يعتبر ديكارت( 1696ـ 1650) أول من طور المنهج العلمي الجديد من ماضيه الأفلاطوني المحدث . و أقام التصور الجديد للكون بوصفه محكوما بواسطة القوانين الطبيعية ، الميكانيكية ، و قد تجرد تماما من الرمزية الأسطورية و الدينية التي حملت الناس فيما مضى إلى البحث عن الكمال الإلهي و القصد الإلهي دون الوصف المتزن و القانون الرياضي .
كان ديكارت شديد السخط على الفلسفة المدرسية التي تلقى دروسه على هداها ، و كان بالمقابل ينظر نظرة الإعجاب الشديد إلى الرياضيات التي تبدأ من بديهيات لا يمكن التشكيك فيها ثم تنتقل بواسطة البراهين الدقيقة التي لا يمكن تفنيدها إلى نتائج مؤكدة و مقبولة من الجميع .كان السؤال إذن كالآتي : هل يمكن نقل ذلك المزيج الذي نجح نجاحا باهرا في العلوم الرياضية إلى مجال الميتافيزيقا ؟ هذا التوجه هو الذي حمل ديكارت إلى اتخاذ خطوة ثورية في فلسفته ، ألا وهي التفرقة بين الأفكار الواضحة المتميزة التي وحدها لا تقبل التشكك و بين الأفكار التي ليست كذلك . وهذا هو منهج الشك الحازم .
و لم يكن هذا الشك ، بطبيعة الحال شكا لمجرد الشك ، بل كان بمثابة أضمن طريق للتوصل لليقين . إن ديكارت يشك في صلاحية الإحساسات و المخيلة ، و بالطبع هناك جزء كبير مما تتكون منه المعرفة يمكن البرهنة بسهولة على أنه قابل للشك ، و هذا يكفي لئلا يكون مؤكدا بشكل مطلق أولئك يكون غير قابل للشك .
إنني حتى لو تشككت في وجود كل ما يوجد ، فإن هناك شيئا هو الذي يقوم بعملية الشك ، و معنى ذلك أن هناك شيء يفكر و من ثم هناك مفكر ، أو ذلك الذي يفكر ، كما لأنه يجب أن يكون كذلك : "أنا أفكر إذن أنا موجود "
و كانت أهم نتيجة لذلك أن هناك فكرتين واضحتين و متميزتين تماما تبرزان و كأنهما تكشفان الطبيعة النهائية للواقع :
1 : هناك فكر . و خاصيته المميزة الوحيدة هي أنه يفكر و هو لا يحتل مكانا .
2: هناك مادة ، إنها لا تفكر . إنها تحتل مكانا ، أو تمتد في مكان و يمكن قياسها .
هكذا نقف أمام واقعين مطلقين تماما ، العقل و المادة ، هما متنابذان تماما متمايزان تماما ، كما أنهما لا يستطيعان التأثير الواحد على الآخر . و بالعكس فالعقل ما دام لا يملك كثافة ولا يوجد في المكان ، لا يستطيع أن يدفع المادة ، و المادة لا تتحرك إلا في المكان ، و العقل لا وجود له في المكان ، و من هنا لا يستطيع العقل أن يؤثر عليها في أية صورة من الصور . نحن إذن في نهاية الأمر أمام ثنائية تتكون من العقل و المادة .
و لعل جزءا من النجاح الذي أحرزته فلسفة الطبيعة عند ديكارت يرجع إلى أنه جعل بفضل هذا الطبيعة كشيء مادي قابل للقياس غير الطبيعة كشيء مدرك في مجال الفكر كله . من الممكن أن يكون المرء ماديا و علميا تماما بالنسبة للعالم الفيزيائي ، إذ أنه في مقدورنا أن نعالج العالم الفيزيائي كوحدة ميكانيكية ذات اكتفاء ذاتي .
