يوسف العزوزي: استاذة مشرف على قاعة المواد للتأهيل و الدعم بمديرية تازة
تستوجب مستجدات التربية الدامجة الدخول في علاقة دينامية مع الأستاذة و المربين و أولياء أمور التلاميذ لتصميم جسر تواصل بين الفاعل التربوي التعليمي و العلوم العصبية و مختلف المستجدات العلمية ذات الصلة.، مع النأي بالنفس عن محاولة إثبات علمية هذا المنهج أو ذاك لأن هذا الدور من اختصاص هيئات علمية متخصصة، فالأهم هو استثمار الفهم العلمي و الاكتشافات الحديثة في تطوير المنتوج البيداغوجي و تكييفه مع خصوصيات المتعلمين و البحث في ملاءمة وضعيات التعلم.
أنا لست متخصصا في العلوم العصبية و لكنني أستاذ مشرف على قاعة الموارد للتأهيل و الدعم ، مهمتي تنسيق العلاقة بين ما يتعلق بمهنة البيداغوجي التربوي (أستاذ التعلمات الأساس) و مهنة الطبيب و الأخصائيين و الأخصائيين النفسيين على اختلاف ابعادهم العلمية، و في هذا السياق تبرز الحاجة إلى مواكبة آخر الأبحاث و العلوم ذات الصلة (العلوم المعرفية، علم الاجتماع التربوي ،علم النفس ، العلوم العصبية، علم النفس العصبي، علم النفس السلوكي ، تحليل السلوك التطبيقي…..)
لمحة عن تطور العلوم العصبية:
سمحت مستجدات تطور تكنولوجيا التصوير المقطعي “tomographie” و استعمال “البوزيطرون_positron ” و صور الرنين المغناطيسي بملاحظة الدماغ في حالة نشاط”invivo” و أدت هذه الاكتشافات إلى توضيح المسارات العصبية التي تسمح بمجموع الأنشطة الذهنية ( الإدراك، الانتباه، التذكر، المنطق، أخد القرار، العواطف، التحكم في الذات، التعاون….)
و شكلت هذه المستجدات العلمية ثورة في مجال البيولوجيا و العلوم الإنسانية والاجتماعية و علوم التربية و الهندسة الرقمية و الآلية، إذ يمكن مقارنة أهمية تكنولوجيا ملاحظة الدماغ “invivo “بأهمية اكتشاف التلسكوب و الميكروسكوب في زمن علمي سابق، و هذا ما يشكل تحديا لعلوم الأعصاب في السنوات المقبلة لتعميق فهم و تفسير أهمية الجهاز العصبي من دور العصبون إلى الأنشطة الذهنية البسيطة و المعقدة و أثر دور هذا النسيج البيولوجي في التفكير في الانفعالات و المشاعر من خلال هندسة عصبية موروثة عبر ملايين السنين من تطور العنصر البشري “phylogenese” و التطور التدريجي للنضج العصبي “ontogenese”.
Ontogenese et maturation cérébrale :
تتيح اكتشافات تكنولوجيا التصوير العصبي دراسة تطور النمو العصبي “ontogenèse cérébrale” أثناء الأنشطة الدماغية”invivo” منذ مرحلة ما قبل الولادة، فالنضج الوظيفي للدماغ يبدأ عند ظهور الأنبوب العصبي (النظام العصبي الأولى) بين اليوم ( 19 و28) و يتكون الأنبوب العصبي من طبقة عصبية واحدة تنقسم بسرعة هائلة لتصل في بضعة أشهر إلى مليارات الخلايا و تتكاثر الخلايا الجديدة بمعدل 250000 في الدقيقة.
و بين الأسبوع 26 و 36 تظهر ثنايا تسمى “sulcus” على مستوى القشرة الدماغية فتعطي الشكل المميز للدماغ، و يستمر النضج بعد الولادة إلى 25 سنة و ترتبط خصوصية هذا النمو العصبي”ontogenèse” بالنوع البشري .
و لمقارنة زمن التكوين في مرحلة الحمل في هذا السياق بين الإنسان(270 يوم) و القرد (224يوم) و أن صندوق الجمجمة يزداد ب 4,3 مرات بعد الولادة عند الإنسان و 1,6 مرات عند القرد، لأن النضج العصبي عند الإنسان يتأثر بالسياق الاجتماعي و القيم الأخلاقية و التعلمات الأولية كاللغة.
