الراقصة و الطبال

ajialpress11 يناير 2012
الراقصة و الطبال

حسن الهيثمي

"هذا المقال من خيال الكاتب وأي تشابه بين الأشخاص أو الأحداث الواردة به وبين الواقع، فهو غير مقصود"

قالوا لراقصة مصرية: "الإخوان المسلمين ها يْمْسِكوا الحكم في مصر".

قالت: "ومالو نمثّل معاهُم".

قالو لها: "إزايْ؟"

قالت: "أكيد هَيِعْمِلُو مسلسلات دينية، وعاوْزِينْ كفـار".

هذه واحدة من النكت المصرية، التي تعبر عن واقع بعض الكائنات (البشرية طبعا)، والتي بدأت تفتش عن أرض مناسبة لإيجاد موطئ قدم لها في مساحة الملعب الجديد، شعار هذه الكائنات كلما تغيرت الظروف المثل الشعبي "الراس اللّي ما يْدورْ كْدْيَة".

هذا المثل تُلخصه هذه النكتة، التي توصل بها بريدي الإلكتروني، والتي استطاعت أن ترسم ابتسامة على وجه كل من سمعها من الزملاء والزميلات، وأن تخترق صمت الصباحات الباردة لشهر يناير، وما إن سمعتها حتى مر بذهني شريط سريع من الأحداث، وبما أنني لم أكن تلميذا مُجتهدا في الرياضيات أستعين بأصابع يداي اللتان سيأكلهما التراب والدود، لإحصاء الذين بدؤوا يفكون ارتباطاتهم ببعض القلاع المُشيدة من الرمال، والتي دمرتها نسائم الربيع العربي، وبدأت تتهاوى الواحدة تلو الأخرى، أو كما يُسميها الصديق سعيد، بدأت "تتسرسب بحال تريكو ديال الخيط".

بعض أنبياء السياسة المزيفين وجدوا أنفسهم بعد انتخابات 25 نونبر من العام الماضي بلا عمل، وأيضا بدون أتباع، فشرعوا في البحث عن دور يتقمصونه في مسلسل تاريخي دشنته بلادنا بعد حراك شعبي (أو عراك بتعبير أدق) في 20 فبراير.

هؤلاء القوم لم يعد لديهم الوجه "عْلاشْ يحشْمُو"، ورغم أنهم يشتركون مع الراقصة المصرية السالفة الذكر في مهنة "الرقص" رغم أنهم يرقصون على السلاسل، فإن كثيرا منهم "تيشطح" دون أن يكشف عن "كمارته"، عكس الراقصة التي تؤدي عملها مع تصريح كامل بجميع ممتلكاتها، بما فيها الوجه.. وهكذا، فإن أقصى ما يمكن أن يلعبه الواحد من هؤلاء، الذين "يَقلبون الفيستة"، هو دور "الطبال" في الفيلم المصري الذي جمع بين الراحل أحمد زكي، ونبيلة عبيد بعنوان "الراقصة والطبال"، عن قصة الكاتب إحسان عبد القدوس.

ومهما حاول هؤلاء المنتقلون، كالكثبان الرملية، تبرير تغيير البندقية من كتف إلى كتف آخر، فإن صمود الراقصة يظل موشوما في ذاكرة التاريخ التي لا تمحى، فرغم إعلان الراقصة (وليس الذاكرة) الاشتغال مع خصومها، ظلت وفية لـ"مبادئها"، فاختارت الخانة (بالخاء وليس بالحاء) التي تراها مناسبة لما تقوم به.

عندما وضعت نكتة الراقصة على صفحتي الشخصية بــ"الفايس بوك"، حاولت بعض التعليقات تفسيرات النيل من الراقصة و"مهنتها"، في الوقت الذي كان الهدف من روايتي لتلك النكتة تحليل المنهج الذي تسلكه تلك الكائنات الحربائية التي تُحاول "التموقع" ولو أدى ذلك إلى انسلاخها عن قناعاتها، وتبدأ في تقمص أدوار جديدة لا تتقنها.

وهنا يظهر ذكاء الراقصة التي تعرف مسبقا بأن لجنة "الكاستينغ" لن تضعها في دور "رابعة العدوية"، فبادرت إلى اقتراح نفسها لتقمص دور يرسمه لها خصومها أو المجتمع (الجمهور).

الانتقال إلى الضفة الأخرى مع اختيار الدور المناسب هي فلسفة النكتة التي أقصد، وليس الاقتصار على سطحيتها المتمثلة في "الرقص" ودور "الكفار"، وفي هذا السياق، تحضرني حكاية أثيرة لدى الصديق الدكتور محمد الطويل، يرويها الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، جاء فيها بأنه مرة كان يجلس أمام التليفزيون مع شخص، من الذين أقاموا في الغرب ما يزيد عن عشرين عاما، وعندما بدأ برنامج للمصارعة الحرة، سأله سؤالا افتراضيا عما إذا رأى الرسول صلى الله عليه وسلم مثل هذه المصارعة فكيف سيكون موقفه؟ فإذا به يقول إنه كان بالتأكيد لن يوافق عليها، وحينما طلب منه تفسيرا، قال: إن المصارعين لا يرتدون لباسا شرعيا! فيعلق على ذلك الدكتور المسيري قائلا "إنه لم يدرك المشكلة الكبرى، لقد أدرك الاختراق الأخلاقي السطحي فقط. أما الاختراق العميق المتعلق بفلسفة هذه المصارعة غير الإنسانية فلم يدركه".. ويمضي المسيري في تقديم مثالا ثانيا يتعلق بشهر رمضان المفترض أنه شهر التعبد والتعفف وتذكر المساكين، ولكن الذي يحدث، كما تقول الإحصائيات، أن كمية الطعام الذي نستهلكه تزيد مرة ونصف في شهر رمضان عن الشهور العادية، لقد ضاع معنى الصيام ونسينا الزهد ونسينا معه الفقراء.

لا تخطئ فطنتكم الدور الذي تريد أن تلعبه الراقصة، والدور الذي يسعى الطبال إلى تقمصه، فـ"خونا فالله" يعتبر الطبل هو الأساس في عملية هز "الوسط"، وأن أي محاولة للتمييز بين الدورين كمحاولة بهلوان "الرقص" على شفرة حلاقة.

ربما تجيبنا أحداث فيلم "الراقصة والطبال"، التي تحكي عن راقصة مغمورة من راقصات الدرجة العاشرة تتعرف على "طبال" يعتقد بأن الإيقاع أهم من الراقصة نفسها، وبأنه مهما كانت الراقصة تتمتع بالجاذبية، فإن الطبل هو المحرك الرئيسي لها، ومن غيره لا قيمة لها ولا لرقصها.. تمضي أحداث الفيلم إلى أن تصل إلى عقد شراكة بينهما (بين الرقص والطبل طبعا)، يبدأ نجم الراقصة بالصعود لتصبح مشهورة في مجال الرقص، بينما يبدأ نجم الطبال بالأفول، ويظل مجرد طبال بفرقة موسيقية بها الكثير من العازفين والطبالين.

ورغم محاولات الطبال الثورة على هذا الوضع المزري، مذكرا الراقصة بأنه هو السبب في نجوميتها، وبأنها من غير (طبلته) لا تساوي شيئا، فإن كل ما تفعله الراقصة أنها تتركه يجتر أحزانه، فهناك الكثير من الطبالين يمكن "الإيقاع" بهم من أجل ضبط "الإيقاع"، وحتى إذا لم تجد فهي مستعدة للقيام بدور "الكفار" في فيلم ديني.

مستجدات