يوسف العزوزي.
يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على انشغال ظل يرافق مهنة تدخل التربية النفسية” La psychoéducation “لفائذة الأشخاص الذي يعانون من صعوبة التكيف النفسي-اجتماعي أو من هم على أبواب هذه المعاناة منذ إحذاث هذه المهنة. و لازال هذا التحدي يحافظ على راهنيته في عدة دول من العالم، خصوصا تلك السائرة في طريق النمو.
في سنة 1940 كانت المؤسسات العمومية كالخيريات و المدارس التأهيلية و الملاجئ التي تستقبل المهمشين موجودة بالكيبيك بسبب الأطفال المتخلى عنهم و المنحرفين و المضطربين. و لم يكن لذى المشرفين على هذه المؤسسات أية كفاءة خاصة، باستثناء الإرادة و الالتزام.وقتئذ لم يكن ضروريا تكوين المتطوعين للقيام بهذه المهام، و لايزال هذا الاعتقاد موجودا في عدة دول.
في هذا السياق توهج بمونترييال فتيل تطور مشروع يستجيب للحاجة الملحة إلى تكوين و تطوير كفايات المربين.
احتضنت Boscoville هذا المشروع الذي حمله الطالب الشاب Gilles gendreau كأول مربي علماني معتبرا أن الإرادة و التطوع لا يكفيان، و فكر في برنامج لتكوين مربين في مستوى مساعدة الشباب المنحرف.. فكيف كان تطور برنامج التربية النفسية من بداية هذه المهنة إلى أيامنا هاته؟
1 كيف نكون مربيا قادرا على التدخل لفائذة المراهقين المنحرفين؟
كان Gilles gendreau يحب سرد حكاية بدايته المهنية عندما توجه عند مدير معهد علم النفس بجامعة مونتريال ليطلب منه دروسا تمكنه من التكوين موضحا:” لا أريد أن أكون أخصائيا نفسيا بل أرغب أن أصبح مربيا”.
لم يكن في تلك الحقبة أي دروس أو برامج لتكوين المربي فأبدع Gilles gendreau منهجية خاصة معتمدا على دعم مالي خصصته إدارة مشروع Boscoville. حلق الرجل إلى أوروبا للدراسة على يد خبراء نمو الطفل، من بينهم فريق عالم النفس jean Piaget. و عند عودته من أوروبا استلهم مما تعلمه من Piaget ومن اطلاعه على مصادر علمية أخرى (Montessori, Aebli1951) فأرسى برنامجا للأنشطة و التعلمات يناسب حاجيات شباب Boscoville الذين واجهوا صعوبة في التكيف مع المدرسة النظامية ليجدوا أنفسهم خارج أسوارها.
و بفضل هذا البرنامج المستلهم من أحدث المعارف النظرية و العلمية نجح هؤلاء الشباب في العودة إلى مسارهم الدراسي فتدرجوا فيه وفق إيقاعاتهم الخاصة و قد أطلق Gendreau على هذا النشاط اسم ” الخدمة” عوض اسم “المدرسة “الذي كان يثير نفور هؤلاء الشباب بسبب حمولته السلبية جراء التجارب المعاشة في مسارهم الدراسي.
وشكل هذا النموذج البيداغوجي مقدمة لما سيصبح لاحقا التصور الموجِه لأنشطة التربية النفسية.
و بالتزامن مع تجربة Boscoville تطور مشروع مهم ب”مركز التوجيه” الذي كان يهتم بالأطفال الذين يعانون من مشاكل عاطفية، و يستقبل طلبة متدربين من جامعة مونتريال.
بدوره أرسى هذا المركز برنامجا مجددا مستلهما من تقدم التحليل النفسي، فشكل نواة ساعدت المؤسسة على إحداث برنامج لتكوين المربين.
2المعالم الأولى للتكوين الخاص بالمربين المتدخلين لفائدة الشباب في وضعية صعوبة.
اتفقت jeannine Guidon عن داخلية مركز التكوين و Gilles gendreau عن مؤسسة Boscoville لإطلاق الخطوات الأولى لتكوين المربين الذي انطلق متواضعا من خلال لقاءات أسبوعية يوم الأحد في مجموعات صغيرة من المربين و المربيات Leduc 2003 لمناقشة المشاكل التي تواجههم في تدخلاتهم للاستفادة من تجارب بعضهم البعض.