إلا أن ديكارت يفعل ذلك دون ارتباطه بالمادة كفلسفة إذ أنه يؤكد أن هناك عالما روحيا يوجد وجودا حقيقيا متساميا مع العالم الفيزيائي (المادي ) عالما نجد فيه العقول كحقائق لا يتسرب الشك إلى وجودها ، "جوهر مفكر" له خاصية واحدة ، ألا وهي خاصية التفكير ، و في هذا المجال مجال العقل ، و ليس في أي مكان آخر ، يوجد كل ما أخرجناه من العالم الفيزيائي . و بديهية أن قبول ديكارت لهذه الحقيقة هو الذي يجعل من الممكن له أن يكون ماديا و دينيا دونما إشكال .
لكنه ظل يواجه عدة مشكلات ، لم يستطع أن يحلها ، كما أنها لم تحل حتى اليوم . المشكلة الأولى هي : ماهي العلاقة بين هذين العالمين ، عالم العقل و عالم المادة ؟ ماهي العلاقة بين عقلي و جسدي ؟ هناك عدد من الإجابات الساذجة عن هذا السؤال .و لكن ليس هناك إجابة واحدة مقنعة .و الحق أنه ليس ثمة إجابة و إن ثنائية ديكارت لا يمكن قبولها و إن مثلت مرحلة مفيدة في الفلسفة .إن حقيقتها لها قيمة من حيث النتائج العلمية ليس إلا .لقد حققت غرضا من الناحية التاريخية ، بإعطائها حرية كاملة للعلم الفيزيائي في عالم كان ما يزال يصر على الإيمان بالأرواح و النفوس و القوى الغيبية .
ثم تظهر في المقام الثاني مشكلة أكثر صعوبة .فهذه الأفكار الواضحة كلها بما في ذلك فكرة المادة و خواصها الرياضية ، هي أفكار في عقلي إنها تبدو يقينية لا يمكن أن يتطرق إليها الشك .و لكن ، كيف أتأكد من أن ذلك الذي يبدو على صورته موجود حقيقة ….و الحق أن ديكارت إذ يؤكد أن كل ما نعرفه ليس إلا أفكارا إنما يجعل من المحال تماما اكتشاف ما إذا كانت هذه الأفكار توازي عالما خارجيا حقيقيا .
و قليل من يعرف أن ديكارت خصص في القسم الخامس من المقال عن المنهج صفحات هامة و مركزة لعرض نظريته في حركة القلب و الشرايين و الأوردة ، تنم عن اطلاعه الجيد بآخر ما أنجزه علماء التشريح في ذلك العصر ، من أبحاث حول الدورة الدموية .و هي في صفحات مطلعها كما يلي ( لكي يستطيع المرء أن يتبنى كيف يحدث في هذا الموضوع ، فإنني أريد أن أورد هنا تفسير حركة القلب و الشرايين ، التي لما كانت الأولى و الأكثر عموما بين ما يشاهد المرء في الحيوان .فإنه بذلك يحكم بسهولة لما ينبغي أن يراه في الحركات الأخرى ، و لكي تقل الصعوبة في فهم ما سأقوله في هذا الموضوع ، فإني أريد من الذين لم يتعمقوا في علم التشريح ، أن يجتهدوا قبل قراءة ذلك ، في أن يشرح أمامهم قلب حيوان كبير له رئتان ، لأنه يشبه من كل الوجود قلب الإنسان مشابهة كافية .)
و لا يمكن اعتبار ذلك مجرد فضول عقلي أو تطاول معرفي فتفسير حركة القلب و الشرايين يعتبر جزءا لا يتجزأ من فلسفة ديكارت .
إجمالا فإن ديكارت هو الذي طبع المثل الأعلى الرياضي للعلم ، و هدفه الطبيعي و العقلي في مجال الفكر بأسره .و عنده أن القوانين الفيزيائية العادية التي تسري على سطح الأرض تصلح للتطبيق في العالم المادي بأسره .بل إنه هو الذي أعرب عن النظرة العلمية في عبارات دقيقة " إن العالم عبارة عن نظام متناسق واحد حيث لا نحتاج إلى علة لتفسير الأحداث غير القوة الميكانيكية .






