فاطمة الزهراء أبشي
قبل الخوض في الحديث، و التفصيل في قراءتي هذه للقصة القصيرة جدا "استسلام"، لابد أولا من الوقوف عند المفاهيم الحاضرة في العنوان، ذلك أنه من الصعب الجمع بين مفاهيم تحمل أبعاد مختلفة بدء من علم النفس، علم الاجتماع، و الأدب، خاصة و أن لكل من هؤلاء أسسه التي يرتكز عليها.
من المعروف أن ما يسمى بالتحليل النفسي كنسق قام بتأسيسه المحلل النمساوي "سيغموند فرويد"، و هو نسق يندرج في خانة علم النفس، و له آلياته و مفاهيمه الخاصة به، و قد وجد أول الأمر لعلاج المرضى العصابيين عن طريق التنويم المغناطيسي أو ما يسمى بالتداعي الحر، إلا أنه لم يقف عند هذا بل تجاوزه إلى الانفتاح على المجال الأدبي، و هنا يطرح السؤال حول ماهية العلاقة التي تجمع بين التحليل النفسي و الأدب؟ سؤال و لا شك يقودنا حسب البعض إلى علاقة إشكالية حيث يدعون أن الأدباء ليست لهم تلك المؤهلات التي قد تسمح لهم باستعمال التحليل النفسي، لكن طبعا هذه تظل إشكالية متجاوزة، ذلك أنه إذا ما كانت هناك من علاقة بين الطرفين فهي علاقة تكامل، تكامل يتجلى في كون التحليل النفسي غالبا ما يقوم بخلخلة بعض المسلمات كافتراضه بأن "الأنا ليست سيدة ذاتها"، أما الأدب فمن خلاله نحاكي إنسانيتنا التي تفكر و تتكلم، و فيه يستطيع الإنسان أن يسائل قدره الكوني و التاريخي و اشتغاله الذهني و الاجتماعي، هذا من جهة و من جهة أخرى تم إيراد مصطلح التناقض، و لعل التساؤل الذي قد يترامى إلى الأذهان هو: كيف دخل التناقض النص الأدبي و نحن نعلم أن النص بصفة عامة يعتبر كثلة متماسكة على مستوى الشكل و المضمون؟ و يلزمنا هذا التساؤل بالوقوف عنده للحظة لنحاكي أنفسنا: إذا كان التناقض موجودا أينما حللنا و ارتحلنا، فالمجتمع تحكمه تناقضات عدة تختلف مكانتها باختلاف نوعيتها و الوضعية التي يحياها المجتمع نفسه، كيف إذن إذا كان هذا المصطلح حاضرا بهذه القوة في كل المجالات و على جميع المستويات أن لا يكون حاضرا في النص الأدبي؟ أوليس النص الأدبي هو تعبير عما يعيشه الأديب من تناقضات في محيطه و مجتمعه؟ أوليست العلاقة التي تجمع بين مكونات الجهاز النفسي هي علاقة تناقض تنم عن مجموع الصراعات الداخلية للذات المتأثرة بمجموع التراكمات الحاصلة في محيطها؟ أظن عند الإجابة عن هذه التساؤلات سيتضح الارتباط الحاصل بين هذه المفاهيم، و هي طبعا تساؤلات تحمل في طياتها الإجابة.
و حتى لا أطيل أكثر مما أطلت سأنتقل إلى محاولة في تحليل قصة استسلام و الوقوف على بعض ما سبق ذكره.
يقول السارد: "أدار ظهره…أغمض عينيه، و بدأ بالعد: واحد .. اثنان .. ثلاثة…
أسرعت للاختباء، قبل وصوله إلى الرقم عشرة…"
أول ما يمكن ملاحظته في هذا القول هو ما تحدثنا عنه منذ قليل، و هو طبعا التناقض الذي يحكم العلاقة بين الشخصية المحكي عنها و الشخصية الثانية المتمثلة في السارد، و يتجلى ذلك في كيفية التفاعل مع الحدث و ردة الفعل من كلا الطرفين، فنلاحظ على مستوى الشكل تلك الطريقة التي كتبت بها الأعداد تعبيرا، حيث توجد نقاط بين الأرقام المذكورة، و هذا طبعا يوحي بوجود بطء في العد، أما الطرف الثاني السارد فهو على العكس من ذلك تماما يتميز بالسرعة "أسرعت للاختباء"، و الإسقاط الذي نتلمسه في قوله: "قبل وصوله إلى الرقم عشرة"، أي أن السارد يتوقع حدثا سيحصل عند بلوغ الرقم عشرة، لكن من الواضح أنه يتجاوز مستوى التوقع إلى إسقاط هذا التوقع على واقع لم يحن بعد و لا يعرف شروطه و أسسه، انطلاقا من وضعيته الحالية التي لم يقف ليحللها أو يقوم بقراءتها.
