا النصح و إنما أيضا حول تشجيع العلاقة الحميمة لزرع الثقة بين المحامي والمعتقل .
إن :حق ضمان سرية اتصال المشتبه فيه بمحاميه (6 لقاء المحامي بالمشتبه فيه تكون مضمونة بالسرية التي يحميها ضابط الشرطة القضائية وفي إطار مراقبته لهما إما في معزل بالمخفر و إما تحت الرقابة النظرية لضابط الشرطة القضائية بكيفية تبقى معها السرية محفوظة ولطالما أعتبر بعض المحامين مراقبة ضابط الشرطة القضائية مسا بحق السرية المذكور لكن سرعان ما اكتشف انها حماية حتى للمحامي نفسه مادام أن ظروف المراقبة لا تبيح لضابط الشرطة الاطلاع على مضمون التخابر المشتبه فيه مع دفاعه .
تلكم كانت مرتكزات الحقوق التي كفلتها المادة 66 من ق م ج ولكن ما يلامس حق المشتبه فيه و الدفاع معية أو ما يعرف بالاستعانة بالمحامين خلال البحث التمهيدي يستلزم بعض التوقف عنده في الفرع التالي:
الفرع الثالث :
حق ومسطرة الاستعانة بالمحامي :
رغم تمتيع المادة 66 المشتبه فيه بحقه في تعيين محاميه اختيارا أو طلب تعيين له محام في إطار المساعدة القضائية فإن هذا الحق وضعت له قيود تجلت في مدة الاتصال و هي ثلاثين دقيقة في كل الاحوال.
ـ والمكان طبعا هو مكان إقامة المشتبه فيه بمخفر الشرطة أو مركز الدرك الملكي و في غياب بيان مواصفاته و سعته لا بد من اعتماد القائمين على بنايات وتجهيزات المقرات المذكورة احترام المعايير الضامنة لإنسانية المعتقل وسلامته استنباطا من الفقرة 16 من المادة 66.
و لما حبا المشرع المشتبه فيه بالضمانات الحقوق أعلاه ألزم المحامي بكتمان ما راج بينه وبين موكله مطلقا إلى غاية انتهاء مدة الحراسة النظرية مثلما يلزمه السر المهني بعدم الإفصاح بأي شيء ضد موكله و إن كان دليلا ضد براءته لكن التبليغ عن ظروف اعتقاله غير اللائقة فلا يعتبر إفشاء للسر.
ـ والمادة 66 لم تحدد أيضا كيفية الاتصال بالمحامي لكن الواقع العملي يستلزم اعتماد الهاتف فقط لسرعته في الاتصال أما إخبار النقيب فذلك من باب الإشعار ليس إلا لكن ما يثير الجدل فعلا هو الثورة التي أحدثتها المادة 66 على نظام المساعدة القضائية وفق مقتضيات ظهير 6 فبراير 1963 بإعطاء سلطة تمتع المشتبه فيه بالمساعدة القضائية لضابط الشرطة القضائية بمجرد طلبه محاميا في إطار المساعدة القضائية دون تحري أو بحث أو استشارة النيابة العامة مما يقتضي تدخل المشرع مجددا لوضع ضابط لهذه المساعدة.
و بعد إشعار النقيب بضرورة انتداب محام تعترضه معضلة الاختيار لكون قواعد المهنة تفرض عليه حماية مصالح المحامين أولا و التساوي بينهم و مراعاة مقاربة النوع و توفير الوسائل اللوجيستيكية و الأمنية لهم و في ذلك ما يفوق إمكاناته و اختصاصاته مما يستوجب على الدولة توفيرها قانونا وواقعا.
هذه الحقوق التي استعرضنا 6 منها لا بد و أن التفسيرات و الدفوع التي سيثيرها المحامون و النيابة العامة وما سيتولد من وقائع لدى الضابطة القضائية ستتنمى بقدما ما سيبقى المجتمع المغربي سائرا في طريق الديمقراطية و الشفافية و التي لن نتمنى لها إلا الازدهار و الشد بالنواجد عليها.
وفي الختام ـ و اعتبارا لكون الحقوق الواردة في المادة 66 من ق م ج لا زالت في مرحلة صباها ـ فإنه لكي تنضج لا بد من ضرورة تدخل المشرع مرة اخرى للمزيد من الضبط و لو باستلهام التجارب و التشريعات المقارنة وعلى الخصوص للجواب على عدة أسئلة مثل :
ـ ما العمل عند تعدد المحامين المعينين من قبل مشتبه فيه واحد؟
ـ ما العمل عند تعرض المحامين لمانع للقيام بالاتصال به ؟
ـ ما العمل عندما يتعلق الأمر بمركز الدرك الملكي الذي يبعد بمسافة كبيرة عن مقر المحامي و الحاجة إليه كانت ليلا؟
ـ ما العمل إذا ثبت لاحقا أن المشتبه فيه المستفيد من هذه المساعدة القضائية أنه ثري وميسور الحال؟
ـ ما العمل إذا كان تعيين محامي بإيعاز من الضابطة القضائية سيما إذا كان المقبوض عليه لا يعرف محاميا بالإسم؟
ـ ما العمل إذا كان يرغب في تعيين محام خارج الدائرة القضائية لمكان اعتقاله هل يشعر نقيب هذا المكان أم مكان تواجد المحامي؟
ـ ما مدى المساعدة القضائية التي تناط بالمحامي هل تقتصر على مرحلة البحث التمهيدي أم تمتد إلى التقديم أمام النيابة العامة و المحاكمة بكل مراحلها بما فيها إجراءات الطعن بالاستئناف مثلا ؟
وغيرها من التساؤلات التي سينتجها تفعيل المادة 66 من قانون المسطرة الجنائية .
أرجو من الحضور الكريم أن يساهم في استخراج بعضا من الأجوبة على التساؤلات أعلاه لتطعيم ما قد تخرج به هذه الندوة من توصيات للمساهمة فعلا في إقرار دولة الحق و القانون وكذا دولة الحق بالقانون.
ولا أشك في إيجابية الفعاليات الحاضرة ذات الاهتمامات و الانشغالات القانونية و القضائية و الإعلامية في التعاطي البناء مع المطالب الحقوقية و إيجاد الحلول التشريعية لها مسطرة وموضوعا.
وبالله التوفيق و السلام وعليكم
تازة في : 21/02/2012
إنجاز الأستاذين: أحمد الدنا /و النقيب عبد الوهاب مطيش