كما عمد هؤلاء المتدخلون لاحقا إلى قراءة كتبRell et wineman1951 التي تستعرض تجربة مركز يستقبل الأطفال المضطربين بالولايات المتحدة الأمريكية و الاستفادة من أسلوبه التجديدي في مساعدة هؤلاء الأطفال على التكيف.
يمكن أن نستنتج من هذه البداية المتواضعة أمرين مهمين يركز أولهما على تنمية المعارف التجريبية انطلاقا من التأملات الفردية و الجماعية المبنية على تحليل الملاحظة و التفاعل المعاش، و ثانيهما على أهمية استثمار المعارف العلمية و المستجدات، مع الإشارة إلى أهمية البعد التجريبي الذي أطلق عليه لاحقا اسم “المعاش المتقاسم” الذي شكل موضوعا للتأمل على ضوء المستجدات النظرية.
و شكلت هذه لتجربة منطلقا للتكوين المتخصص للمربين و المربيات لكنها بقيت دون مستوى الاستجابة للحاجة الملحة لتكوين مربين ذوي كفاءة تسمح لهم بالتدخل لفائدة أطفال و مراهقين في وضعيات صعبة.
3برنامج تكوين جديد يولي أهمية كبرى للمعارف النظرية.
استجابة لهذه الإشغالات تم اعتماد أول برنامج جامعي “الإجازة في التربية النفسية للطفل الغير المتكيف” سنة 1963 بجامعة مونتريال، و شمل هذا البرنامج عددا مهما من الدروس النظرية تقاطعَ بعضها مع برنامج علم النفس؛ تاريخ علم النفس و علم النفس المرضي و علم النفس الفيزيولوجي و الإحصاء، كما تقاطعت دروس أخرى مع شهادة “المربي المتخصص”كدروس النمو المعرفي و العاطفي و دروس حول التكيف و اضطرابات السلوك ، بالإضافة إلى دروس المبادئ التقنية للتدخل.
و استكمالا للجانب النظري يستفيد الطلبة من التدريب للتدخل بغلاف بين 20 و 35ساعة (حسب سنة التكوين) كما يستفيد كل منهم من لقاءات فردية للمراقبة الأسبوعية الذي يشرف عليه مربي ذي تجربة، بهدف تطوير المهارات الشخصية مع التمكين من أكبر عدد من المعارف النظرية.
لم يعد إذن التكوين مقتصرا على داخليات المؤسسات التي تأوي الأطفال و المراهقين في وضعية صعوبة التكيف كمركز Boscoville أو Val du lac ب شيربروك بل امتد إلى الأوساط المدرسية و أوساط الطب النفسي للأطفال في المستشفيات و غيرها.
هكذا خلق هذا التنويع آفاقا جديدة للتوظيف و إثبات كفاءة المربين من خلال إبراز قدراتهم في مختلف ميادين التدريب وتنوعها.
و أدت هذه الدينامية إلى إصدار أول مجلة للتربية المتخصصة، تحولت لاحقا إلى المجلة الكندية للتربية النفسية، الإصدار الذي لازال ينشط في الوقت الراهن تحت اسم” مجلة التربية النفسية”.
4كيف نكون مربين في عدة مجالات استجابة لمختلف الحاجات؟
أدى تطور برامج التكوين إلى التساؤل حول كيفية تمييز”المربين الأكفاء” الذين استفادوا من مختلف هذه البرامج؛ لمعرفة الفرق بين مربي حصل على دبلوم البرنامج التقني في التربية المتخصصة و آخر حصل على دبلوم باكالوريا في التربية النفسية و بين ثالث حصل على دبلوم الكفاءة.
في هذا السياق عرفت سنوات 1970-1980 تغييرا على مستوى التكوين المهني و التربية النفسية الذي عرف تكثيف و تنويع البرامج بالإضافة إلى توسيع مجال الممارسة و خلق شبكة و برنامج جديد للتربية النفسية بجامعة الكيبيك في ملحقاتها ب trois rivière و Hull و outauiais و بعد ذلك ب Abitibi temiscaminague.
كل هذه البرامج تطورت بشكل خاص و مكيف مع المنطقة التي توجد بها هذه الملحقات الجامعية لكنها اعتمدت كلها على دروس نظرية بمعية ورشات للتدريب الخاضع للإشراف و تنويع الدروس التطبيقية حسب كل برنامج، ليس فقط في ملحقات جامعة الكيبيك بل و في جامعة شيربروك و مونتريال.