يقول: " أربعة … خمسة…
انتحيت جانبا في ظل شجرة قريبة بحيث أراه و لا يراني…"
الطرف المحكي عنه لا يزال في هدوئه يواصل العد دون توتر في اتجاه العمق، أما الطرف الآخر السارد فيواصل اتخاذ القرارات بسرعة باحثا عن حلول، و يبدو لنا للوهلة الأولى أنه المتحكم في اللعبة لكونه تمكن من الاختباء في مكان يسمح له برؤية الخصم بينما هو لا يراه، و بالتالي فهو متمكن من متابعة كل خطواته و تحركاته.
يقول: " سبعة … ثمانية …
تفرق الأصدقاء كل منهم في مكان…"
في هذا السطر نتلمس خطوة قد تكون السبب في قلب الموازين، و أقصد هنا التفرقة التي حصلت بين الأصدقاء حيث ذهب كل منهم في مكان، و هذه مرحلة أخرى تأكد وجود اختلاف و تباين، ذلك أن العد ليست له نهاية و بالتالي نمثله بالاتجاه نحو العمق و الطرف المحكي عنه هو طرف واحد، بينما الطرف الثاني السارد و أصدقاؤه يتجهون نحو الانفصال و الانقسام.
يقول: " حين يصل إلى الرقم عشرة سوف يبحث عنا واحدا … واحدا…
سيكون أول من يجده الضحية التالية التي ستغمض عينيها و تدير وجهها إلى الجدار
أما نحن فما علينا إلا الاختباء…"
مرة أخرى نقف عند الإسقاط و هنا يظهر بشكل واضح، لدرجة أننا نلاحظ وجود الضمير "نحن" و كأن السارد متأكد من حصول ما يتوقعه و متأكد من كونه سيكون في صفوف المنتصرين، فهو يؤمن بتنبئه هذا في غياب آراء أصدقائه و انتقاداتهم و هذا طبعا يوحي بنرجسية السارد و سقوطه في الذاتية و العزلة.
يقول: " عشرة…
قفز قلبي… تسمرت في مكاني…
أحد عشر … اثنا عشر…
انكمشت على ذاتي حابسا أنفاسي…"
عشرة، هي النقطة التي أفاضت الكأس، هي درج الانتقال من مستوى إلى مستوى آخر، من كيف معين إلى كيف آخر. نتذكر أن في المرحلة السابقة قبل الرقم عشرة كان الطرف الرئيسي المتحكم في زمام اللعبة هو السارد، ذلك أنه و أصدقاؤه من بإمكانهم التحكم في حركية الشخصية الثانية من خلال معرفتهم بها و إمكانية حصارها إن شاءوا، لكن بعد الرقم عشرة صارت الشخصية الثانية المحكي عنها هي المتحكمة في هذه اللعبة لأنها الوحيدة من بإمكانها إيقافها أو الاستمرار فيها، فهي المتحكمة في وضعية السارد و من معه.
يقول: " عشرون… ثلاثون… مائة… ألف…
واحدا بعد أخر، انسحبنا معلنين الاستسلام…".
جاءت هذه النهاية لتكون خاتمة القصة، و لتكون النهاية التي لم تخطر على بال، فمتابعة الطرف الأول العد دون توقف أو ملل، تذكرنا بآلية التنويم المغناطيسي المستعملة كما سبق الذكر في علاج المرضى العصابيين، لكن ما يهمنا منها هي الكيفية التي يتم بها التنويم، حيث يطلب من المنوم أن يغمض عينيه و يحسن الاستماع، ثم يبدأ المحلل في العد من واحد إلى عشرة فيكون عندها الشخص قد نام، و بالتالي استطاع تحقيق الوحدة بين الذات و الأنا و الوصول إلى أعماقه الخفية، و هو الشيء الذي وقع مع الطرف الأول في القصة فحقق تلك الوحدة و استطاع أن يقلب الموازين، بينما السارد و الأصدقاء ذهبوا عكس ذلك بتسرعهم و ذاتيتهم الحاضرة التي أدت إلى الانفصال و بالتالي الخضوع للطرف الآخر.
التحليل النفسي و التناقض في القصة القصيرة جدا “استسلام”