و يصل الدماغ البشري في السنة الخامسة إلى 1,3kg مقابل 1,4kg معدل كتلته عند سن البلوغ ، و بالإضافة إلى الكتلة يتضاعف التشبيك العصبي ب 90%بعد الولادة و تظهر ملايين التشبيكات “synaps” في كل ثانية و يؤدي ذلك إلى ارتفاع سمك القشرة الدماغية و يصاحب هذا النضج التشريحي نضجا وظيفيا يتميز بتشكلات عصبية بوتيرة تصاعدية للتشبيكات العصبية المعنية بكل وظيفة معرفية ( الإدراك، الانتباه، التذكر، المنطق، أخد القرار…)
A: De la maturation cérébrale aux modèles du développement cognitive et aux.apprentissage scolaires
من النضج العصبي إلى نماذج النمو المعرفي و إلى التعلمات المدرسية :
تستمر آلية النضج التشريح إلى 25سنة في المنطقة القبل جبهية (préfrontale) المعنية بتدبير أنشطتنا الذهنية و اندفاعيتنا.
و ترتبط مراحل نضج حساسية المحيط التي يكون خلالها نشاط اللذونة(المرونة العصبية) في حالته القصوى (الطفولة و المراهقة) بصيرو ة النضج التي تتميز بوثائر متغيرة في مختلف المناطق الدماغية.
عموما يفسر هذا التمايز في النضج بأن التقدم المبهر قد يكون متبوعا بثبات أو تراجع عملية النمو المعرفي و تعلمات الطفل و المراهق، عكس ما ذهب إليه مفكرو علم نفس النمو ك :”جون بياجي” و هذا يعني أن النمو المعرفي الانفعالي الاجتماعي للطفل في جوهره ديناميكي و ليس خطيا.
و قد سمح هذا الاكتشاف بإعادة تأويل الأخطاء النسقية في التعلمات، إذ لم تعد تعكس غياب المعارف عكس الاعتقاد الذي كان سائدا.
Environnement, plasticité et contraintes précoces.
محيط ، لذونة(مرونة عصبية) ، و اكراهات مبكرة.
يُعَد النضج العصبي ثمرة برمجة جينية تحكمها مُورثات النمو، كما يخضع إلى تأثير قوي للمحيط الذي نما فيه الجنين و الرضيع و الطفل و المراهق، فالمحيط السوسيواقتصادي يؤثر على النضج العصبي واللذونة الدماغية و باحات الدماغ المعنية بالتعلمات المعرفية و المدرسية.
يؤثر إذن الترعرع في وسط اجتماعي هش على النضج و اللذونة، لأن مستوى التوتر (stress) بهذا الوسط عامل مؤثر و يمكن أن يسبب اضطرابات النوم و الاضطرابات الانفعالية و الضغط النفسي و القلق عند الطفل لأن التعرض لتوتر مزمن في فترة الطفولة يرفع عضويا من هرمون الضغط العصبي (الكورتيزون) و يربك وظيفة المناطق التي تتوفر على مستقبلات الكورتيزول، تحديدا (l hippocampe et le lobe frontale).
كما يتأثر النضج العصبي بالتعرض للتوتر المزمن في فترة الحمل بانعكاسات سلبية على بعض المؤثرات في دماغ الجنين. و يؤثر أيضا الوسط السوسيو اقتصادي على سلامة جودة النوم و بالضبط على نوم الموجة البطيئة( توقف العين عن الحركة و تراجع إيقاع الموجات الدماغية أثناء النوم.) المعنية بتثبيت المعارف في الذاكرة.
و يمكن تفسير بعض الصعوبات المدرسية التي يواجهها الأطفال الذي ترعرعروا في أوساط تسبب النوم المتقطع بسبب الظروف الأسرية، في هذا السياق لا يوجد تعارض بين السوسيولوجيا و علم النفس العصبي ، لأن النضج العصبي و اللذونة الدماغية يَحصُلان في سياق اجتماعي خاص.
هكذا يعطي هذا التأثير المزدوج (وراثي – بيئي) لدماغنا بعده الكوني، فالأدمغة مثل الوجوه التي تتكون من العينين و الأنف و الفم…) لكنها تختلف بشكل يمكننا من تمييزها و التعرف على خصوصية أصحابها.
و تلتزم العلوم العصبية في الوقت الراهن بالبحث في تعميق دور الدماغ و دراسة الاختلافات الفردية، و تسمح لنا بإعادة مساءلة إشكاليات علم نفس النمو المتعلقة بدور المكتسب و الوراثي في سلوكنا على ضوء التطورات التي عرفتها. (يُتبع)