اشتغل laurendeau و Renou و Lavigueur على تعريف التدخل في البعد المجتمعي للتربية النفسية و في جامعة UQTR حاول الباحثون المصالحة بين أسس التربية النفسية الأصلية و المعارف العلمية Potin 2016 و حاولوا تطوير التعاون بين البحث و التدخل pronovost1991.
بالإضافة إلى دورهم في مراكز استقبال الشباب و المدارس و بعض المستشفيات و مراكز القصور الذهني و مراكز المسنين بدأ أخصائيو التربية النفسية الإندماج في فرق التدخل في عدة منظمات عمومية و جماعية من بينها المراكز المحلية للخدمات الجماعية فيما ذهب آخرون نحو الممارسة الخاصة في العلاج النفسي في مجال الوساطة و الاستشارة.
ساهم هذا الزخم من المستجدات في تصدع نظرية Guidon على مستوى برامج التكوين في حين حافظ نموذج تدخل التربية النفسية المعتمد على نظرية Gendreau على مكانته و أهميته لأن مهماته كانت قابلة للقياس مما أدى إلى الاستمرار في الاعتقاد في نجاعتها.
و أكدت دراسات بأن تدخلات هذا النموذج في التربية النفسية لفائذة الشباب المنحرف أثمرت مستوى من النجاعة هو الأقوى في تاريخ هذا التخصص le Blanc 2003.
عرفت سنوات 1980-1990 تنويع النظريات المرجعية المؤسسة لتدخل أخصائي التربية النفسية، ليس فقط بالاعتماد على النظريات السلوكية المعرفية بل أيضا النظريات النمائية و النسقية و الإيكو-نسقية و غيرها.
و أكد Gendreau 1995 تصوره للتدخل التربوي-نفسي الذي يفترض التعاون بين المربي الشريك (الأب أو الأم) و المربي النفسي المهني.
ارتفع منسوب البحث من أجل تجويد تدخل التربية النفسية في المدرسة من أجل التصدى لعدة ظواهر متعلقة بصعوبة التكيف؛ (الهدر المدرسي، المشاكل السلوكية، الإدمان، الاعتمادية….) أو الوضعيات المرتبطة بالقصور الذهني للتلاميذ (اضطرابات التعلم)
5تكوين أخصائيي التربية النفسي، رهان برنامج تكوين ما بعد سنة 2000.
عرفت سنوات ما بعد 2000 تحولا مهما على مستوى التكوين و الممارسة المهنية في التربية النفسية جراء التقدم الكبير المطبوع بتعقيد هذه الممارسة نظرا لاختلاف و تعدد مجالات أوساط تدخل التربية النفسية، و بتنا نجد أخصائييها في مختلف المؤسسات و الخدمات يتحملون مسؤوليات متنوعة، يلعبون دورا مباشرا في التدخل كمستشارين أو مسيرين أو مكونين أو باحثين ( مقتطف من قانون أخصائيي التربية النفسية بالكيبيك).
و قد شكلت سنة 2000 تاريخا للاعتراف الرسمي بهذه المهنة و أهميتها من خلال إلحاقها بنظام الهيئات المهنية بالكيبيك، كما تم إدماجها سنة 2002 بهيئة مستشاري التوجيه و أخصائيي التربية النفسية ،ثم لاحقا بهيئة أخصائيي التربية النفسية بالكيبيك(OPPQ) .
فرض الواقع الجديد الارتقاء بالمعايير الأساس التي تسمح بالحصول على دبلوم الكفاءة المهنية و تقوية أواصر العلاقات بين الممارسة المهنية و البحث العلمي، في إطار مبنى و منظم بمبدأ تعدد التخصصات.
و أدت هذه الدينامية إلى انفتاح التربية النفسية على المستوى العالمي بفضل مجهودات “أخصائيي التربية النفسية بلا حدود” PSF التي نشطت في الشيلي و هايتي و غيرها من دول العالم.
خاتمة
كان السؤال المركزي ل gendreau سنة 1950 كما يلي:”كيف أكون نفسي لأصبح مربيا متمكنا من التدخل لفائدة مراهقين منحرفين”. و في سنة 2020 و بعد التقدم الهائل في المهنة و تعدد مجالات ممارستها يمكننا إعادة صياغة هذا السؤال كالآتي: “كيف أكون نفسي لأصبح و أستمر كأخصائي متمكن في التربية النفسية”. تنطوي الإجابة على هذا السؤال على رهان فردي و آخر جماعي على مستوى المؤسسات (الجامعات و أوساط التدخل).








